«الحروب الصغيرة يمكن أن تكون لها تبعات كبيرة». هذا ما كتبه رشيد الخالدي في تصديره لكتاب «الحرب على لبنان». ورغم أن هذه العبارة التي شكلت محور أغلب فصول الكتاب الذي حرره نوبار هافوسبيان تطرح تحديداً التبعات الإقليمية للعدوان الإسرائيلي على لبنان عام ٢٠٠٦، فإنها تضيء على قاعدة جيوسياسية حكمت السياسة في المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة. باختصار: كل الأحداث الإقليمية مترابطة، وكل حدث محلي هو، بالضرورة و بالتبعات، إقليمي ودولي أيضاً.


في مصر وسوريا، بؤرتي الوطن العربي، تكشف الأحداث مؤخراً مثالاً جيداً لسياسة رقعة الشطرنج هذه في الشرق الأوسط، حيث يعرف كل محلل جيوسياسي القاعدة ذاتها التي يعرفها كل لاعب شطرنج محنك. إنها قاعدة «أهمية الفرق» «The Importance of Difference»، القاعدة التي استقاها عالم اللسانيات السويسري فرديناند دي سوسور من لعبة الشطرنج وطبقها على دراسته في اللغة وعلم اللسانيات. تقول القاعدة ببساطة، إذا حرك اللاعب قطعة واحدة فقط على لوح الشطرنج فإنه يغير ويعيد تركيب كل معنى اللعبة ويعيد تشكيل مبناها كلياً، ويغير بالتالي قيمة وأهمية كل قطعة على الرقعة. لهذا السبب، وكما يعرف كل لاعب شطرنج ماهر، ليس لأي قطعة، مهما كانت، أهمية بحد ذاتها، أو قيمة جوهرانية، كما لا أهمية لأي قطعة خارج سياق توزيع القطع على الرقعة. فمعنى وقيمة كل قطعة يتحدد أساساً في موقعها مقابل القطع الاخرى أو بحسب توزيع القطع على الرقعة، وهو ما يتغير مع كل تحريك لأي قطعة على اللوح. هل يفسر هذا، قليلاً على الأقل، ما كشفت عنه الأحداث في سوريا مؤخراً؟ بعض السرد ربما يفسر أكثر.

لا أهمية لأي قطعة
خارج سياق توزيع القطع على الرقعة

في ١٢ شباط ٢٠١٢ كتبت فيتا بيكر من «معهد دراسات الأمن القومي» الصهيوني أن إسرائيل كانت «قلقة من احتمال حصول تغيير في النظام المصري» أثناء الثورة المصرية في كانون الثاني ٢٠١١. هذه الحقيقة كانت واضحة حقاً ومعروفة على نطاق واسع تحديداً منذ ٧ شباط ٢٠١١ في أثناء «ثورة يناير». في ذلك اليوم نشرت «تلغراف» ووسائل إعلامية اخرى وثيقة من «ويكيليكس» كشفت فيها أن إسرائيل كانت «قد أقامت خطاً ساخناً مع الرجل الذي كان من المفترض أن يحل مكان مبارك». تشير الوثيقة، باختصار، إلى أنه تمت تسمية عمر سليمان «كمرشح إسرائيل المفضل للموقع (الرئاسة المصرية) بعد نقاش مع مسؤولين أميركيين عام ٢٠٠٨». لكن في «٢٥ يناير» حدثت الانتفاضة المصرية وأربكت الخطة. لهذا قلق الإسرائيليون.
على العكس تماماً من ذلك، قالت بيكر في نفس التقدير الصادر عن معهد الأمن القومي الصهيوني ما يلي بالحرف: «إسرائيل لا تخشى من تغيير النظام في سوريا». ولتأكيد ذلك، ذكر التقدير القراء بما قاله وزير الحرب الصهيوني، موشيه يعالون، لأحد قنوات الراديو في شباط ٢٠١٢: «إسقاط الأسد سيكون جيداً لإسرائيل» لأنه سيحفز على «شق حلف طهران ـ دمشق ـ بيروت ـ حماس الشيطاني». ولتأكيد الفكرة، يذكر ذات التقرير تقدير أيهود باراك، الذي يعتبره البعض أحد أهم العقول الإستراتيجية الإسرائيلية. باراك، العبقري هذا، الذي كان قد توقع في منتصف كانون الأول ٢٠١٢ أن الأسد «سيفقد السلطة في غضون أسابيع»، أكد أن «سقوط الأسد سيكون نعمة للشرق الأوسط» – اقرأ نعمة لـ «إسرائيل».
لكن الرئيس الأسد لم يسقط، وبعد ثلاث سنوات، في ٢٦ نيسان ٢٠١٤ ستكتب برناديتا بيرتي، أيضا من معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني أن أحداث «سوريا غيرت ديناميكية صراع إسرائيل ـ حزب الله». فسوريا، كما سيتضح لاحقاً، كانت منذ بداية الأحداث ساحة صراع دامي مفتوح بين المحاور الإقليمية والدولية بشكل مباشر وغير مباشر ـ لا تغرنكم الرطانة الثورجية الباهتة وغير المتقنة التي يستخدمها بعض أقطاب المعارضة المسلحة، ولا لمعان خطاب حقوق الإنسان المخادع الذي يحكم التغطية الإعلامية للأحداث في سوريا وبكائياتهم اليومية على الضحايا. فلقد جاء الاعتداء الإسرائيلي على مجموعة لحزب الله في القنيطرة السورية في ١٨ كانون الثاني ورد حزب الله عليها في شبعا في جنوب لبنان في ٢٨ من الشهر ذاته لتؤكد الحقيقة التالية: إسرائيل اليوم منخرطة في الأزمة السورية بشكل مباشر ما يجعل سوريا ساحة اشتباك مباشر من ساحات الصراع العربي ـ الصهيوني. صحيح أن الاشتباك في الجولان وشبعا قد غيرا قواعد الاشتباك بين إسرائيل وحزب الله، لكنهما أكدا أيضاً أن مرحلة دخول إسرائيل على خط الأزمة السورية ضد الرئيس الأسد بالوكالة انتهت. إسرائيل تشارك الآن في الصراع في، وعلى، سوريا بشكل مباشر.
ومرحلة المشاركة الإسرائيلية في الحرب على سوريا بالوكالة مؤكدة وموثقة تماماً هذه الأيام. ففي تشرين الثاني من عام ٢٠١٤ أصدرت مجموعة من الناشطين السوريين في الجولان السوري المحتل من إسرائيل والقريب من مسرح الأحداث بياناً اتهمت فيه إسرائيل بـ «دعم كل المجموعات المسلحة التي تقاتل النظام السوري، وتزودها بالعتاد والأسلحة، وتعالج مصابيها من كل الأطراف، خصوصاً جبهة النصرة وداعش». لم يكن هذا البيان صادراً عن مجموعة مؤيدة للرئيس السوري ولا جزءاً من حملة إعلامية لتشويه المعارضة. ففي ١٠ تشرين الثاني ٢٠١٤ أكدت الصفحة الإخبارية الإسرائيلية «آي ٢٤ الإخبارية» التابعة للقناة «٢٤ الإسرائيلية» أن «بعض أعضاء النصرة والدولة الإسلامية يتلقون العلاج في إسرائيل» وهي حقيقة شاهدها سكان الشرق الأوسط على محطاتهم التلفزيونية ولا يحتاجون لأي دليل عليها (والنصرة لمن لا يعرف هي فرع القاعدة في سوريا، أما داعش فه أخوها سيئ السمعة المعروف بـ «الدولة الإسلامية»). رغم ذلك، لم يصدر أي نفي أو إنكار إسرائيلي لما جاء في البيان المذكور. على العكس، فلقد أكد مكتب الناطق العسكري الإسرائيلي تلك المعلومات لـ «آي ٢٤ نيوز» لكنه ادعى أن السبب «إنساني». طبعاً سيضحك على هذا التبرير الإسرائيلي كل من قرأ تقريراً واحداً فقط لمنظمات حقوق الإنسان عن الممارسات الإسرائيلية اليومية في فلسطين، هذا إذا افترضنا أن القارئ ساذج سياسياً فعلاً حد تصديق أن الدول تتصرف في حالة الأزمات الكبرى والمصيرية وفقاً لاعتبارات أخلاقية نؤمن بها كأفراد.
رغم ذلك، وحتى نستكمل النظر إلى رقعة الشطرنج كلها لنفهم الصورة، يجب القول إن «إسرائيل» ليست الدولة الوحيدة في الإقليم أو العالم التي تدس أنفها بشكل مباشر أو غير مباشر في الأزمة السورية منذ البداية. في ٢٧ كانون الثاني ٢٠١٥ نشرت «دايلي بيست» تحت عنوان «سبق صحافي» الخبر التالي: «اوباما يقطع الدعم المالي عن الثوار السوريين». طبعاً، منذ فترة طويلة ونحن نسمع عن الدعم المالي وما سمي أيضاً بـ «الأسلحة غير الفتاكة» للمتمردين في سوريا على لسان المسؤولين الأميركيين، لكن القصة التي نشرها الإعلام قبل ذلك، في شهر تشرين الثاني ٢٠١٤، كشفت تدخلاً أميركياً أعمق وأكثر جدية من ترهات «السلاح غير الفتاك». مثلاً، نشرت «تلغراف» القصة الفضيحة التي أصبحت اليوم معروفة عن حيازة واستخدام جبهة النصرة (القاعدة في سوريا) صواريخ «تاو» الأميركية المتطورة المضادة للدروع. جبهة النصرة كانت قد غنمت تلك الصواريخ قبلها بفترة من حركة «حزم» (ميليشيا تابعة للاخوان المسلمين) التي كانت الإدارة الأميركية تراهن عليها كثيراً وتدعمها، ومن جبهة ثوار سوريا أيضاً ـ والـ «تاو» صواريخ شديدة الفتك، وما عليك إلا أن تستخدم أي محرك بحث للتعرف إلى هذه الصواريخ ولتعرف عمق التورط الأميركي في الأزمة السورية.
لكن حتى قبل التساؤل عن سبب الدعم الأميركي لأي مجموعة مسلحة في سوريا (يدربونهم، يسلحونهم، ويدفعون رواتبهم، ويجلبون الكثير منهم من خارج سوريا ثم يريدون لنا بعد كل ذلك أن نقتنع أنها ثورة خالصة ونموذج لمواجهة مثالية بين شعب وسلطة) ربما تتوجب قراءة ما كتبته «واشنطن بوست» في ٥ كانون الثاني ٢٠١٤ تحت عنوان «صعود والسقوط القبيح لثائر سوري معتدل يقدم دروساً للغرب». موضوع التقرير طبعاً هو شخص يدعى جمال معروف يعرفه أهل المنطقة العربية جيداً. وقصة معروف هذا تجسد إلى حد بعيد قصة العديد من المجموعات المسلحة في سوريا. ورغم أن الـ»بوست» لم تأت بجديد لا يعرفه أهل المنطقة، إلا أن روايتها تصف شقًا من رقعة الشطرنج السورية وتوزيع القطع على اللوح. فمعروف هذا، كما وصفه تقرير «واشنطن بوست»، هو «أمير حرب» فاسد يعمل في التهريب، لكن «رعته ومولته السعودية، حليفة أميركا، ورأت فيه فرصة للدفع ضد صعود تأثير مجموعات إسلامية ـ أغلبها كان يحصل على دعم من قطر، خصم السعودية الأساسي في الشرق الأوسط». السعودية وقطر تتصارعان في سوريا إذن ولكل منها متمردوه! بعد سقوطه، يشير التقرير الى أن أمير الحرب الفاسد هذا والمنخرط في التهريب وتجميع الأموال يقطن حالياً في تركيا ـ وتركيا هي دولة مجاورة اخرى لها مجموعاتها الاخرى التي تراهن عليها وتدعمها، عدا عن فتحها الحدود للمرتزقة الراغبين في القتال من كل أصقاع الأرض.
لا يمكن على الإطلاق أن تجد مجموعة سورية معارضة مسلحة واحدة، واحدة فقط، بلا راعٍ وبلا ممول ومسلح دولي أو إقليمي ـ سمي المجموعة وسيسمي لك أهل سوريا وأهل المنطقة الراعي الإقليمي أو الدولي: هذا مجرد توصيف سريع كما يسمح به المجال الضيق هنا لحالة رقعة الشطرنج السورية في نهاية العام الرابع للأزمة السورية. لكن، عليك أن تكون ساذجاً وتقتنع أنه هكذا تحدث الثورات دائماً وإلا فإنك ستتهم بدعم نظام ديكتاتوري، أو أن تستخدم عقلك قليلاً وتنظر للصورة على أنها تمرين ودرس دموي في الجغرافيا السياسية ومحاولة لإعادة رسم الخريطة الإقليمية. لماذا؟ انظر إلى الخريطة وستعرف الجواب. انظر إلى ترتيب الدول التي تمول المجموعات المسلحة بحجة الديمقراطية وحقوق الإنسان على سلم مؤشرات قياس الديمقراطية وحقوق الإنسان. الأهم، انظر إلى طريقة التعامل الوقحة والعنصرية مع اللاجئين السوريين من الممولين أنفسهم الذين يدّعون محبة سوريا وأهلها ولا يتورعون عن تبذير المليارات لتسليح المتمردين، تجد الجواب.
في عام ٢٠١٥ تستمر القوى الدولية والإقليمية في لعبة الشطرنج الدامية في سوريا، وتستمر بعض هذه القوى من دون حياء في إعادة تموضعها بين المحاور. في الوقت ذاته تستمر سوريا والشعب السوري بالنزيف، ومعهم ستظل قلوبنا تتوجع.
(ترجمة الكاتب عن نص نشر بالإنكليزية)
* كاتب عربي