كثيراً ما تمّ اتهام المفكر الراحل هادي العلوي بالطوباوية في مقاربته للقضايا الاجتماعية، وبأنه يطرح مفاهيم سياسية\اخلاقية، كاللقاحية والمشاعية، من الصعب تخيّل تطبيقات لها في الواقع العملي. من هنا، قام الرّاحل في أحد كتبه بطرح مشروعٍ «واقعي» لتحقيق المشاعية في العراق، ملحقٌ به برنامج لتأمين الموارد الكافية لتمويل «وزارة التنظيم المشاعي للمجتمع».


فكرة العلوي الأساسية أن الدولة تستحوذ على فائض انتاج المجتمع، ولو كانت اشتراكية بالاسم، فهي تحلّ محلّ الفئات المستغلّة في احتكار الموارد والثروات وتوجيهها لصالح القلّة المهيمنة، أو في سبيل مشاريع دولتية «تنموية»، تجاري أوهام النخب المثقفة (وان كانت حسنة النية) ولا تمسّ أحوال الفقراء والمهمشين. الحلّ، اذاً، هو في الاستحواذ على جزءٍ من موارد الدولة واستثمارها في سلطة مشاعية تنهي «مآسي الجوع والتشرد والفقر والمرض من دون انتظار برامج التنمية».
«البرنامج المشاعي» الذي طرحه العلوي، بنقاطه التسع، قد يثير استغراب البعض، فمهام «الوزارة المشاعية» في مفهومه تتراوح بين تأمين الطعام المجاني للمحتاجين، وضمان الخدمات الصحية، وبناء المساكن للفلاحين والفقراء (باستعمال الطابوق المحلي) ... وبين التوفيق بين الأزواج ومكافحة الطلاق ومنع الزواج الثاني.
النظرية اذاً تتمحور حول تأمين «الحد الأدنى» لمعيشة الفئات الهامشية، عبر تنظيمها في اطار مشاعي يُفرض على الدولة فرضاً ولا يُرتجى منها؛ بل أن العلوي أصرّ على أن تكون «الهيئة المشاعية» اجتماعية صرف، تُقارب مجال السياسة من خارجه، وتتجنّب المثقفين والنخب. قد يبدو كلام العلوي، حين طُرح في الثمانينيات، خارج التاريخ والواقع، غير أنّه يشابه – الى حدّ بعيد – خطط «الاشتراكية من تحت» التي اعتمدت في ما بعد في فنزويلا تشافيز، والتي قامت على رفع مستوى الحياة لدى الفئات الدنيا والمهمشين، بعيداً عن خطط التنمية الشاملة والصفقات المجتمعية التي تستلزمها.
في كاراكاس، كما يقول الباحث جورج كيتشاريلو- ماهر، تمثّل العشوائيات، «الباريوز»، «هامشاً» حتى بالمعنى البصري، فهي تمددت على حواف الوادي الذي يحضن العاصمة، وبنيت، ككتل سكنية مؤقتة، على التلال التي تحيق بها. من بين هذه الفئات خرجت الحركة الاشتراكية، التي كلّلها فوز تشافيز بالرئاسة وأعطاها سلطة سياسية ما زالت قائمة الى اليوم.
يمكن اقامة ربطٍ بين هذه الاستراتيجيات الاجتماعية (لدى العلوي والحركة التشافيزية) وبين مفهوم «الاقتصاد الاخلاقي»، الذي صيغ في الستينيات لتوصيف وعيٍ اقتصادي ساد في المجتمعات الزراعية قبل الرأسمالية، وهو يعتبر أنّ حاجات انسانية معيّنة (كحق الحياة والمأكل والمسكن والزواج) تتقدّم على «قوانين السوق» والأسعار؛ فلا يحقّ لمالكي الأراضي، مثلاً، بيع محاصيلهم خارج القرية في موسم الجفاف، أو رفع الأسعار فوق قدرة السكان المحليين على الشراء وتركهم للجوع.
تأسيس منطق اقتصادي خارج القواعد الليبرالية\الرأسمالية لا يزال التحدي الأبرز أمام مشاريع التغيير اليوم. ونقل أفكارٍ كالاقتصاد الاخلاقي الى واقعنا المعاش هو تمرين أكثر فائدة من التلهّي بأوهام الديمقراطية النخبوية، وانتظار الحلول منها. بهذا المعنى، قد يكون استرجاع تراث هادي العلوي – المثالي والحالم – أنجع من بناء عواصم جديدة، كما يفعل المصريون، على طريقة دبي، فيما يقبع ثلثا سكان القاهرة مهمّشين في العشوائيات.