عندما يشتمل تجمّع على روسيا والصين ودول اخرى لا يقع أيٌ منها على أي من ضفتي الأطلسي، فإن تهمة الغضب الخالي من الأفق تبدو ملائمة بالنسبة لكثير من المحللين. فالأولى خرجت خاسرة من صراع وسم الحضارة الإنسانية بشتى تجلياتها في النصف الثاني من القرن العشرين، والثانية لاءمت بين نظام سياسي يقوم على الحزب الواحد واقتصاد رأسمالي بالمجمل وتركت كارل ماركس وآدم سميث فريستين لصداع مفاهيمي نغّص عليهما الاتساق والأناقة النظرية. أكثر من ذلك، فالعولمة التي لا تحتمل «الدولة القومية» الفجة بالتأكيد لا مكان فيها للأحلاف وبخاصة تلك الأحلاف التي خسرت معركة القرن الباردة ولا تريد أن تصدق ذلك.


أما الحلف غير المرئي الذي يتخلل كل مؤسسات التعاون الدولي بين الدول التي من الممكن وصفها بالغربية مع قليل من الزحزحة في المصطلحات فإنه ليس حلفاً يقول منظرو الرأسمالية، إنه الطليعة «الطبيعية» للعولمة التي هي لا شيء آخر سوى الأنسنة. هنا بالضبط، لا مانع من استفتاء عالم الألسنيات نعوم تشومسكي لتبيان مدى كون العولمة أنسنة أم أمركة!

أول محاولة طموحة لفض الأحادية السياسية ـ الاقتصادية على الكوكب

من المسلم به أن مجموعة «البريكس» هي تجمّع اقتصادي طوّر ويطور نظرة سياسية كونية. يعد ذلك تفادياً ذكياً من حيث المبدأ لمأزق أحلاف سابقة قامت على النظرية السياسية وحاولت لاحقاً ليّ عنق اقتصاديات أعضائها لصناعة المصلحة المشتركة بين مكونات الحلف. يثير ذلك نظرياً العديد من الأسئلة حول ماهية الاقتصاد المعاصر ومدى قدرة «اللحظة الاستراتيجية» التي اشتركت فيها دول في المصلحة على أن تُعمّر في ظل ديناميات وتحولات لا تتوقف البتة عن التسارع في غير اتجاه. بمعنى آخر، للوهلة الأولى تبدو ذهنية تشكيل الأحلاف الاقتصادية متخلفة من حيث أنها تجاهر بنيّتها في تأبيد مشهد مصلحي راهن مع ما يشكل ذلك من خروج عملي عن زمن هذا المشهد وتاريخه. لطالما لاحقت هذه الإشكالية جميع الذين انضموا إلى قافلة العالم الجديد الذي خرج إلى الضوء إبان الحرب الباردة واحتفظوا لأنفسهم بمقاعد على يسار القافلة. يعتقد هؤلاء أن العالم لا يمكن أن يقف على قدم واحدة، لا سيما إذا كانت هذه القدم أميركية.
في المقابل، تُسجّل للرئيس الروسي فلاديمير بوتين مواقف لافتة في مدى عقلانيتها بحيث أنها تمثّل قطيعة يُعتد بها مع الخطاب الروسي ـ الشيوعي التقليدي. ففضلاً عن تأكيده الدائم البناء على المصلحة الاستراتيجية المشتركة لدول مجموعة «البريكس»، فإنه يدعو إلى خطوات عملية من أجل مساهمة هذه المجموعة في التعاون العالمي. إذاً، يشي ظاهر خطاب بوتين بذهنية التعاون الإيجابية في مقاربة الملفات الدولية وهذه قطع موصوف مع الجرعة العدائية التي لطالما تبادل طرفا الحرب الباردة أنخابها سابقاً. وفي مقابلة له عشية قمة «البريكس» التي عقدت في تموز 2014 في البرازيل، دعا بوتين باقي أعضاء المجموعة إلى الوقوف مع روسيا لمواجهة المضايقات التي تتعرض لها البلدان التي تتعارض سياستها الخارجية مع سياسة الولايات المتحدة، لكنه أردف أن هذا لا يعني إنشاء حلف عسكري فالحديث يدور هنا أولاً وقبل كل شيء عن إنشاء آلية للتشاور وتبادل المعلومات بين الدول الأعضاء. تبدو روسيا الجديدة أكثر تواضعاً ومرونة مع الرئيس بوتين ولكنها ليست أقل صلابة على الإطلاق. لم يحتج الغرب إلى تفاصيل الأزمة الأوكرانية ليتأكد له أن الحقائق الجيوبوليتيكية تستمر في الحياة حتى بعد أن تطرح عنها خطابها الإيديولوجي. روسيا إذاً، لا يمكن إلا أن تكون قوية وبوتين يعلم ذلك تماماً، تلك هي لعنتها ربما أو حتى فرصتها للالتحاق بعالم يرفض حتى الآن أن يتّسع لها.
ولا يخفى أن الكثيرين يأخذون على روسيا نزعتها إلى تحميل المجموعة الاقتصادية بالأساس مضموناً سياسياً معادياً للغرب بطبيعة الحال، وهذا ما تتحسس منه الصين تقليدياً لأنها تخشى من إلحاقها سياسياً بروسيا على حساب حساباتها الآسيوية بالغة التعقيد. بالإضافة إلى ذلك، فإنه من المشكوك به احتمال الهند أيضاً لمضمون سياسي حاد كهذا، فكثير من المحللين يجزم بأن الولايات المتحدة تستطيع أن تبتلع مشاغبات الهند الدبلوماسية ولكنها لن تغض الطرف وسترد بقوة على أي محاولة جدية للهند للالتحاق بالمحور الروسي المزمع تدشينه. أما لناحية انضمام جنوب أفريقيا للمجموعة فإنه كاريكاتوريٌ بامتياز بالنسبة إلى العديد من المحللين، أقله لناحية حجم الاقتصاد والنمو. لذلك يُنظر إلى الضلع الجنوب أفريقي على أن دوره ينحصر حتى الآن في إضفاء البعد الأفريقي الرمزي على المجموعة. وبالنسبة إلى الوجود البرازيلي في الحلف، فإنه أكثر من رمزي وأقل من جدي. ليس واضحاً أن حقيقة وجود الدولة الأكبر في أميركا اللاتينية يضمن للمجموعة بعداً قارياً جديداً، فللبرازيل حساباتها وهي كالعديد من باقي أعضاء المجموعة شريكة في أحلاف وتجمعات عديدة ذات أجندات متباينة بالتوازي مع وجودها في «البريكس».
يسجل لهذه المجموعة أنها أول محاولة طموحة لفض الأحادية السياسية ـ الاقتصادية على الكوكب من خلال العمل مثلاً على استحداث مؤسسات مالية (بنك التنمية مثلاً) تؤدي دوراً موازياً وتالياً بديلاً في مرحلة لاحقة من البنك الدولي في تمويل مشاريع في الدول النامية. في المحصلة، قد يشكك العديدون في مدى قدرة مجموعة «البريكس» على تكريس حضور اقتصادي وازن على الساحة الدولية، ذلك يحتاج حتماً إلى تقويم وإعادة تقييم خلال السنوات المقبلة وإذا ما قيّد لهذا الحضور أن يبصر النور فإنه لن يكون صعباً البتة على روسيا أن تحوله إلى نفوذ سياسي عالمي.
مضى الكثير من الوقت منذ أن كتب أحد عتاة المحافظين في الولايات المتحدة توماس فريدمان كتابه اليوتوبي: العالم المسطح. يومها قيل إن مطلق عاصمتين تقعان على شطري الكوكب لن يؤول مصيرهما إلى الصدام ما دامت سلسلة مطاعم الوجبات السريعة «ماكدونالدز» تنشر فروعها فيهما. آن ربما لفريدمان (وأيضاً لماكدونالدز) أن يكفّ عن الوهم فعلى ما يبدو إن نصفي الكوكب توقفا عن سذاجة الاعتقاد بنظريته، العالم عاد كروياً إذاً. ولكن المشكلة مجدداً أن النصفين يريدان أن يواجها الشمس والضوء على السواء وعلى الدوام. هذا ألف باء الصراع.
* كاتب لبناني