نشرت صحيفة «السفير» قبل أيام في ملحق «أفكار وأخبار» تقريراً بعنوان «أحزاب أوروبية في جيب الكرملين». التقرير مترجم عن «الايكونوميست» البريطانية وعنوانه الأصلي: «Russia's European supporters…. in the Kremlin›s pocket….. who packs putin and why».

في الصياغة تبدو الوقاحة غير محتملة وكذا التجاهل للوقائع الجديدة التي بدأ يفرضها صعود الأحزاب الراديكالية في أوروبا. والحقيقة أنّ المشكلة لا تنحصر فقط في عنوان التقرير المنحاز منذ اللحظة الأولى ضدّ الأحزاب الجديدة الصاعدة في القارّة، بل أيضاً في أنه يضع فرضية مسبقة ويتناول على أساسها حراك الأحزاب تلك. فمهما فعلت هذه الأخيرة تبقى بالنسبة إلى واضعي التقرير «موالية» لروسيا.

و»ولاؤها» هذا هو ما يحدّد طبيعة تحرّكها، أما الأمور المتصلة بالواقع الاجتماعي الذي تتحرّك ضمنه وتؤثّر وتتأثر به فتبقى تفاصيل، ولا تعتبر أساسية في قياس النتائج التي نجمت عن صعودها إلى السلطة. بالطبع هذا النمط من التحليل أصبح الآن «شائعاً جداً»، فهو يعبّر عن قطاع من النخب (اليمينية واليسارية على حدّ سواء) العاجزة عن استيعاب الظواهر الجديدة في أوروبا والعالم، والمعتمدة على التصنيفات المهيمنة لما هو جيّد وما هو سيء في السياسة والاقتصاد والاجتماع... الخ. هذا التصنيف هو من اختصاص أحزاب الوسط التي يبدو أنها ستندثر قريباً، أو على الأقلّ لن تعود مهيمنة كما كانت، وبالتالي ستصبح معاييرها للتقدم والتنمية والعلاقات الدولية و... نسبية وقابلة للانكسار والتراجع، وهو بالضبط ما يجعلها مذعورة وخائفة على نفوذها.

المشكلة لا تنحصر
فقط في عنوان التقرير المنحاز منذ اللحظة الأولى
والذعر ذاك ينتقل بدوره إلى الصحف المحافِظة في اليسار واليمين التي اعتادت على هذا «التقسيم الواضح للعمل» ولم تعد قادرة على تجاوز محدّداته السياسية والاقتصادية. وهو ما ينعكس مباشرةً على تغطياتها «للتغيير» الذي تعبّر عنه أحزاب اليمين واليسار الراديكاليين. حتى الآن لم تجرؤ أيُّ منها - باستثناءات قليلة طبعاً - على تناول صعود الأحزاب الراديكالية الأوروبية خارج الإطار الساذج (والمغرض أيضاً) الذي يربطها بالتمويل الأجنبي أو بالنازية الجديدة. وفي الوقت الذي يحصل فيه هذا الربط الوقح يتمّ على مستوى آخر وبشكل منفصل جمع التمويل الخارجي والنازية مع بعضهما البعض وتقديمُهما في سلّة واحدة. هذا على الأقلّ ما ظهر في تقرير الايكونوميست «الرصينة» (بعض اليسار ما زال يتعامل معها على أنها كذلك) التي قدّمت موقف الأحزاب الراديكالية من روسيا على أيّ شيء آخر وجعلته محور اهتمامها، ليصبح بذلك حزب أقصى اليسار في اليونان «سيريزا» صنواً لحزب «الجبهة الوطنية» في فرنسا، ولتتضاءل الفروق الرهيبة بين برنامجيهما الاقتصاديين، فذلك ليس مهمّاً الآن، كما تقترح علينا «الايكونوميست». المهمّ بالنسبة إليها حالياً هو ابتعاد تلك الأحزاب من السياسات الأوروبية الخاصّة بروسيا، مع أنّ هذا الابتعاد غير منفصل عن الموقف من سياسات التقشّف التي تتبعها الترويكا الأوروبية، لا بل يمكن اعتبار الأمرين مرتبطين «على نحو عضويّ» كما أظهر ذلك ميول الناخبين الذين اختاروا «سيريزا» لتحكمهم بدلاً من الأحزاب القريبة من أوروبا. والحال أنّ لا أثر لهذا الربط في تقرير «الايكونوميست»، فهو إن حصل سيُظهِر الموقف الفعلي لتلك الأحزاب وسيضع نشاطها ضمن السياق الاقتصادي الاجتماعي الخاصّ بأوروبا حيث الاهتمام منصبّ على أولويات الناخبين الداخلية والمعيشية وليس على الموقف من روسيا، على الرغم من أهمية هذا الموقف بالنسبة إلى الناخبين. ولذلك بالتحديد تتجاهله «الايكونوميست» مفضّلة حصر الأمر في إطار العلاقة مع روسيا، وهو ما يسهّل عليها العمل ولا يضعها في مواجهة التيار المهيمن في أوروبا. هي الآن في موقع يجعلها مسؤولةً عن سياسات محدّدة تجاه الوضع الجديد، وان لم تكن في موقع صناعة تلك السياسات. وعليها بالتالي توقّع انتقادات تأتيها من كلّ حدب وصوب، محمّلة إياها مسؤولية التخلّي عن الواجب الأخلاقي إن لم يكن في التصدّي لسياسات الهيمنة الأوروبية فعلى الأقلّ في عدم الاصطفاف إلى جانب الدول المهيمنة في «حربها» ضدّ الأحزاب الجديدة مثل «سيريزا» و»بوديموس» وسواهما. يمكنها مثلاً بدلاً من الجزم بتمويل روسيا لأحزاب اليمين المتطرّف في أوروبا الإشارة إلى خضوع هذه العلاقة لمنطق تقاطع المصالح الذي يجعل من روسيا مستفيدةً من صعود أحزاب أخرى غير تلك التي تعاديها علانيةً وتدعو أميركا وحلف الناتو إلى التدخّل في شؤونها الداخلية (وأوكرانيا بالنسبة إلى روسيا هي «شأن داخلي» حالياً). وهذا في الحقيقة هو الذي يجعل من التقارب بين الطرفين أمراً ممكناً، إذ لا شيء آخر يوحّدهما أو يحملهما على التحالف الظرفي في مواجهة أحزاب اليمين ويسار الوسط الأوروبية. فلا روسيا ستصبح ديمقراطية برلمانية على الطريقة الأوروبية في الأمد القريب، ولا أحزاب أقصى اليسار واليمين ستتخلّى عن الاقتراع البرلماني وتقترح تحويل دولها إلى نظام تهيمن عليه نخبة كما يفعل بوتين في روسيا. وعليه فإنّ التقاطع بين الطرفين لا يشمل وظيفة الدولة أو شكل ممارسة الحكم وإنما يقترح تنظيم العلاقة بين أوروبا وروسيا على نحو أفضل وأكثر استجابةً لمصالح الشعوب في أوروبا وروسيا. هذا الجانب قلّما يظهر في التغطية المعتمَدة أوروبياً لموضوع العلاقة مع روسيا، وما يُسمَح له بالظهور هو العكس عادةً مع إضفاء قدر من المبالغة على حجم ارتباط الظواهر الجديدة بالدور الروسي، أو «بالتوسّع الروسي في القارة» كما تلمّح إلى ذلك «الايكونوميست» وسواها من المنابر المهيمنة. في التقرير الذي أعدّه صحافيوها ثمّة تدليل واضح على هذا الميل، وهو بالتأكيد «حقيقي» لكنه كما قلنا لا يخلو من مبالغة، حيث يجري تجاهل الحجم الجماهيري الكبير للأحزاب الراديكالية اليمينية واليسارية خصوصاً، وجعلها تعبّر فقط عن السياسة الروسية تجاه أوروبا، مع أنّ مواقفها تجاه روسيا هي أحد أسباب جماهيريتها وليس العكس. يقول التقرير مثلاً عن موقف حزب «سيريزا» من العقوبات الأوروبية على روسيا: «ففي اليونان، يبدو أن حزب سيريزا اليساري الحاكم يميل نحو روسيا، ففي الحادي عشر من شباط الماضي زار وزير خارجية اليونان الجديد نيكوس كوتزياس موسكو، وكانت أول زيارة دولية له خارج دول الاتحاد الأوروبي». ثم يضيف: «موقف سيريزا تجاه العقوبات ضدّ روسيا بارد، وهو معارض لتوسيع هذه العقوبات». لا تجري هنا مناقشة الأسباب التي دفعت بسيريزا إلى الاعتراض على العقوبات الأوروبية ضدّ روسيا، فهي ليست مهمّة في السياق الذي تضعه الصحيفة لتقريرها، وإنما المهمّ هو ربط موقف الحزب بباقي الأحزاب الأوروبية التي ترتبط بموسكو وتروّج لسياساتها. على هذا الصعيد يقف حزب «بوديموس» بجانب «سيريزا»، فهو أيضاً يدعم روسيا ويرفض سياسة العقوبات ضدّها، ولكنه أكثر ارتباطاً منها بالروس، فبينما اعتبرت الصحيفة «سيريزا» ميالاً نحو موسكو إذ بها تلجأ إلى تعابير «أقسى» في توصيف العلاقة بين الحزب الراديكالي الاسباني وروسيا. تقول عنه في تقريرها: «والحزب اليساري الآخر، والموالي لروسيا أيضاً، هو حزب بوديموس في اسبانيا الذي يتصدّر في استطلاعات الرأي. زعيم هذا الحزب اتهم الغرب بازدواجية المعايير في التعامل مع روسيا». هنا أيضاً ليس من المهمّ معرفة الأسباب التي تدفع ببوديموس إلى صدارة استطلاعات الرأي في اسبانيا، فهذا شأن داخلي يخصّ الحزب، مع انه في الحقيقة يؤثّر في سياساته تجاه الدول، ويربطها بالدينامية الاجتماعية التي تدفعه إلى واجهة الأحداث في اسبانيا. كلّ هذا يجرى تجاهله كالعادة، ويتم التركيز بدلاً منه على العلاقة مع روسيا والتي لا نفهم بالضبط لماذا توضَع في خانة الولاء؟ على أيّ أساس تعتمد «الايكونوميست» الحزب موالياً لروسيا؟ هو لا يقبض منها أموالاً كما يفعل حزب الجبهة الوطنية والذي تحدثت عنه الصحيفة بإسهاب أيضاً، وإذا كانت تعتبر مواقف زعيم الحزب تجاه الغرب دليلاً على هذه الموالاة فالأفضل لها أن تمارس الدعاية المباشرة بدل التقارير التي تتوسّل «الموضوعية» وهي تضمر عكسها. اتهام الرجل للغرب بازدواجية المعايير في التعامل مع روسيا يقع في صلب العمل السياسي الذي ينهض به اليسار، وإذا كان خطاب يسار «الوسط» في أوروبا قد تغيّر فهذا لا يعني أن نتهم من يخرج عن نبرته الممالئة للغرب بالموالاة لروسيا، وإلا أصبحنا بالفعل أمام «فاشية» لا تقلّ خطورة وتأثيراً عن تلك التي تدعو إليها حركات مثل «بيغيدا» وغيرها.
ينتقل التقرير لاحقاً إلى الضفّة المقابلة كما يقول - مع أن السياق لا يعتبرها كذلك - ليرصد العلاقة الآخذة بالتبلور بين أحزاب اليمين المتطرف وروسيا. يتحدّث عن أكثر من حزب هنا، ولكنه يركّز على حزب الجبهة الوطنية الفرنسي بسبب ما يقول إنها صلات مالية تربطه بموسكو. حتى في هذه الحالة التي تحوم حولها «شبهات حقيقية» يتعمّد التقرير ربط الولاء لروسيا بعوامل عدّة من بينها المال طبعاً، ولكن قبل المال يأتي «الارتهان للخارج» متمثلاً في زعيمة الحزب مارين لوبان التي تزور روسيا باستمرار، ولا تتحرّج من إبداء الدعم لرئيسها بوتين. يقول التقرير عن هذه الحالة: «وفي الجهة المقابلة، فإن حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في فرنسا يبدي إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في حين أن زعيمته مارين لوبان قامت بزيارات عدة إلى العاصمة الروسية». ينتهي هنا العرض الموجز ليبدأ الكلام عن الارتباطات المالية للحزب: «وقد وافق الحزب أخيراً على قرض بقيمة 10.6 مليون دولار من مصرف تشيكيا الروسي الذي له صلات غير مباشرة بالكرملين». بعد ذلك يتحدث التقرير عن أحزاب اليمين الأخرى التي تربطها علاقة بروسيا مثل حزبي «جوبيك» و»فيدس» في المجر و»حزب الاستقلال» في بريطانيا. وفي كلّ هذه الحالات تتكرّر المقاربة ذاتها، ويعمد التقرير إلى تجاهل الديناميات الواقعية التي أفضت بهذه الأحزاب إلى «الصدارة في بلدانها». هو ليس بالضبط «منهجاً في التحليل» بقدر ما هو استبعاد متعمّد للمنهجية الرصينة التي تتعامل مع الواقع كما هو وليس كما يريد الخطاب المهيمن في أوروبا والغرب عموماً. لو أرادت «الايكونوميست» بالفعل تحليل الواقع الذي دفع بهذه الأحزاب إلى حضن روسيا كما تقول لحافظت أقلّه على الشكل، ولم تدفع بعبارات من قبيل «الولاء لروسيا»، «استخدام روسيا أصدقاءها»، «في جيب الكرملين» إلى المتن. ولنفترض أنّ هذا الأمر صحيح، فإنّ التحفّظ عليه إلى حين إثباته (وهو ما فعله التقرير لاحقاً ولكن بعد فرض الإطار الذي يريده!) يغدو من ضرورات العمل الصحافي، فضلاً عن ربطه بالسياق الذي تتجاهله الصحيفة والذي يُبرِز صعود هذه الأحزاب في الانتخابات الأوروبية الأخيرة على حساب ائتلاف اليمين ويسار الوسط المهيمن على القارّة. هذا السياق هو الذي يحدّد مواقع القوى في أوروبا اليوم، فعلى أساسه انتُخبت هذه الأحزاب التي تملك تصوّراً مختلفاً لموقع أوروبا ودورها في العالم. وعلى ما يبدو فإنّ مشكلة الخطاب المهيمن في أوروبا والذي عبّرت عنه «الايكونوميست» في تقريرها هي مع هذا التصوّر تحديداً، وخصوصاً أنه ذو طابع جماهيري ومدعوم بقاعدة شعبية لا يستهان بها. بهذا المعنى فإنّ القرار هنا ليس لروسيا كما صوّرته «الايكونوميست» وانما للقاعدة الجماهيرية العريضة التي انتخبت هذه الأحزاب، وفوّضتها بإحداث «التغيير»، ومن ضمن سلّة التغيير المطلوبة تأتي العلاقة مع روسيا. موسكو لا تملي على أحدٍ هنا، وإنما يُملى عليها، وتُختار من قبل «شعوب أوروبا» لتكون واحدة من ضمن دول عديدة على قائمة «الحلفاء المحتمَلين». هي إذاً لا تملك أحداً و»إذا امتلكته» لا تضعه في جيبها كما يفعل الغرب. من يقول ذلك للايكونوميست؟
* كاتب سوري