يستطيع الإيرانيون، شعباً وسلطات، أن يتشككوا أو يتوجسوا بشأن نوايا واشنطن، وبالتالي، بشأن الاتفاقيات معها. في سجل العلاقات بين واشنطن وطهران ما صنع الحداد. ما يتصل بالملف النووي هو الاكثر حساسية في هذا الصدد. الإيرانيون، رغم خلافاتهم الكثيرة، وهي متنوعة ومتزايدة، مجمعون، بقوة، على الدفاع عن حق بلدهم في امتلاك الطاقة النووية، وحتى في صنع وامتلاك السلاح النووي. وبشأن ملف النووي الإيراني إنه لأمر مستفز حقاً ان يجتمع «العالم المحتضر» على مواصلة بذل جهود مضنية، كانت دائماً مقرونة بالعقوبات وبإطلاق التهديدات، لإعاقة وتعطيل برنامج إيراني لاستخدام الطاقة النووية لاغراض سلمية.


الاكثر استفزازاً هو ان تكون دولة مارقة وإرهابية ومغتصبة ومعتدية، كالكيان الصهيوني، هي من يحاول أن يشكل رأس حربة في معركة متواصلة لفرض التراجع، ولو بالقوة، على الحكومة الإيرانية. اما ذروة الاستفزاز فتكمن في محاولة إبقاء احتكار التقدم في الحقل النووي عموماً، ولأغراض عسكرية خصوصاً، حكراً على العدو الصهيوني المغتصب والمعتدي على الدوام. لكن «هيجان» الصهاينة الاكثر تطرفاً قد تخطى كل المراحل والاعتبارات. استنفر الصهاينة الليكوديون كل طاقاتهم.

ثمة مشترك في «العمى» ما بين الصهاينة المتطرفين والحكام العرب التابعين لواشنطن
ذهبوا الى ابعد الحدود في كشف اوراقهم وفي حرق حتى الاحتياطي منها. معركة الانتخابات، القريبة في كيان العدو وغير البعيدة في الولايات المتحدة الأميركية، دفعت الهوس، هنا وهناك، الى حدود التهور. في وقت واحد برزت معالم ازمة وجودية في الكيان الصهيوني وازمة علاقات ومؤسسات في الولايات المتحدة الاميركية. خصوم رئيس حكومة العدو، المندفع من دون ضوابط نحو محاولة كسب ولاية جديدة، متهم الآن، من قبل حكماء وعتاة قادة الأمن في بلده بـ «العمى السياسي»، وبإساءة العلاقة مع «العمق الاستراتيجي لاسرائيل» (اي اميركا)، وبأنه «نقل أميركا من حليف إلى عدو»، وبأنه يتسبب في عودة «اللاسامية في اوروبا الى ما كانت عليه في الاربعينيات» (المجازر وعمليات الإبادة)!
الامر الاساسي ان جنون القوة قد أغرى الصهاينة الاكثر تطرفاً بتكرار تجربة بوش الابن ولو من موقع القوة الاضعف. لم تكن اسرائيل يوماً قوة إقليمية كبرى قائمة بذاتها. الدعم الاميركي غير المحدود وضعف العرب بسبب عجز وتواطؤ حكامهم هو ما حوّل الصهاينة الى ما يشبه السوبرمان. في مجرى ذلك لم يدرك الصهاينة ان العالم يتغير سريعاً وكثيراً، وان أحد اسباب التغيُّر هو فشل المغامرات الاميركية والصهيونية في الشرق الاوسط. هم يعاندون التحولات والتوازنات الموضوعية المتواصلة. يواجهون ذلك بـ «العمى» وبتغذية روح المغامرة وبالهروب الى الامام.
اما في الولايات المتحدة فثمة أزمة مؤسسات غير مسبوقة. هيئة التشريع الأساسية في البلاد يتصرف قادتها وعدد كبير من اعضائها بأساليب الميليشيات. انتهاك الدستور هو دائماً، في تجارب التاريخ، بداية الفوضى ومقدمة أساسية من مقدمات الانهيار. المسألة تخطت كل الحدود والضوابط عبر محاولة إحلال سلطة بعض الكونغرس التشريعية محل سلطة رئيس الجمهورية التنفيذية في نظام رئاسي. بداية الانهيار في واشنطن هي بداية الانتحار في الكيان الصهيوني. كلاهما ثمرة نفوذ وتطرف صهيونيين ظناً ان مرحلة «المحافظين الجدد» قابلة للتكرار استناداً الى نسبة القوى في الكونغرس، وخلافاً لتطورات وتحولات العقد الأخير، وبطريقة ميليشياوية صرف!
الصهاينة، ومن دون مبرر مقنع ومسنود، يذهبون الى اكثر من الحذر الايراني. انهم يبلغون حدود المغامرة غير المحسوبة بمصائر المنطقة وبمصيرهم بدءاً.
مع ذلك يبقى هذا النوع من «العمى» السياسي غير مطلق في دولة تتسع، رغم كل عنصريتها وعدم مشروعيتها من الأساس، للنقاش والاختلاف وصندوقة الاقتراع. من هنا ينجم ما نتابعه من اعتراضات وانتقادات قاسية تتعرض لها سياسات رئيس الحكومة الإسرائيلية.
أما ما هو غير مفهوم، فاستمرار الفريق الرسمي العربي (الحليف تقليدياً لواشنطن والمنفذ دائماً لسياساتها في المنطقة على حساب مصالح شعوبها وخصوصاً الشعب الفلسطيني)، في ملاقاة التطرف الصهيوني الى اكثر من منتصف الطريق. فالرئيس الاميركي باراك اوباما، هو، في الغرف المغلقة وفي الإعلام المباشر لحلفاء واشنطن والغرب الاستعماري، «ضعيف» و»عاجز» و»متردد»... لماذا؟ لأنه لم يستخدم القوة ضد المشروع النووي الإيراني (كما ألحّ نتنياهو أساساً!)، ولم يواجه روسيا وايران في سوريا، ولم يستخدم قواته لإسقاط النظام السوري، ولم يرسل جيشه إلى اليمن لحسم الصراع الدائر هناك، ولم يعاود احتلال العراق او يلغي سحب قواته من أفغانستان...
ثمة مشترك في «العمى» ما بين الصهاينة الاكثر تطرفاً والحكام العرب الاكثر تبعية لواشنطن وحلفائها. المشترك هو تغليب الرغبات على الحقائق والوقائع، ومن ثم إرادوية في عكس الادوار، بحيث يستخدم الصغير الكبير، وصولاً الى الالتقاء، الموضوعي، على أولويات هي أبعد ما تكون عن مصالح العرب وقضاياهم وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية. الاخطر، ايضاً، ان هذا الالتقاء الموضوعي، بات، بسبب التواطؤ، بل التعاون المتواصل عبر القنوات السرية وشبه العلنية وبضغط من واشنطن دائماً (فضلاً عن اتفاقيات «السلام»...)، أساساً لانحراف كبير يتخطى اللحظة والمرحلة والحدث المحدّد، الى محاولة فرض وقائع يغري بعضها الإرهابي نتنياهو بالمزيد من التطلب والتصلب والمغامرة.
بديهي ان المسألة ابعد واعمق واخطر من أن يعالجها مشروع تشكيل قوات عربية مشتركة لمواجهة التطرف في ليبيا. انها مسألة خلل كبير متماد، وكثير الخسائر والاضرار، لا يزال يغري كل طامع بالهيمنة على منطقة الشرق الاوسط وبنهب ثرواتها والنيل من حقوق ومصالح شعوبها.
ولم يعد أمراً قليل التأثير، في هذا السياق، عامل استخدام الانقسامات من كل نوع (وخصوصاً الاثنية والدينية والمذهبية...)، في توفير مقومات الانتصار للمشاريع المعادية. يفرض ذلك مراجعة عميقة وجذرية وسريعة لأساليب واشكال العمل. نعم إن بعض ما يجري استخدامه، بفعالية ونجاح، من قبل الاعداء، في مجال تعميق الاستقطابات والانقسامات المذهبية، هو نتيجة للمضي في تكتيك تعبوي ضد هؤلاء. واضح الآن أن هذا التكتيك قد استنفد جانبه الإيجابي (الذي ربما كان له في السابق) لحساب دور سلبي يزداد ضرراً وخطورة... ان السعي لتغيير صورة ووجه الصراع من صراع يُراد له أن يكون مذهبياً (سني ــ شيعي) أو عنصرياً (عربي ــ فارسي أو عربي ــ كردي)، الى صراع تحرري يدور حول حقوق وقضايا، في أولوياتها أو في تكاملها، وتنتظمه أُطر موحدة وجامعة، هو أولوية ومهمة مصيرية، لكي لا تضيع التضحيات الكثيرة وبعض الانجازات المميزة، ومنها وفي مقدمتها، طبعاً، المقاومة اللبنانية خصوصاً والعربية عموماً. آن الأوان لحوار جدي حول مشروع تحرري عربي شامل ينطلق، أساساً، من تقويم ناضج ومسؤول وغير فئوي للتجارب السابقة، ومن التحولات الجديدة على مستوى المنطقة والعالم: مشروع يتكامل مع التجارب التحررية الأخرى من دون إلحاق التحاق.
* كاتب وسياسي لبناني