تحتلّ دولة العدوّ الإسرائيلي موقعاً في السياسة والثقافة الأميركيّة لا تحتلّها أي دولة أخرى في العالم. تكاد الحظوة الإسرائيليّة تقترب من موقع الهوس المرضي. في تاريخ الكونغرس الأميركي، لم يسبق ان ألقى أمامه خطاباً أي من زعماء العالم لثلاث مرّات إلا اثنيْن فقط: ونستن تشرشل (الذي يُتعامل معه هنا على أنه واحد من الآباء المؤسِّسين) وبنيامين نتنياهو. لكن هذا الخطاب لنتنياهو سجّل سابقة: أن يقوم حزب أميركي مؤثّر (وذو أكثريّة في الكونغرس) بتوجيه دعوة لرئيس دولة أجنبيّة كي يلقي خطاباً ضد رئيس الجمهوريّة وسياساته. لكن كلام - أو عناوين - جريدة «السفير»، وغيرها، في الأسابيع الماضية عن خلافات عميقة بين البلديْن، أو التوقّع بأن يلقي نتنياهو خطاباً أمام قاعة فارغة كان ضرباً من فكر التمنّي، او تعبيراً عن عدم فهم موقف الحزبيْن من دولة العدوّ.


كانت المقاطعة للخطاب في الكونغرس شبه منعدمة - خلافاً للتوقّعات في الصحافة العربيّة. قاطع الخطاب ما لا يزيد على 50 عضواً من أصل 535 بين مجلس الشيوخ ومجلس النوّاب. ومعظم الذين قاطعوا كانوا من السود الذين شعروا بإهانة عنصريّة ضد أوباما من قبل رئيس وزراء أجنبي (والسود تاريخيّاً أقل حماساً لدولة العدوّ من البيض). أما الباقي من المقاطعين والمقاطعات، فكانوا في الغالب من بقايا اليسار الضعيف في الكونغرس الأميركي. حتى دبي دنغل، النائب عن المقاطعة التي تمثّل المنطقة الأكثر كثافة للناخبين العرب في ولاية ميشيغان، حضرت الخطاب مع انها اعترضت على دعوة نتنياهو من دون علم البيت الأبيض.

ستبالغ بعض التعليقات العربيّة كالعادة بـ«الفجوة» بين أميركا وإسرائيل

العرض الإسرائيلي في الكونغرس كان مميّزاً جداً، أو لنقل أنه كان استثنائيّاً وفريداً من نوعه في التاريخ الأميركي. إن للاحتفاء بونستن تشرشل ظروفاً خاصّة تتعلّق بالحرب العالميّة الثانيّة وثم بالحرب الباردة. كالعادة، لا يجد الساسة في أميركا خطباء فصحاء كي يعبّروا عن السياسة الأميركيّة فلبّى تشرشل لهم النداء وتحوّل إلى شخصية معظّمة، كما أن تاريخه الاستعماري راق للمزاج الأميركي العنصري الأبيض. أما نتنياهو والاحتفاء به بهذه الطريقة المُفخّمة، فكان تعبيراً عن تطوّر العلاقة بين الحزبيْن الأميركيّيْن وبين دولة العدوّ. لم تعد إسرائيل سياسة خارجيّة لأميركا. هي باتت في صلب السياسة الداخليّة للحزبيْن، وأصبحت أيضاً عنصر مزايدة بين الحزبين في شؤون التنافس والتناحر. والعلاقة بين الحكومة الأميركيّة وبين حكومة دولة العدوّ تطوّرت ونمت وتشعّبت في كل الإدارات المُتعاقبة منذ إنشاء الكيان الغاصب عام 1948، عندما أسبغ هاري ترومان شرعيّة بلاده على الدولة اليهوديّة (هذا الذي قال مرّة ردّاً على وصفه بأنه منقذ اليهود بالقول: «أنا كورش، أنا كورش»)، وذلك لأسباب تتعلّق بعدائيّته لليهود وبسبب نفوذ الجالية في الحزب الديمقراطي، وخوفه من تأثير معاداة إسرائيل (بالرغم من أن وزارتيْ الخارجيّة والدفاع نصحتا بعدم الاعتراف بالدولة الجديدة بحجج تتعلّق بالأمن القومي الأميركي على المدى الطويل). وكانت كل إدارة أميركيّة تريد ان تثبت أنها كانت أكثر مناصرة وتعصّباً لمصلحة العدوّ الإسرائيلي من سابقاتها. لكن عهد ليندن جونسون أضاف بعداً فلكيّاً في حجم المساعدات السنويّة لإسرائيل بعد الحرب التي شنّتها والنصر الساحق الذي حقّقته. أما نيكسون فتردّد في سنوات ابتعاده عن البيت الأبيض في الستينيات بعد خسارته امام جون كنيدي عام 1960 عن تأييد إسرائيل وتقارب مع الجناح النافذ في الحزب الجمهوري الذي كان يدعو إلى «توازن» في العلاقات الخارجيّة للسياسة الأميركيّة في الشرق الأوسط (ولم يكن التوازن يعني إلا التوازن بين الحليف اليهودي وبين الحليف النفطي وباقي الحلفاء من الأنظمة الرجعيّة العربيّة). ومن المعروف ان جون كينيدي حاول في بداية عهده تغيير مسار السياسة الأميركيّة في الشرق الأوسط. وقد درس وارن باس في كتابه «ادعم أي صديق: شرق أوسط كينيدي وصنع التحالف الأميركي ــ الإسرائيلي» تلك الحقبة الوجيزة من أوّل حكم كينيدي عندما راسل عبد الناصر وحثّ على حل قضيّة اللاجئين الفلسطينيّين (ليس معروفاً على نطاق واسع ان كينيدي كان من دارسي السياسة الخارجيّة في سنوات دراسته الجامعيّة في هارفرد وجال في أوروبا والشرق الأوسط وكانت تعليقاته أقلّ مناصرة للصهيونيّة من السياسة الأميركيّة التقليديّة آنذاك ومن مجاهراته اللاحقة في الحكم). وقضى كينيدي نحو شهر من الزمن عام 1939 في فلسطين وكانت رسائله إلى والده فاترة جدّاً نحو الصهيونيّة وناصر فيها «الورقة البيضاء» التي وضعتها بريطانيا والتي أشعلت الغضب الصهيوني (لا بل هو اعتبر في رسالة لوالده ان الحلّ الأمثل للصراع بين العرب والصهاينة يكمن في مشروع «بيل» الذي قسّم فلسطين إلى دولة عربيّة في 80% من الأرض ودولة يهوديّة في 20% من الأرض، ولم يخطئ العرب في رفضها لأنها منحت اليهود أفضل الأراضي الزراعيّة الخصبة كما أنها تضمنّت «تبادلاً للسكّان» لم يكن إلا تهجيراً لأكثر من مئة ألف عربي). لكن أصواته وتصريحاته في الكونغرس الأميركي كانت تقليديّة في مزايداتها في تأييد دولة العدوّ. لكن أسباب مناصرته للدولة لم تكن خافية: هو قال لبن غوريون في نيويورك عام 1961: أنتَ تعلم أنني انتُخبت بـ(فضل) أصوات اليهود. لقد فزت بـ(فضل) يهود نيويورك. سأفعل شيئاً ما لهم. سأفعل شيئاً ما لك» («ادعم أي صديق»، ص. 55). لكن مبادرة كينيدي لم تطل: قامت قيامة الصهاينة في الحزب الديمقراطي ضدّه، وأقنعه النافذ الديمقراطي، إيب فورتاس، بالإقلاع عن المبادرة الشرق الأوسطيّة.
قد يقول قائل (او قائلة) إن إدارة بوش (الأب) وجيمس بيكر كانت الأقلّ مناصرة لإسرائيل وهذا صحيح بسبب قرب الرجليْن من الجناح التقليدي في الحزب الجمهوري الذي كان يدعو إلى التوازن في السياسة الأميركيّة في الشرق الأوسط وذلك ليس حبّاً بشعب فلسطين أو بشعرنا الأشعث وإنما تقرّباً من الأنظمة النفطيّة (هذا كان فلك «المستعربين» في وزارة الخارجيّة الأميركيّة). لكن إدارة بوش (الأب) نفسها بالرغم من إزعاجها لإسرائيل في مواضع عدة، فإنها انتزعت تنازلات جمّة لها من قبل العرب. هي حضّرت لمؤتمر مدريد مقابل تعهّدات غير معلنة من كل الدول العربيّة بوضع مقاطعة إسرائيل على الرفّ، وهذا ما حصل بالفعل لمقاطعة رسميّة كلّفت مليارات لدولة العدوّ، كما أنها أثّرت على الاستثمارات الغربيّة في فلسطين المحتلّة وذلك مراعاة للمصالح الاقتصاديّة العربية. وإدارة بوش ــ بيكر هي التي ذهبت إلى الأمم المتحدة وأمرت الأعضاء هنا بإلغاء قرار «الصهيونيّة هي عنصريّة».
قد تكون قصّة أوباما مع الصراع العربي ــ الإسرائيلي شبيهة بقصّة كنيدي: رئيس وصل إلى سدّة الرئاسة وكان عالماً بتاريخ الصراع لكن انتهازيّته السياسيّة وسعيه إلى الفوز الانتخابي والسياسي، وإلى نيل ثقة الحزب الديمقراطي، دفعه للتخلّي عن أيّة نوازع تتعارض مع المصالح السياسيّة المحليّة. هذا ما كان يُقال عن جناح المُستعربين في وزارة الخارجيّة: ان خيار الرئيس الأميركي كان بين المستعربين وبين السياسة بالمعنى الضيّق. والسياسة دائماً تطغى. وفي حملة أوباما الانتخابيّة أظهر الرجل قدرة فائقة على التلوّن والنفاق لإرضاء الصهاينة في البلاد (وهو واحد منهم، طبعاً)، عندما صرّح مرّة بأن «ليس هناك من عانى أكثر من الشعب الفلسطيني». وعندما قامت القيامة ضدّه من قبل الصهاينة عاد واستدرك قائلاً، انه كان يعني ان الشعب الفلسطيني عانى جراء خياراته وفشله وقياداته.
حاول أوباما في بداية عهده فقط حث إسرائيل على وقف الاستيطان وعلى المسير في مفاوضات «سلام» لكن قيامة قيادة الحزب الديمقراطي وانتقاد الجمهوريّين كان كافياً لوقف المبادرة الخجولة (وكانت هيلاري، وزيرة خارجيّته آنذاك، توافقه الرأي لكنها في حملتها الرئاسيّة المحتملة ستنأى بنفسها عن تلك المبادرة وستشارك في حفل المزايدة لصالح دولة العدوّ). لكن في غمرة مهرجان نتنياهو لم تعلّق الصحافة العربيّة على جانب آخر من عدم الخلاف بين أميركا وإسرائيل: نشر البيت الأبيض بإيعاز شخصي من أوباما قائمة بالخدمات التي قدّمتها إدارته للحكومة الإسرائيليّة في سنوات حكمه. وهي متعدّدة الوجوه والأنواع: 1) حافظت إسرائيل على موقع الصدارة في تلقّي المساعدات الأميركيّة المالية لشراء الأسلحة، بقيمة تفوق العشرين مليار دولار ونصف المليار. ورصدت المساعدات قيمة 3.1 مليار للعام المالي 2016. أما في تمويل برامج دفاع الصواريخ فقد قدّمت أميركا منذ عام 2011 فقط 2.9 مليار دولار (1، 3 مليار لنظام «القبّة الحديديّة»). 2) على الصعيد الدبلوماسي، زهت إدارة أوباما انها عارضت 18 قراراً في الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة لأنها كانت «منحازة ضد إسرائيل»، وفي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، صوّتت أميركا بـ «لا» خمس مرّات ضد قرارات لم تجدها منصفة بحق حليفتها. 3) وفاخرت إدارة أوباما، وعن حق، بـ «عمليّة السلام» لأنها أدارتها لصالح العدوّ الإسرائيلي وأشرفت على إعداد خطط عسكريّة كي تكون إسرائيل أكثر أماناً في حال قيام دولة فلسطينيّة مسخ على جزء مقتطع من الضفّة والقطاع. 4) واحتفلت الإدارة الأميركيّة بمرور ثلاثين عاماً على وضع اتفاقيّة التجارة الحرّة بين الدولتيْن، وكانت قيمة الواردات من إسرائيل 23.1 مليار دولار عام 2014، أي 58% أكثر من القيمة في عام 2004، و1،203% أكثر من الواردات عام 1984. وهناك برنامج خاص بين الدولتيْن لمنح هبات ماليّة لشركات إسرائيليّة تكنولوجيّة. (لو كانت الصومال قد تلّقت ما تلقّته إسرائيل من أميركا وألمانيا منذ احتلال فلسطين، لكانت قد تحوّلت إلى دولة عظمى). 5) واستمرّت أميركا في تقديم مساعدات باسم «اللاجئين والمهاجرين» بقيمة 140 مليون دولار، وكأن أميركا لا تزال تقدّم العون لمشرّدين يهود من الحرب العالميّة الثانيّة. لكن هذا هو وجه المساعدات الأميركيّة لدولة العدوّ: لا يمكن إلغاء برنامج مساعدات ماليّة أو عسكريّة لإسرائيل بعد تدشينه لأن ما مِن رئيس يجرؤ على العودة عن قرار بمدّ العون الإضافي لدولة العدوّ.
ونتنياهو بين أهله وربعه وصحبه في الكونغرس. هذا رجل دعاية سياسيّة صفيقة. عمل منذ سنوات شبابه في المدرسة والجامعة في مجال خدمة الأكاذيب الصهيونيّة، وكان والده من عتاة العنصريّين والكارهين الصهاينة. وعندما عمل نتنياهو في حقل الدبلوماسيّة في الأمم المتحدة، أنشأ شبكة علاقات واسعة في أوساط الحزبيْن هنا. وكان من المستفيدين الدعائيّين في حقبة الحرب الباردة، عندما روّج للحرب في السياسة باسم «محاربة الإرهاب» (وكان قد أنشأ مع عائلته «مؤسّسة جوناثان» لدراسة الإرهاب عام 1979 وأقام لها مراكز (حسّاسة) في نيويورك وواشنطن والقدس المحتلّة. والغرض كان سياسيّاً لوبيّاً من أجل تحريض الرأي العام ضد النضال الفلسطيني ولربط هذا النضال بمؤامرة شيوعيّة عالميّة ضد إسرائيل وأميركا، وهذه المؤامرة الفلسطينيّة الشيوعيّة تحوّلت فجأة إلى إسلاميّة بمجرّد سقوط الاتحاد السوفياتي). والمؤتمر الذي تمخّض عنه كتاب بإشراف نتنياهو عام 1984، باسم «الإرهاب: كيف ينتصر الغرب»، دشّن لحملة إسرائيليّة دعائيّة لتأليب الرأي العام ضد الشعب الفلسطيني ولتصوير دولة العدوّ على أنها ضحيّة مسكينة للإرهاب العربي. وكانت مؤتمرات المؤسّسة، كما أشار إدوار هرمان وجيري أوسليفان في الكتاب المهم، «صناعة الإرهاب»، الذي فنّد المؤسّسات والخبراء الرجال (والنساء) الذين يساهمون في بلورة الرأي العام الأميركي (وتالياً، العالمي) حول الإرهاب، تستقطب - مثل مؤتمر «إيباك» السنوي، أقطاب السياسة والحكم والإعلام هنا. وهرمان وأوسليفان كانا على حق في أن عمل المؤسّسات والمراكز التي تزعم دراسة الإرهاب، مثل «مؤسّسة جوناثان» ليست إلا دكاكين سياسيّة ذات أغراض ترويجيّة دعائية، كما انهما لاحظا طبيعة العمل السرّي للمؤسّسة المذكورة، والتي تتلقّى معظم تمويلها من هنا. وكان نتنياهو في عمله في المؤسّسة يخدم غرضيْن: غرض الدعاية الإسرائيليّة، وغرض الدخول في الحياة السياسّة الإسرائيليّة، وهذا ما دفع وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، موشي أرينز، إلى تعيينه سفيراً لدولة العدوّ في الأمم المتحدة. وعرف نتنياهو ان يستغلّ علاقاته المتشعّبة أميركيّاً من أجل الصعود في الحلبة السياسيّة الإسرائيليّة. وتمويل أعمال نتنياهو في إسرائيل وفي أميركا هو أميركي المصدر في غالبه.
لم يستضف الكونغرس نتنياهو، بل نتنياهو استضاف أعضاء الكونغرس في عقر داره هو. حتى قادة الحزب الديمقراطي اختاروا نتنياهو على زعيم حزبهم. والذين انتقدوا خطاب نتنياهو بين الديمقراطيّين فعلوا ذلك - كما فعلت زعيمة الحزب الديمقراطي في مجلس النوّاب - بدافع الحرص على مصلحة إسرائيل وعلاقاتها مع أميركا. انتقدت نانسي بيلوسي نتنياهو لكن بعد أن عبّرت عن عميق حبّها وغرامها باحتلال إسرائيل. لكن خطاب زعيم الدولة الأجنبيّة سجّل سابقة قد تؤذن بمرحلة جديدة - وإن بطيئة الخطى - قد لا تكون كليّاً في صالح العدوّ.
لكن خطاب نتنياهو دشّن ايضاً لدخول رئيس الحكومة الإسرائيليّة رسميّاً إلى حلبة الصراع السياسي الأميركي الداخلي. أراد رئيس مجلس النواب، جون بينر، أن يحرج أوباما في موضوع السياسة الداخليّة، فاختار مركز الضعف في أي رئاسة ديمقراطيّة: الأمن القومي والدفاع. أتى بنتنياهو كي يدلي هو بدلوه لعلمه أن مخالفة أو معارضة إسرائيل في الكونغرس، حتى في ظل حكومة برئاسة مئير كاهانا، ذات أكلاف سياسيّة باهظة الأثمان. وإذا كانت السياسة الأميركيّة نحو كوبا وإسرائيل والاتحاد السوفياتي هي نتاج لما يُسمّى هنا بالسياسة المُتوافقة بين الحزبيْن، فإن الاتحاد السوفياتي اندثر، والسياسة نحو كوبا لم تعد محلّ إجماع بين الحزبيْن لأن الجيل الجديد من الكوبيّين الأميركيّين ليسوا من المتصلّبين في موضوع تطبيع العلاقات بين البلديْن. وحدها إسرائيل بكل أوجه عدوانها واحتلالها وبصرف النظر عن أعمالها الحربيّة حتى لو أسقطت قنابل نوويّة فوق رؤوس الآمنين العرب، لا تزال تحظى بإجماع موافقة الحزبيْن - على مستوى القيادة فقط لأن القاعدة الديمقراطيّة، خصوصاً في أوساط الجيل الشبابي لم تعد مؤيّدة لإسرائيل. (صُعق رونالد ريغان ذات يوم عندما اشتكى في حضرة مناحيم بيغن في أمر تمرير قرار ما أمام الكونغرس الأميركي عندما عاجله الأخير بالقول: لا تقلق. دع الكونغرس لي. أنا أتولّى أمره).
وخطاب نتنياهو حمل وزناً إضافيّاً لأن الخطيب تكلّم بالنيابة عن دولته وعن دول «الاعتدال السنيّة» - كما طفق الإعلام الصهيوني يسمّيها. وحملة نتنياهو ضد السلاح النووي الإيراني تطرّقت إلى التهديد الذي يشكّله هذا السلاح على الدول العربيّة. أصبح مالك السلاح النووي الوحيد في كل الشرق الأوسط يتكلّم باسم الحرص على العرب من الخطر الإيراني. وتوافق الإعلام العربي النفطي والغازي مع هذا التوجّه. والطريف ان أحداً من المعلّقين، الجمهوريّين أو الديمقراطيّين، من الذين عارضوا خطاب نتنياهو أو من الذين بايعوه بالثلاث، لم يشر إلى الترسانة النوويّة للدولة التي يعظ رئيس حكومتها في شأن الخطر النووي الإيراني المُحتمل. وحده والتر بنكس، المعلّق العتيق في شؤون الدفاع في جريدة «واشنطن بوست»، ذكر السلاح النووي الإسرائيلي عرضاً وقال إن نتنياهو لم يشر إليه في خطابه. والجامعة العربيّة، وحتى الحكومة الإيرانيّة، لا تجعل من قضيّة السلاح النووي الإسرائيلي قضيّة القضايا ما يوحي بأن العرب والإيرانيّين قبلوا ضمناً المنطق الإسرائيلي ــ الغربي العنصري الذي على أساسه يُسمح لليهود فقط في الشرق الأوسط باقتناء السلاح النووي لأنهم - وفق هذا الافتراض - أكثر عقلانيّة وأقلّ جنوناً من العرب والإيرانيّين الحمقى.
قد يُقال في المستقبل ان نتنياهو ذهب بعيداً في استفزاز الرئيس الأميركي. قد تؤدّي الخطوة إلى إحداث شقاق بطيء جدّاً في طبيعة العلاقات بين إسرائيل وبين الحزب الديمقراطي. رئيس الوزراء العدوّ المؤسّس، ديفيد بن غوريون، وطّد الدعائم الأولى للعلاقات بين الدولتيْن: 1) أسس في ربط المشروع الصهيوني بالدولة الأميركيّة الصاعدة. إن عقد المؤتمر الصهيوني عام 1942 في قلب أميركا (مؤتمر بلتمور، على اسم الفندق الذي لم يعد قائماً) كان بهدف إقامة تحالف قوي بين الدولة اليهوديّة المُزمعة وبين أميركا. خمّن بن غوريون أن أميركا هي النجم الصاعد، وأن النجم البريطاني قد أفل. وجاء برنامج المؤتمر في حينه ليربط بين دولة يهوديّة (في كل فلسطين) و«العالم الديمقراطي الجديد» (البند الثامن من مشروع المؤتمر). 2) أصرّ بن غوريون على جعل العلاقة بين الدولة اليهوديّة وبين أميركا علاقة تتخطّى أو تتعدّى الحزبيْن كي لا تتضرّر المصالح الإسرائيليّة بتعاقب الإدارات. أخلّ نتنياهو في خطابه بالشرط الثاني.
إن قاعدة الحزب الديمقراطي تتغيّر باتجاه ليبرالي والليبراليّة في أميركا اليوم، هي غير ما كانت عليه في الأجيال الماضية من ناحية مناصرة إسرائيل على أساس التعاطف مع ضحايا المحرقة. الجيل الجديد ينظر إلى إسرائيل على أنها دولة عدوانيّة وليست ضحيّة. ونسب التعاطف مع الشعب الفلسطيني تتزايد مع النزوع الليبرالي للشخص هنا. فيما قضى الحزب الجمهوري على الجناج الانعزالي الذي كان يدعو إلى سياسة متوازنة في السياسة الخارجيّة، وبرز بدلاً عنه جناح التدخّل المحافظ الجديد. وتتضافر جهود هذا الجناح مع جناح اليمين المسيحي الأكثر صهيونيّة من كل قطاعات الرأي العام الأميركي. اليمين المحافظ لا يرى ان «التخلّي» من قبل إسرائيل عن أي أرض هو في يدها، لأن إرادة فرض سيطرة الدولة اليهوديّة هي إرادة ربانيّة توراتيّة لا تتحقّق النبوءات الدينيّة من دونها.
ستبالغ بعض التعليقات العربيّة كالعادة من «الفجوة» بين أميركا وإسرائيل. وسينطلق كلام كثير عن تبرّم الرأي العام الأميركي من سلوك نتنياهو فيما لا يعرف ربع السكّان من هو نتنياهو هذا (تدنّت شعبيّة نتنياهو بنسبة 7% فقط - بين الأميركيّين والأميركيّات - بعد الخطاب). لكن العنصر الأميركي في مشروع دولة إسرائيل بات طاغياً، وهذا الاعتماد - بعد إحداث تغييرات جذريّة في بنية الرأي العام الأوروبي نحو إسرائيل - قد يشكّل عنصر ضعف في يوم ما كما هو يشكّل اليوم عنصر قوّة مفرطة. حتى في حربها مع فصائل المقاومة في غزة، تحتاج إسرائيل إلى المدّ الفوري والمستمرّ بالسلاح والعتاد والمال لاستمرار أعمالها العدوانيّة. لم تعد حروبها خاطفة. لكن العنصر الأميركي موجود وثابت حتى إشعار آخر. اما المقاومة العربيّة، على تغيّر أنواعها وأنساقها، فهي عنصر ثابت مضاد.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:angryarab.blogspot.com)