لا شيء يظهر أثر سنواتٍ من العمل المشبوه على الساحة العربية، في الاعلام والسياسة والثقافة، كردود الفعل على خطاب نتنياهو الأخير في واشنطن. اثر الخطاب، وبينما كانت القنوات والصّحف الأميركية تسخر من رئيس الوزراء الاسرائيلي وتدعو الى عدم الالتفات اليه، صدرت تقارير غربية عدّة تشرح أن كلام السفّاح الصهيوني قد لاقى ترحيباً ضمن أوساط معتبرة في الصحافة العربية. حتى أن الـ «جيروسالم بوست» تتباهى بأنّ عدداً من كتّاب الرأي العرب البارزين قد تماهوا مع منطق نتنياهو، من أقلام في صحف سعودية الى رئيس تحرير موقع «العربية» الانكليزي، الذي طالب اوباما بالاستماع جيّداً الى نتنياهو والتعلّم منه والاسترشاد بكلامه.


الغضب الأميركي في وجه نتنياهو لم يكن بمثابة عقابٍ له لأنّه «تجاوز الحدود» في علاقة اسرائيل مع اميركا، ووصل الى حدّ فرض سياساتها الخارجية عليها، بل لأنّ مقترحاته قاتلة ــــ سياسياً ــــ لكلّ من يتبنّاها في الساحة الداخلية: لن يتمكن أي رئيس، أو حزب، في اميركا من دخول مسار مواجهةٍ وحربٍ مع ايران لأنّ قائداً اسرائيلياً قد أوصى بذلك، بل ان فِعلاً من هذا النوع لن يقدر أحد على تسويقه للجمهور، وسيعطي الخصوم فرصة غير محدودة لسوق الهجوم والاتهامات حين تتعقّد الحرب أو تبدأ خسائرها بالارتفاع. لهذه الأسباب حاول العديد من السياسيين الاسرائيليين ــــ والأميركيين ــــ ثني نتنياهو عن زيارة واشنطن، ولهذا السبب ايضاً وجد العديد من العرب أنفسهم في «وحدة حال» مع الزعيم الصهيوني.
هم، مثل نتنياهو تماماً، يتآلفون مع سطوة اميركا واحتلالاتها، ولكنهم يريدون ــــ في الآن نفسه ــــ أن توجّه هذه الحروب ضد أعدائهم، بل ويزايدون على الادارة الأميركية حين لا تبدو «مقدامة» كفاية، بالمعنى الامبريالي، بالنسبة اليهم. المشكلة ليست في العرب الذين بادروا الى استحسان كلام عدوّهم، ولا في من يمثّل خطابهم نسخةً ــــ بالعربية ــــ عن منطق نتنياهو ونظرته الى المنطقة، بل في أنّ أحداً من هؤلاء لا يتريّث ويتفكّر في مغزى هذا التشابه والتماهي.
بكلمات أخرى، لو أن اسرائيل شاءت أن تخلق مواطناً عربياً يناسبها، وأن تصممه على هواها، فهل ستجد أفضل من ذاك الذي يخضع لأميركا، ويعوّل على ضرباتها، بينما يتلهّى بحروبه الطائفية وتأصيل العداء مع ايران؟ هذا الوعي السياسي لم يولد صدفة ولا هو نتاج «ردة فعل»، بل هو نهجٌ حقيقيّ استوطن في بلادنا، وسينتج لنا، كلّ عشر سنوات، كوارث على طريقة الحرب العراقية ــــ الايرانية، ومعارك أهلية، وانقسامات هوية لا تنتهي. هذه الثقافة هي التي تصنع نتنياهو يتكلّم بالعربية؛ ومحور المعركة اليوم، من تكريت الى بيروت، هو في انتزاع قرارنا من أيدي الذين ربطوا مصيرهم بأعدائنا ويريدون أخذنا، جماعياً، الى الجحيم.