strong>رياض صوما *

لم يكن انتصار المحافظين الجدد مع مجيء جورج دبليو بوش حدثاً خارج السياق العام لتطوّرات الوضع الدولي منذ عقدين من الزمن. فتح الخلل الفادح في موازين القوى العالمية، بعد انهيار المنظومة السوفياتية، الباب واسعاً أمام الأميركيّين للاستفادة القصوى من الفرصة التاريخية المتاحة. فجاءت الرؤى والأفكار والاستراتيجيات التي طرحها المحافظون الجدد، لتعكس طبيعة تلك المرحلة وتشجّع إغراء القوّة، الذي كان التعبير الموضوعي الفجّ عن حاجات ورغبات القوى المقرّرة فعلياً في الولايات المتحدة، وفي مقدّمتها شركات النفط والسلاح والتقنيات المتقدّمة، في تلك اللحظة الاستثنائية من لحظات التاريخ. لكن الوضع تغيّر منذ ذلك الوقت، واختلف الى حدّ كبير، سواء على الصعيد العالمي أو الأميركي الداخلي. ولا حاجة بنا إلى تكرار ما أصبح من المسلّمات، عن وجهة التحوّلات التي تستمرّ في تعديل موازين القوى الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لغير مصلحة الأميركيّين، وفي مختلف أنحاء العالم. من أميركا اللاتينية، إلى شرق آسيا، إلى روسيا والمدى السوفياتي، إلى أوروبا، وصولاً إلى المنطقة العربية والإسلامية. وكلّها من النوع غير القابل للارتكاس ضمن المعطيات الراهنة والمتوقّعة. وانعكس ذلك بالضرورة على وزن ودور المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية وفي القرار الأميركي. حيث تتالت الاستقالات وعمليات الإبعاد لأبرز رموزهم. ولعلّ التطوّرات التي شهدتها منطقتنا، أدّت الدور الأكبر في هذا التراجع. فالنكسات التي واجهها مشروعهم الإمبراطوري على امتداد الشرق الأوسط الكبير، دمّر صدقيتهم. وبات أقصى طموح من بقي منهم داخل ادارة بوش وحولها، حماية الستاتيكو الشرق أوسطي الحالي، بعدما كان حدّه الأدنى، تغيير وجه المنطقة وبنيتها وتوازناتها وثقافتها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل يعيشون إلى ما بعد الانتخابات الأميركية الراهنة، في المناخ الدولي الجديد الذي كرّر فلاديمير بوتين تحديد طبيعته خلال لقائه الأخير مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل؟ كثيرون يشكّون في ذلك. فإذا اقتصرنا على أوضاع المنطقة العربية والإسلامية فحسب، ماذا نلحظ عن أوضاع حلفاء واشنطن؟ هناك شبه انهيار في وضع الديكتاتور برويز مشرّف بعد نجاح المعارضة الباكستانية بصورة حاسمة في الانتخابات الأخيرة. هناك شلل في سلطة حميد كرزاي المحصورة بالكاد في كابول، وتردّد صريح لحلفاء بوش الغربيين بشأن زيادة مساهمتهم في حرب أفغانستان، بعد تزايد خسائرهم هناك. هناك تفكّك في حكومة نوري المالكي، وحراك جديد على صعيد المقاومة العراقية شمالاً ووسطاً وجنوباً، يبشّر بتحوّل نوعي في الأشهر القادمة، يستفيد من تراجع دور «القاعدة»، التي أسهمت في تشويه صورة المقاومة العراقية للاحتلال وسهّلت مهمّته في إثارة التوتّرات المذهبية. وهناك ارتباك في وضع «المعتدلين العرب» الذين عجز مؤتمر أنابوليس عن تزخيم دورهم في تغطية العدوان الإسرائيلي المتواصل، وآخر حلقاته الهجوم الإجرامي الأخير على غزّة. وهناك فشل الاعتراض الأميركي على منع انعقاد القمة العربية في دمشق. دون نسيان المفاجآت المحتملة على الساحات المتزايدة التداخل في المثلث الناري (العراق ــــــ فلسطين ــــــ لبنان)، وخاصّة بعد قسم قائد المقاومة السيد حسن نصر الله بالردّ على الحرب الإسرائيلية المفتوحة، بحرب مشابهة على امتداد الشرق العربي، وربما المدى الأوسع. أمّا إذا تجاوزنا الوضع الإقليمي الى الداخل الأميركي، فهناك المغزى البيّن لتقدّم المرشَّح الديموقراطي باراك أوباما بشأن التحوّل في مزاج الشعب الأميركي، الذي استُلِب وعُبّئ للحرب عبر حملة إعلامية كاذبة، روّجت لها آلة الإعلام الهائلة التي امتلكها تحالف الصهاينة والمحافظين الجدد. وإذا كان باستطاعة المحافظين الجدد وأنصارهم تجاهل الرأي العام العالمي، فمن الصعب عليهم ضرب بعُرض الحائط رأي الشعب ونخبه. وهناك الكثير ممّا يمكن إضافته ضمن السياق نفسه، بما يدعم الاستنتاج الذي كان قد وصل اليه منذ فترة، فوكوياما وبريجنسكي وكيسنجر وآخرون، بشأن بداية دخول «المحافظين الجدد» مرحلة الأفول. علماً بأنّ خلفية الشماتة التي تحيط بتلك الخلاصة، لا تقلّل من صحّتها. ولكن، لم يذهب فوكوياما والباقون، إلى نهاية التحليل الذي بدأوه. ركّزوا على فشل التكتيكات والسياسات، ولم يربطوا بينها وبين طبيعة المصالح والقوى التي تدعمها. وهذا أمر طبيعي، فلا مجال لخروجهم من دائرة القوى التي يعملون في خدمتها وخدمة أيديولوجيتها. فأقصى ما يرغبون فيه، هو تغيير الأحصنة لا تغيير العربة. لكنّ تحليلاً أعمق وأكثر دقّة، يتجاوز فشل المحافظين الجدد كأشخاص وكخيارات، إلى الأسباب الموضوعية التي جعلت وتجعل من منظومتهم الفكرية مشروعاً مستحيلاً في واقع العالم الراهن. إنّ نجاح طروحاتهم المستندة إلى توليفة غير متجانسة، تجمع بين ليبيرالية اقتصادية متطرّفة، وغطاء أخلاقي مفترض، يطاول الديموقراطية والشفافية وحقوق الإنسان... والاعتماد المفرط على القوة العسكرية ذات التقنية العالية، يحتاج إلى عالم منزوع السلاح ومستسلم كلياً لإرادة الولايات المتحدة الأميركية. وهذا ما بدا ممكناً للوهلة الأولى في خلال تسعينات القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، حيث كانت البيئة الدولية ملائمة الى حدّ ما، لترويج توليفة كهذه. وقد انطلت فعلاً، على الكثيرين من رجال السياسة والفكر والثقافة، بمن فيهم بعض المحسوبين على اليسار. لكن انتقال تلك المقولات إلى حيّز التجربة العملية، كشف زيفها وتهافتها. فالليبيرالية المفرطة رمت مئات الملايين إلى الجوع والبطالة والتهميش، بدل الازدهار المزعوم. كما أدّت إلى تهاوي الاقتصاد الأميركي ذاته ودخوله مستنقع الركود. وليس بلوغ ديون الولايات المتحدة أرقاماً فلكية، وهبوط سعر صرف الدولار إلا بعض النتائج الموضوعية للخيارات الليبيرالية المتطرّفة. و«النضال من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان»، انتهى إلى «حلف المعتدلين» المتكوّن من عتاة الأنظمة المستبدّة والظلامية، وإلى قتل أكثر من مليون عراقي وتهجير أربعة ملايين، وإلى أبو غريب وغوانتانامو... هذا عدا ما يجري في أفغانستان وفلسطين والصومال وباقي أرجاء المنطقة. أمّا سياسة الردع العسكرية ذات التقنية العالية، فتبين أنّها حروب قد تُدار عبر الأقمار الصناعية، لكن لا يحسمها إلّا المشاة، بالعبوات الناسفة والسلاح الأبيض.
بالطبع لم تتغيّر مصالح القوى المهيمنة في الولايات المتحدة، ولا رغبتها في الهيمنة المطلقة على العالم وفق «نظريّات» المحافظين الجدد، لكن ما تغيّر هو قابلية العالم لذلك. لقد أثبتت الوقائع استحالة ذلك. فالعالم الراهن أكبر وأقوى من قدرة أيّ دولة على إخضاعه. بغضّ النظر عن الرابح في الانتخابات الرئاسية الأميركية التي ستجري في نهاية العام الحالي، فإنه عام النهاية الرسمية للمحافظين الجدد، والأهم «للمحافظية الجديدة». فسواء استمرّ الجمهوريّون في السلطة، أو عاد الديموقراطيون، فقد بات من المستحيل تطبيق تلك الوصفة الوهمية، التي لم تؤدِّ سوى دور الترويج لنهج إمبريالي تقليدي، عجّل في تدهور مكانة الولايات المتحدة على كل الصعد الاقتصادية والعسكرية والسياسية والأخلاقية. هذا ليس
كلاما انتصارياً. فقد تتابع الإدارة القادمة بعض سياسات إدارة بوش، وخاصة في منطقتنا. لكن لن يتمّ ذلك وفق تبريرات المحافظين الجدد. واذا أصرّت الولايات المتحدة على القتال من أجل مصالحها الفعلية، فلن تفعل ذلك باسم نشر الحضارة وترويج الديموقراطية وحقوق الإنسان، بل باسم المصالح العليا للدولة. وإذا فعلت ذلك، فلن يصدّقها أحد، وخاصة الشعب الأميركي نفسه، رغم القدرة الهائلة لوسائل الإعلام التي يسيطر عليها المجمع الصناعي العسكري الأميركي والحركة الصهيونية. فقد قيل: تستطيع خداع قسم من الناس طوال الوقت، وكل الناس بعض الوقت، لكن من الصعب جداً خداع كل الناس طوال الوقت.
من جهة أخرى، لا تعني هزيمة خطّ المحافظين الجدد بالضرورة، استقرار العالم والشرق الأوسط، فهذا يتطلّب انتصار الواقعية
السياسية والنهج الديموقراطي الحقيقي في الولايات المتحدة والغرب، وهذا ما يبدو بعيداً حتى اللحظة. لكن أن يستمرّ الصراع وفق حدّ أدنى من العقلانية، أفضل بكثير من إدارته من جانب متعصّبين ومهووسين.
* عضو المجلس الوطني للحزب الشيوعي اللبناني