ما زال هناكٌ خلطٌ بين مفهوم «الامبريالية»، بما هي نظامٌ مؤسسي وايديولوجي لا يكتفي بفرض هيمنة دولة ــــ أو معسكر دول ــــ على باقي العالم، بل يقدّمها باعتبارها «قوانين» وناموساً وقسمةً منزلة للمهام والسلطة، وبين الدولة الوطنية حين تلاحق مصالحها وتسعى الى تعزيزها. في اطار الرأسمالية، هناك بالطبع اتصال بين السلوكين، والثاني قد يوصل، منطقياً، الى الأوّل. ولكن، ان كان للدولة ــــ الأمة من وظيفة في عصرنا، فهي تتلخّص في صون مصالحها وحماية مواطنيها من عاديات السياسة وتقلّبات السوق الدولية ومنافسة الدول الأخرى ــــ وبهذه المقاييس تحديداً يتم تقييم أداء النخب الحاكمة وفعاليتها.


في بحر الصين الجنوبي، يشتكي جيران الصين من أنها تنهمك في ردم وتوسيع الجزر التي تقع تحت سيطرتها في المناطق المتنازع عليها، وتحوّل شعباً مرجانية وصخوراً تظهر وتختفي تحت سطح الماء الى جزرٍ كبيرة، تتسع لمرافىء ومنشآت وقواعد عسكرية. الكلام هنا هو على أرخبيل سبراتلي الذي تتقاسمه عدة دول، يدعي كلّ منها حقّ السيادة عليه أو على أجزاءٍ منه.
موقف الصين ينطلق من قاعدة قانونية أسستها حكومة الصين الوطنية (قبل الثورة الشيوعية) خلال أربعينيات القرن العشرين، حين نشرت خريطةً لبحر الصين الجنوبي مع ما صار يسمّى بـ «الخط ذي النقاط التسع»، وهو خطٌ وهميّ على شكل لسان يشمل كلّ البحر تقريباً، وتعتبر بكين أنّ ما يقع ضمنه هو مياهٌ اقليمية لها. يرتكز ادعاء الصين على فكرة الحقوق التاريخية، وأن أرخبيلات باراسيل وسبراتلي هي مناطق يقصدها الصيادون الصينيون منذ القدم ويسكنون بعضها، ما يجعل المياه المحيطة بها (وهي أقرب بكثير الى سواحل فييتنام والفيليبين، وبعيدة آلاف الكيلومترات عن البر الصيني) مياهاً اقليمية صينية ــــ ومن هنا أهمية «اختراع» الجزر وتثبيت ملكيتها، اذ ان هذا يسمح ببسط السيادة على مياهٍ تحوي احتياطات نفطية ومناطق صيد ومعابر بحرية استراتيجية.
«جزر» سبراتلي، التي تتناثر بالمئات على مساحة هائلة، هي عبارة عن شعبٍ وصخورٍ غير مأهولة، أكبرها شريط طوله ألف متر وعرضه 400، وأعلى ارتفاعٍ فيها لا يتجاوز المترين عن سطح الماء. في التسعينيات، انشغلت الدول المحيطة بـ «احتلال» هذه الجزر؛ فبحسب الاتفاقات الاقليمية، يحقّ لدولةٍ في المنطقة بسط سيادتها على ما تعتبره لها، ولكن لا يحق لها اخراج بلدٍ من جزيرة بالقوة، فبدأ السباق على اشغال الجزر المهجورة (يدعي الفيليبينيون، مثلاً، أن قوات فييتنام احتالت على حامية احدى الجزر لتخرج منها وتحضر احتفالاً في جزيرة مجاورة، ليعودوا في اليوم التالي ويجدوا قواتاً فييتنامية في مكانهم).
سلوك الصين في سبراتلي (بكين سيطرت منذ عقود على كامل أرخبيل باراسيل) يعكس نظرتها الى ذاتها كقوة تصون حدودها وتفرض نفسها في محيطها الحيوي، ولو دعا الأمر الى ردم البحر وجعله أرضاً وطنية.