كتاب «أمراء الحرب وتجار الهيكل - خبايا السلطة والمال في لبنان» لكمال ديب (دار الفارابي، لبنان 2015)، كتاب جريء وجديد في طرحه وأسلوبه وكأنّه سيرة بديلة لتاريخ لبنان كما لا تشاء أن تعترف به الطبقة الحاكمة.

يقف كمال ديب على قمة جبل من جبال كندا المغطاة بالثلوج متأملاً تشابهها بجبال لبنان، فيأخذه تفكيره إلى الوطن الذي غادره صغيراً، والذي لم يغادره، بل بقي كبيراً في وجدانه بتاريخه ومشاكله البنيوية والمستقبلية، وطناً للنجوم نعم ولكن لإقطاع متوحش.

وتكبرُ الأفكار في رأس كمال ديب ككرة الثلج، أنّ ما أصاب الشعب اللبناني قد أصاب أشقاءه في العراق وسوريا. ولذلك بعد سلسلة كتبها عن لبنان أبرزها «أمراء الحرب وتجار الهيكل» و«هذا الجسر العتيق سقوط لبنان المسيحي»، وضع كمال ديب سلسلة مهمة من الكتب عن العراق وسوريا («تاريخ سورية المعاصر»، «موجز تاريخ العراق»، «زلزال في أرض الشقاق»، و«أزمة في سورية»).

إشكالية الولادة المشوّهة
للبنان أدّت إلى نشوء أمراض
نفسية واجتماعية

يمارس ديب تعليم مادة الاقتصاد في كندا، وهو ما ينعكس إيجاباً لمصلحة قراء كتبه حيث لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد ولا التاريخ عن الثقافة. وها هو ديب يعود اليوم لإصدار نسخة منقّحة ومزوّدة من كتابه «أمراء الحرب وتجار الهيكل» والذي كان قد صدر بداية بالانكليزية قبل سنوات تحت عنوان: Warlords and Merchants: The Lebanese Business and Political Establishment، فقد صدر عن دار النهار بيروت عام 2007 ونفدت طبعاته الثلاث خلال أشهر. وهذه النسخة الجديدة عن دار الفارابي عام 2015، تضيف عشر سنوات من التطورات والأحداث، حيث زادت صفحات الكتاب إلى 654 صفحة، ما يجعله مرجعاً دائماً لكل من يريد أن يفهم ما حصل ويحصل في لبنان منذ ألف عام حتى اليوم، وحتى تفاصيل تعتبر صغيرة في سياق الأحداث يذكرها الكتاب ومنها كيف انقض أمراء الحرب والتجار على سلسلة الرتب والرواتب عام 2013 وكيف قضى وحوش السلطة على لقمة الفقير وكيف ضُربت النقابات في زمن الترويكا في التسعينيات، وكيف هيمن أمراء الحرب هؤلاء على مفاصل الحياة اليومية في لبنان مع دور لهؤلاء مشبوه مع الخارج العربي والأجنبي.
إشكالية الولادة المشوّهة للبنان تحت هيمنة إقطاع ديني وسياسي أدّت الى نشوء أمراض نفسية واجتماعية كالطائفية والمناطقية والفردانية وطغيان المصلحة الشخصية على الوطنية. وهي أمراض لم يتمكن لبنان من الشفاء منها وتلازمه منذ ولادة الكيان عام 1920، حيث واظب تجار الهيكل على توريث مهنة نهب لبنان لأبنائهم. فأين الخلاص؟
يشرح كمال ديب طبيعة أمراض لبنان أنّها من النوع الخبيث، أي سرطانية. فالجرّاح يستأصل السرطانيات من الجسم ليكتشف بعد اسابيع ظهور سرطانيات جديدة حتى يموت المريض. وهكذا في لبنان مع كل محاولة نحو الإصلاح، استطاع أمراء الحرب وتجار الهيكل تعديل أساليبهم وتحالفاتهم وعلاقاتهم المحلية والخارجية أمام ثورة الشعب، فيتظاهرون بأنّهم يتماشون مع رغبات الناس حتى يهدأ الوضع. وهكذا تعود الطبقة الحاكمة إلى السيطرة وتنضم إليها وجوه جديدة وكأنّها «نيو مافيا».
وهكذا بعد حرب 1958 جاء فؤاد شهاب بالإصلاح بهمّة جبارة وبمحاولات جديّة لتطوير النظام اللبناني، لينتهي شهاب خلال سنوات قليلة ضحية على مذبح أمراء الحرب فيستسلم ويخرج عام 1964 بدون عودة. وهكذا أيضاً انتهت حرب 15 سنة باتفاق ملعون هو اتفاق الطائف عام 1989 الذي كرّس الطائفية وأكّد استمرارية الاقطاع في ألفية ثانية للتحالف الشيطاني لأمراء الحرب والتجّار.
يغوص كتاب ديب في شؤون السياسة والمال شارحاً إشكالية المداواة الذاتية للطبقة الحاكمة، وكيفية إعادة منتجة النظام الذي فرضته بكل سيئاته. إذ رغم التغيّرات الشكلية في بنية وشكل الحكم في لبنان، فإنّ فشل شعبه في جنى فرص التغيير عند كل منعطف سيبقى علامة استفهام كبيرة في تاريخه ومستقبله وسيبقى تأثير الحراك الشعبي هامشياً، مع دخول شخصيات جديدة تنتمي إلى ثقافة العولمة والتجار وتنتمي بصلة الدم وعقلية الكانتونات إلى حصص الطوائف التاريخية، تدعمها بقوة دول عربية رجعية والرأسمالية الدولية.
يضم الكتاب أربعة عشر فصلاً وملحقاً فيتحدّث عن كل ما يتعلق بالبيئة الاجتماعية والجيوـ سياسية والاقتصادية التي مر بها وعرفها لبنان منذ ألف عام مع التركيز والتفصيل على القرن العشرين والسنوات الأخيرة من القرن الحادي والعشرين. وهو في الحقيقة تاريخ بديل وجريء عن لبنان وإن لم يكن عنوانه كذلك. وتنطوي الفصول الأولى على شرح وتحليل أمراء الحرب القدامى من موارنة وشيعة ودروز. فيفرد لكل طائفة فصل يتحدّث عن جذورها الدينية والاجتماعية ثم عن نشوء عائلات أمراء الحرب والاقطاع السياسي والديني، وصلات الدم والمال.
ثم في سلسلة فصول يتحدّث عن التجار ويعدد أبرز الوجوه والمواقف ويفضحها. ففي الفترات كافة يقدّم هؤلاء أنفسهم على أنهّم المخلّص للرعية التي تتبعهم ويسمونها «الأهالي». فالطبقة السياسية الاقتصادية هي أصل المرض. ويصل الكتاب إلى مراحل القرن العشرين حيث يشرح بعمق العلاقة بين السياسيين ورجال المال الذين هم أنفسهم تجار أوطان وحيتان مال وبارونات. وإنّ ما ابتدعوه من نظام سياسي على أنّه من عطايا الديمقراطية الفرنسية عام 1943 كشف أنيابه بعد سنوات قليلة من الاستقلال وبرز كنظام وحشي يفتك بالشعب ويقتل معارضيه ويمنع أي تطور نحو الديمقراطية الصحيحة، من نظام ضرائب تصاعدي وبرامج اجتماعية وحقوق للمرأة وزواج مدني.
الفصول الجديدة في الكتاب في اصدار دار الفارابي تكشف خبايا حرب تموز 2008 والميني حرب أهلية في 7 أيّار 2008 والانقسامات على الساحة اللبنانية حتى اليوم التي يعتبرها كمال ديب فولكلوراً لا بد منه بين أعضاء الطبقة الحاكمة لتقاسم السلطة والمال.
لا يمكن في هذه العجالة تسليط الضوء على كل فصول هذا الكتاب الشيق. ولذلك اخترنا الفصل الرابع عشر المخصّص لحقبة رفيق الحريري المثير للجدال ويسميه الكاتب «آخر تجار الهيكل». وهنا يقدّم كمال ديب معلومات عمّا قيل أو كُتب عن رفيق الحريري باختصار وبمهنية أكاديمية. وعلى سبيل المثال، يتكلّم عن عمله وكيف بنى ثروته ودوره كرئيس للحكومة والمشاريع التي نفذّها، وما كتب عنه مروان اسكندر، ثم يستشهد ديب بما كتبه وزير المال السابق جورج قرم، أنّ «الحريري قد حاول اختصار لبنان ما بعد الحرب في شخصه، بحيث تتحوّل البلاد إلى ملكيّة شبه خاصة لرجل واحد، فتزول جميع القيم ما عدا قيمة المال والمضاربات العقارية والمالية، وبيع أهم العقارات وأجملها إلى أغنياء الخليج»، وأنّ «الحريري نفسه منذ نهاية السبعينيات تبع سياسة نشطة في شراء العقارات لحسابه ولحساب ولي العهد السعودي... هذا الرجل الذي اصبح رئيس وزراء لبنان، ثابر في سنوات الحرب على امتلاك كل ما هو للبيع بسعر جيّد: مصارف، شركات تأمين، متاجر كبرى، أراض ممتازة في الأحياء البيروتية الجميلة». وهكذا وقبل أن يصل إلى منصب رئاسة الوزارة عام 1992، كان الحريري مفتاحاً للمال الدولي يعدّ من بين الرجال الأكثر ثروة وحضوراً في العالم، متربّعاً على عرش امبراطورية اعلامية ومصرفية، يتجوّل بطائرة خاصة، صديق «intime» للرئيس الفرنسي جاك شيراك، زائر للبابا في روما، تفتح له بسهولة أبواب كبار هذا العالم. لقد امتلك الحريري طائرات عدّة من طراز «بوينغ» تركن بشكل دائم على مدرج مطار بيروت، كان يستعمل هو شخصياً احداها موديل بوينغ 777، وهي الأكبر والأفخم، ويستعمل أفراد عائلته وأصدقاؤه الطائرات الأخرى (صفحة 523). وفي مكان آخر شهادة لنجاح واكيم الذي كان نائباً في البرلمان في التسعينيات، فقد اعتبر واكيم أنّ «الخير ازداد في لبنان ولكن عند أهل الحكم في ظل حكومات الحريري، وشحّ عند المواطنين»، وأنّ الحريري «قد حوّل الوطن إلى شركة مقاولات له ولشركائه في العمل التجاري أو السياسي وحوّل العمل السياسي سمسرة. وما ينطبق على الحريري ينطبق على كل أركان السلطة الذين يتبارون في التماثل به والذين بمعظمهم يبدون مدراء نجباء في شركته وليس في حكومته». وثمّة شهادة لمجلة أميركية أنّ «فريقاً يقوده الحريري للاستئثار بالاقتصاد قوّض المصالح الوطنية التي يزعم الحريري أنّه يروّجها، وأنّ هذا الفريق يوزع المغانم التجارية عليه وعلى المقرّبين منه وعلى جهات خارجية... وأن الحريري يدير شؤون البلاد كأنّها شركة خاصة به» (صفحة 522).
هذه اللمحة عن كتاب «أمراء الحرب وتجار الهيكل» تدعو القارئ الجدّي إلى مطالعته واستكشاف عيوب النظام اللبناني الذي استحق أكثر من غيره ثورة ربيعية تطيح به وتأتي بدولة مدنية عصرية تلبّي طموحات الشعب اللبناني.
* صحافي لبنان ــ برلين