«نحن فصيل مقاوم مضى عليه قرابة 11 عاماً وهو يقاتل. كل واحد منا أرسل على الأقل لثلاث معسكرات تدريب في إيران ولبنان تحت إشراف حزب الله. كل معسكر تدريبي استمر لشهرين على الأقل. هل تعلم ماذا يعني أن تذهب لـ 60 يوماً من التدريب الشديد والمستمر على يد حزب الله؟ سترجع شخصاً جديداً. لا يمكنك مقارنتنا بهؤلاء الجنود الذين التحقوا بالجيش من أجل المال» (1).

كانت هذه الكلمات لأحد مقاتلي المقاومة الشعبية العراقية لصحافي «ذي غارديان» غيث عبد الأحد صيف 2014، وما يلفت الانتباه هنا أن قوة يفترض فيها أنها رجعية محافظة وفق المقاييس الحداثوية، نجحت وبكفاءة عالية في بناء قوة عسكرية شديدة التنظيم على جبهات عديدة (إيران، لبنان، فلسطين، العراق واليمن). ولربما يكمن سر هذه القوة في «الإنسان الجديد» والذي خرج من مصهر الانضباط الشديد للمشروع المقاوم.

هذه القوة الدينية التي لطالما نظر إليها على أنها شذوذ تاريخي وردّة حضارية حيث زعم أننا كشرقيون، على عكس الغرب، يلعب الدين لدينا دوراً أكبر مما يجب له، ولربما انطلى هذا الحكم علينا لأسباب كثيرة أبرزها جهلنا بأصول التاريخ الأوروبي المبنية على خرافة القيم والمؤسسات الليبرالية العلمانية.
فهناك تصوّر أن قصة الصعود الأوروبي مبنية على حركات تؤمن بحرية الإنسان وتحريره من وهم الخرافة، وغالباً ما تساق أمثلة الإصلاح الكنسي المسيحي المتمثل بالحركات البروتستانتية المختلفة كالكالفينية وغيرها.

كان على الكنائس الإصلاحية
أن تثور وتسعى إلى تعديل يناسب الاقتصاد الرأسمالي الصاعد
لكن هذه الحركات لم تكن تقل تطرفاً وخرافة وحتى عنفاً عن الكنيسة الكاثوليكية التي تمردت عليها. كما أنها لم تأت لنا برسالة أكثر إنسانية ومحبة واحتراماً وقبولاً للآخر، بل جائت لهذا العالم حاملة سيف عهدٍ جديد، فأسهمت حسب بعض الباحثين في ولادة الدولة الحديثة والحداثة. وما سيفها هذا إلا الانضباط الذي رأت فيه الوسيلة الأنجع لإنشاء مجتمع رباني مسيحي، ومن ناحية أخرى أظهرت أنها أكثر نجاحاً ووعياً في قراءة حاجات مجتمعها للتطور.

الثورة «الانضباطية» في الغرب

لربما كان فيليب غورسكي (Philip S. Gorski) أفضل من شرح مؤخراً ما يسميه بثورة الانضباط في أوروبا ومساهمتها في صعود الدولة الحديثة في الجزء الأول من العصر الحديث والذي يبدأ لدى بعض المؤرخين من النصف الثاني للقرن الـ15 ويستمر حتى النصف الأول من القرن الـ18. وفضلنا من جهتنا أن نصوغ مفردة «الانضباطية» لتمييزها عن الانضباط كسلوك شخصي. والانضباطية هنا هي العقيدة أو السياسة التي تعمل على خلق مؤسسات ترعى تقاليد اجتماعية وقانونية تدفع المواطنين (أو تفرض عليهم) الالتزام التام بأسس التقدم والإنتاج والأمن الوطني.
وقامت الانضباطية بحسب المؤرخين، على ثلاثة دوافع أساسية: أولها العامل الاقتصادي والنظام الدولي الناتج منه. ومن المنظرين له طبعاً كارل ماركس، ومن أشهر تجلياتها اليوم نظرية «النظام العالمي المعاصر» لوارلشتاين. وثانيها العامل العسكري والأمني ولعل تشارلز تيلي هو أشهر منظريه، والتي يرى في الحرب أو التحدي الأمني محفزاً تاريخياً للتقدم والتنظيم والتي تعرف كنظرية بالإنكليزية بالـ bellocentric or bellicist theories.
وأخيراً نظرية ماكس فيبر عن العامل الثالث، وهو دور بعض العقائد الدينية الإصلاحية البروتستانتية، في المساهمة في تحديث المجتمع عبر تشجيع الانضباط والعمل والإنتاج. وحدد هنا فيبر الكاليفينية التي يركز غورسكي عليها أيضاً في نجاح مشروع الدولة الحديثة في بعض الدول الغربية كهولندا وبروسيا وسويسرا وغيرها (Gorski: 2003, p27).
ولكن مهما كان العامل المحفز للتقدم سواء كان اقتصادياً أو عسكرياً أو عقائدياً أو جميعها معاً - حيث أن هذه العوامل الثقافية لا تعمل وحدها في الهواء من دون قاعدة المادية - فإن «الانضباطية» كانت أو المساهمة في تقدم ونهوض هذه النماذج. وهذا يشمل حالات كثيرة سواء في أوروبا مثل دولة الثورة الفرنسية والبونابرتية 1789 والبلشفية في روسيا 1917 وحتى ثورة ولاية الفقيه الإسلامية في إيران 1979. فكلها سعت عبر آليات مختلفة أو متشابهة مبتكرة في عصرها لضبط جماهيرها في اتجاه معين ومن دون هذا الضبط الذي شابه الكثير من العنف والقهر والتضحية من الصعب تخيل وصولها إلى ما وصلت إليه.

آليات الانضباط الديني

يجادل غورسكي بأن بعض العروش الأوروبية كما في هولندا وبروسيا وسويسرا وغيرها في القرن الـ17 و18، رأت في سياسة الانضباط كما في الكالفينية مثلاً خير معين لإعادة تشكيل المجتمع بأرخص الطرق وأنجعها. بحيث كان الهدف مكافحة ما اعتبروه آفات اجتماعية وأخلاقية واقتصادية يجب التصدي لها عبر خلق، الإنسان المسيحي الجديد المنضبط أخلاقياً وسلوكياً، المطيع لمشاريع والحريص على مصالح الأمن القومي، والمنظم والمتفاعل بنشاط وسلاسة مع خطط السلطة، والمنتج والمخلص أو المؤمن بمشروع الكنيسة التي ينتمي اليها بخلق مجتمع مسيحي إلهي لا مجتمع حريات ليبرالية وتفكير نقدي أو قبول للآخر كما يتصور الكثير من علمانيينا.
وانخرط هؤلاء المؤمنون بحملة محمومة لمحاربة «مظاهر الفساد والانحلال والضعف» من وجهة نظرهم على الأقل، كالإفراط في الشرب والرشوة والتهرب من دفع الضرائب والتبطل والغش في العمل والإنتاج وضرب الزوجات والزنا والعقائد المنحرفة التي قد تثير الفتن وتخلق طوائف موالية لعروش وكنائس معادية الخ.
ومن هنا أخذت هذه الكنائس تدير ملاجئ وإصلاحيات ومدارس وبيوت عمل ومشافي شديدة الانضباط، تخرج كوادر متحمسة لتنفيذ سياسات الضبط الاجتماعي والأخلاقي المطلوب، لتربية مواطنين منتجين، ملتزمين بالقانون ودفع الضرائب، محصنين من الآفات الاجتماعية المعروفة، كل هذا بأقل الأثمان وبحملات أقل عنفاً وإكراهاً وشمولية وكلفة وصعوبة نسبياً.
بينما كانت النماذج الحداثية التي قامت متأخرة وأغلبها علماني (كالبلشفية، والأتاتوركية، والماوية) أكثر كلفة من ناحية الخسائر البشرية والمادية لأسباب عدة، منها التقدم التكنولوجي, واحتدام الصراع الأممي ولأنها كانت أكثر راديكالية وطموحاً لتحرير الإنسان سعت لخلق إنسانها الحديث المنضبط والمنتج والمخلص والمقاتل بمعزل عن خرافة الله ورجاله - في الكثير من الحالات كان البلاشفة يرفضون الإستفادة مثلاً من سلطة رجال الدين (ذوي النفوذ الريفي الواسع) في مكافحة الأمية. فتنقل لنا إحدى التقارير الحزبية أن سكان إحدى البلدات الروسية رفضوا المجيء للمركز التعليمي الذي افتتحته الثورة لهم، لأنه كان بيد مسؤول حزبي فنظر إليه كمسؤول حكومي، وما إن جرب السوفيات تعيين أحد القساوسة المحليين حتى امتلأ المركز بمئات الطلبة - (Kenez: 2006, p73).
أما غورسكي فيرى كفيبر تقريباً أن الكنائس الإصلاحية لم تعتمد على دوريات من رجال الدين لمكافحة الفساد كما كان يحصل في جنوب أوروبا الكاثوليكية، إنما اعتمدوا على من يثقون بهم من العامة والشخصيات المتزنة والمحترمة محلياً لتطبيق عملية الضبط. فكانوا على ذمة المصادر التاريخية يزورون بيوت المخالفين وينصحونهم أول الأمر (بما يشبه فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المسلمين). وإن لم يرتدع كانوا يرفعون درجة الضغط عليه اجتماعياً ليشعر بلهيب المقاطعة الاجتماعية التي ستناله، وأخيراً كان يلجؤون إلى الحرمان الكنسي إن لم يستجب.

الفقراء وبيوت العمل

فضلاً عن شبكة الكنائس المنتشرة في كل مكان حرصت الحركات الإصلاحية، من خلال «بيوت العمل» على نشر مبدأ الإنتاجية بين الناس بغرض خلق مجتمعها الرباني فكان على بيوت العمل أن تعمل كإصلاحية للبالغين الذين لم تتح لهم فرصة تعلم إنتاج شيء مفيد. ومن الواضح أن فكرة بيوت العمل قد ظهرت كنتيجة للاهتمام بتحويل أكبر قدر ممكن من المواطنين لمنتجين وبالتالي دافعين للضرائب، ولكن من ناحية أخرى يبدو أن تزايد هذه البيوت جاء أيضاً كنتيجة «عرضية» لتطور النقاش حول من هو الفقير المستحق للمساعدة. وهي أحد التحولات المهمة في المسيحية الغربية والفكر الغربي الرأسمالي لاحقاً.
فلقد كانت المسيحية في قرونها الأولى في المشرق قد قامت كثورة على الثقافة الهيلينية والهلنستية الوثنية، التي عمت معظم العالم القديم. ويرى بعض الباحثين أن هذا العالم لم يكن يعترف بالفقير المستحق للمساعدة بالمعنى الإنساني العام. فأنت إن تبرعت بالمال لفقراء مدينتك مثلاً فأنت تقوم به ككرم منك ولأنك تود تكريم مواطنيك. فالخبز مثلاً كان يوزع على المواطنين حصراً حتى لو كانوا أغنياء كرمز لمواطنيتهم وحريتهم. ومن هنا كان الفكر الغريكو-روماني يقسم العالم إلى مدن (بوليس) أبناؤها مواطنون أحرار، وكل من خارجها برابرة أو منافسون. وبالتالي كان كل غني معني بمواطنيه لا بالغرباء والعبيد الفقراء المقيمين في مدينته وفي العادة يشكل هؤلاء أغلب الفقراء.
وتساءل بليني الصغير عن الفائدة من السماح للصدقة والإحسان بالاستمرار بين الناس؟ فيما كان رأي أفلاطون في كتابه «الجمهورية» بأن على الفقير المريض غير القادر على العمل أن يترك ليموت وحده. أما الفيلسوف الروماني بيلاتوس فرأى أن تقديم الشراب والطعام للشحاذين يضر بالجميع، فأنت تخسر مالك وتطيل عمر شقي آخر على الأرض ليتعذب في شقائه. فلم يكن الفلاسفة الكلاسيكيون القدامى يرون في الرأفة والشفقة والرحمة سوى نواقص بائسة ومرضية في الشخصية البشرية يجب قمعها.
وأمام هذه الثقافة الوحشية قامت الثورة المسيحية المشرقية وعاملت كل فقير وغريب على أنه ضيف الله ويمكن بالعودة لأعمال بيتر بروان وعرفان شهيد تتبع جذورها الثقافية العربية - السريانية (Brown: 1998).
وفي وجه هذا الفكر المسيحي المشرقي الكلاسيكي المتأخر، (والذي تطور وتغير بشكل ما أو بآخر عبر العصور) كان على الكنائس الإصلاحية أن تثور وتطلب وتسعى إلى تعديل يناسب الاقتصاد المركنتالي والرأسمالي الصاعد لأوروبا والتي لم تعد تلك القارة الطرفية الفقيرة والمتخلفة بخاصة بعد تحقيق تلك الاكتشافات الجغرافية الكبرى. فلم يعد من المسموح أن يضل هذا العدد الكبير من الفقراء والمتبطلين في المدن المزدهرة ولم يعد مممكناً مثلاً السماح إطعام وإسكان الغرباء لأكثر من 3 ليالي في الكثير من المدن الهولندية والألمانية وغيرها. وكان على هذه الكنائس، وبدعم ورضى السلطات والنخب، أن تدمج كل الفقراء والعاطلين والمتسكعين ومدمني الكحول وغيرهم في العملية الإنتاجية وتحويلهم إلى منتجين وضبط سلوكهم.

النموذج الهولندي: الانضباطية والعسكرة في القرن 17

تمثل هولندا نموذجاً ثورياً للانضباطية، حيث حظيت البلاد بنخبة كالفينية ولم يتحول الشعب لهذه العقيدة إلا متأخراً. لكن المدارس والمؤسسات الكالفينية الشديدة نجحت من خلال طلابهم والمتأثرين بهم برفد الدولة بكادر ممتاز وخلق مناخ وتقاليد شديدة الانضباط والأخلاقية إن صح التعبير، ظهر أثره تدريجياً على البيروقراطية والتعليم والجيش بحسب غورسكي.
لم يكن النظام التعليمي الكالفيني في هولندا والولايات الألمانية لاحقاً ليبرالياً بل كان دينياً متشدداً. ولكن تشدده كان يرتكز بالدرجة الأولى إلى الانضباط في السلوك، احترام الوقت، إتقان العمل وتقديسه والزهد في ملذات الحياة. وصار النموذج التعليمي الهولندي الكالفيني مقصد النخب ليتعلم أولادهم ملكة الانضباط والاستقامة. ومن أشهر المدارس الأوروبية آنذاك مدرسة أوغست هيرمن فرانك (1726) الذي أسس مدرسته وفق هذا النموذج ولكن في المانيا في نهاية القرن 17. لم تنجح مدرسته في كسب ثقة الأسر الغنية والقوية فحسب، بل وصل عدد تلاميذها إلى ألفي طالب وهو رقم فلكي آنذاك. وكانت هذه المدارس تخرج بيروقراطيين وضباطاً وعلماء وساسة ورجال أعمال ولاهوت بمنتهى الانضباط والكفاءة في عملهم.
كل هذه الإصلاحات ساعدت بلداً صغيراً كهولندا (2 مليون نسمة) في أن يقف وبقوة لا بوجه محتليه الإسبان فحسب، إنما منافسيه وجارتيه الكبيرتين الغنيتين إنكلترا (5.5 مليون نسمة) وفرنسا (20 مليون نسمة).
فهذه الأمة الصغيرة نجحت في الإبقاء على 50 ألف مجند وقت السلم، و120 ألفاً وقت الحرب، بينما كان أسطولهم يربو على 70 إلى 80 سفينة. وبالمقابل كان لدى الإنكليز حوالى 90 الف مجند و120 سفينة، أما فرنسا فكانت تملك على الورق 400 الف جندي و100 سفينة. على كل حال لا تبدو القوة الهولندية كبيرة، ولكن هولندا نجحت في أن تستفيد من طاقتها الكامنة وتعلمت كيفية حشدها بفعالية كبرى من جارتيها الكبيرتين، حيث كان لكل 17 مواطناً جندي ولكل 25 ألف مواطن سفينة، بينما كانت النسبة لإنكلترا هي جندي لكل 61 مواطناً وسفينة لكل 45 الف مواطن. اما فرنسا فبأحسن الأحوال جندي لكل 50 مواطناً، ولكل 166 الف مواطن سفينة (Gorski: 2003, p48).
وفي الواقع إن الفعالية التي تمكنت بها دولة صغيرة كهولندا من حشد قوتها وطاقتها بهذا الشكل لا تشبه اليوم إلا دولة واحدة هي إسرائيل.
وللحفاظ على هذه القوة العسكرية أنفق كل مواطن في هولندا حوالى 3 جنيهات استرلينية في العام، مقابل 1.5 في إنكلترا و0.75 في فرنسا. ومع ذلك لم يعني هذا أن الشعب الهولندي كان مثقل الكاهل بالضرائب بل إنهم عاشوا (مقارنة بجيرانهم الأقوى) حياة أفضل وأكثر أماناً، بدخل أعلى ونسبة جرائم وبطالة أقل ونظام تعليمي ورعاية صحية وخدمات بلدية أفضل (Gorski: 2003, p49-52).
ولكن كيف كان أداء الهولنديين في الحرب؟ لم تكن الدولة الهولندية سريعة في تنفيذ وتمرير القرارات والأوامر. ولكنها أظهرت ثلاثة عناصر من ناحية الانضباط: غياب أو قلة الفساد، كفاءة وحرفية المسؤولين، وأخيراً «السرعة» في ردود فعل الدولة والمجتمع على التهديدات. فلقد عُرِف الهولنديون بسرعة حشد قواتهم حيث أنهم، وكرد فعل على ظهور الأرمادا الإسبانية في بحر الشمال، قاموا بأقل من شهر بحشد 21 ألف مجند وتجهيز أسطولٍ أربع أضعاف حجم الأرمادا، ما أذهل الأوساط الدبلوماسية في حينها (Gorski: 2003, p68). والجدير بالذكر أن فريدريك وليم البروسي كان من مئات الأوروبيين الذين تقاطروا على هولندا لرؤية جيشها وتدريباته وهو ما ألهمه لاحقاً لتأسيس جيشه.
وأحيا وابتكر الهولنديون علوماً وأساليب عسكرية مهمة منها كيفية تنظيم هجوم المشاة المضاد بالبنادق مع الإبقاء على زخم الإطلاق الناري. وجاء اعتمادهم أو إحياؤهم للمناورات العسكرية كانعكاس لفلسفتهم بالانضباط وإجادة ما يصنعون. فكان على العسكري أن يكون أفضل مثال للانضباط والكفاءة العالية، فهم كانوا قادرين على حشد ألفي جندي خلال 22 دقيقة، بينما كانت الأمم الأخرى تحتاج إلى ساعة لتحشد 1000 بأحسن الأحوال (Gorski: 2003, p73).

خاتمة

يبدو أن تنظيماتنا الإسلامية المقاومة، لا تبدي اهتماماً (كما يجب) بالتعليم المنضبط والجيد كما حصل في أوروبا، والتأسيس لمعاهد فنية ومهنية وتطوير، خطابها العقائدي ليؤسس لمقاتلين فحسب بل للإنسان المقاوم الحديث الذي يقدس قيمة العمل والوقت والإنتاج. فأمام انهيار دولنا وفسادها، لم يبق أمامنا في هذه المرحلة على الأقل سوى هذه القوى المقاومة. ومع إدراكنا لمحدودية إمكانياتها، فهي غدت أملاً للكثيرين بانضباطها وصرامتها وتفانيها، فظهرت أكثر قيادية من قوانا المتلبرلة.
ولربما لم تكن شهادة المقاتل العراقي إلا بالنيابة عن آلاف من مقاتلي جبهة المقاومة حول أهمية مسألة الانضباط والتنظيم. فلا تستغربوا أن مسألة بناء قوة حديثة ومنظمة لن تأتي بالضرورة من حملة الشهادات الغربية وبيئتهم الفردية والنرجسية، لأنه يبدو أن أكثر الناس تأهيلاً اليوم للتصدي للتحديات التي تعصف ببلادنا هم هؤلاء القوم المنضبطون. كما حصل في أوروبا، حيث كان عمل الكالفيني المتطرف والمنظم والملتزم والمنضوي ضمن مشروعه الديني والوطني هو النموذج الذي استنسخه لاحقاً رجال الحركات الثورية العلمانية من يعاقبة فرنسيين، بلاشفة روس، وقوميين في القرون اللاحقة. وأصبح معه هؤلاء هم الأسلاف الأوائل للحزبيين الملتزمين والمتفرغين في السياسة الحديثة كما نعرفها.
* باحث وكاتب عراقي

المراجع

http://www.theguardian.com/world/2014/aug/24/iraq-frontline-shia-fighters-war-isis
Gorski, P (The Disciplinary revolution) The university of Chicago Press 2003
Peter Kenez (The history of the Soviet Union from the beginning to the end) Cambridge University Press 2006
Peter Brown (Late Antiquity) 1998