شاركتُ في عشرات المؤتمرات الدوليّة والشعبيّة حول قضيّة فلسطين في العالم، لكنني لم أرَ مؤتمراً سيّئ التنظيم والبرنامج كحال «المنتدى الدوليّ من أجل العدالة في فلسطين» (بيروت 22 و23 شباط الجاري).



أولاً: في الشكل

لا أعرف من أين يتعيّن البدءُ في تناول هذا «الحدث الكبير» الذي عُقد في فندق «رامادا إن»، وأطلق عليه منظّموه، زوراً وبهتاناً، اسمَ «منتدى العدالة لفلسطين الدولي»! أأبدأ، مثلاً، من هذه الترجمة الركيكة لاسم المنتدى باللغة الإنكليزية:
International Forum for Justice in Palestine
أمْ أبدأ من غُرفة «التسجيل» التي بَدَت أشبهَ بـ»زريبةٍ للبقر»، لا تعرف كيف تدخلها، وإذا دخلتَ فقد لا تعرف كيف تخرج منها؟

أأبدأ من الفوضى التي سادت أروقةَ «المؤتمر» وقاعته؟ أمْ بجوقة المتحدّثين البائسين الذين يخزقون طبلة آذاننا يومياً على شاشات الفضائيات؟ أمْ تراني أبدأ بكلمات قادة الفصائل الفلسطينية واللبنانية الذين جاؤوا يحدّثوننا عن العدالة في فلسطين ولكنهم لا يتحدثون بعضهم مع بعض، بل يكرهون بعضهم بعضاً إلى درجة الاقتتال؟
أأبدأ من «تفاعل» الجمهور، الذي قرّر أن لا يستمع إلى أحد من هؤلاء، وكان كلُّ ثلاثةٍ يعقدون «مؤتمرَهم» الفرعيّ الخاص وتعلو أصواتُهم كلما صعد خطيبٌ إلى المنصّة؟
أأبدأ من طريقة ترتيب الطاولات والمقاعد (إذ جلسنا وكأنّنا في سجنٍ للأحداث)، أمْ أبدأ من وجود عشرات الكاميرات التي حجبتْ عنّا الرؤية حتى بدا الجمهورُ غريباً ومقصيّاً ولا علاقة له بالقضية؟
الأنكى من ذلك كله أن تجد الشخص وقد جلس أمام يافطةٍ كُتب عليها اسمُ شخصٍ آخر؛ بل رأيتُ سيدةً محترمةً اسمُها: الأستاذ أحمد فلان الفلاني!


ثانياً: في معنى التضامن

سألتُ صديقة أميركية شاركتْ في «المؤتمر»: أرأيتِ أسوأ من هذا المؤتمر في تاريخك السياسيّ الطويل؟ ضحكت وهزّت رأسها نافية. ولأنها سيدة مؤدبة قالت: «رأينا الأصدقاء!».
رمقتُها بنظرة عدائية وحادة، فاستدركتْ: «لا، لم أرَ».
ــ هل قدّموا إليكم نسخة عن البرنامج باللغة الانكليزية؟
ــ لا.
ــ هل وجدتم مَن ينتظركم في المطار؟
ــ لا.
ــ هل عرفتم عنوانَ المؤتمر أو الفندق قبل وصولكم؟
ــ لا.
ــ هل أنتِ راضية عن مشاركتك؟
ــ لا.
ــ أيمكن القول إنه مؤتمر فاشل جداً؟
ــ ...
هذه الصديقة العزيزة أعرفُها منذ ربع قرن تقريباً، وهي من أكثر البشر إخلاصاً وعملاً من أجل حقوق الشعب الفلسطيني. لكنْ قرّر البعض، هنا في بيروت، أن يفضح عرضنا وعرضها وعرضَ بيروت... دفعةً واحدة.

ثالثاً: في الجوهر

كيف يمكن أن أصدّق سياسياً لبنانياً طائفياً جاء إلى المؤتمر ليقيم «العدالة» في فلسطين (ومن فندق «رامادا إن»)، ولكنّه لا يتضامن مع الفلسطيني في لبنان بل يسكت عن حرمان هذا الفلسطيني من العمل في أكثر من 70 وظيفة؟ كيف أصدّق دجالاً يريد إقامة العدالة في فلسطين، لا في مُخيّم شاتيلا؟! كيف أصدّق سياسياً فلسطينياً يحدّثنا عن العدالة في فلسطين، بينما سفارتُه تهدر عشراتِ آلاف الدولارات على مؤتمرات فارغة في وقتٍ تئنُّ فيه مُخيماتُ الفلسطينيين في لبنان تحت وطأة الفقر والجوع والمرض والحصار والموت؟

ألا يستحق المعتقلون السياسيون في سجون سلطة أوسلو كلمة واحدة من مؤتمركم؟!

إنّ أيّ مؤتمرٍ يكون عنوانُه «فلسطين» يجب أن يُسأل القائمون عليه عن العدالة للفلسطينيين حيث يقام هذا المؤتمر أولاً؛ ذلك لأنّ العدالة لا تتجزّأ، والقضية هي الإنسان كما قال الشهيد غسّان كنفاني.
إنّ بعض المؤتمرات الكثيرة التي تستضيفها بيروت هي في الواقع أقربُ إلى التجارة وثقافة المقاولات. إذ لا علاقة لها بالنضال الشعبي الحقيقي الذي يراكم الإنجازات من أجل حركة نضالية عربية تسهم في تحرير فلسطين وعودة اللاجئين إليها. فأيُّ معنى لمؤتمرات عن فلسطين لا يحْضرها المخيمُ الفلسطيني، ولا تحْضر فيها أوجاعُ اللاجئين والمعذّبين، ولا نرى فيها الشبابَ الفلسطينيّ الغاضب والباحث عن التغيير؟ إنّ هذه «اللمّات» من المخاتير التي لا تنتج إلا الخطابات المُفرغة من أيّ مضمون ثوري حقيقي لهي تعبيرٌ مكثّفٌ عن واقع الهزيمة، وعن الخواء الذي تعيشه هذه الأمّةُ من المحيط إلى الخليج، وعن زمن داعش، وعن الطائفية والمذهبية وكامب ديفيد.
إنّ من يغتصب العدالة في فلسطين هو الكيانُ الصهيوني ومَن يقف خلفه. ولكنّ هناك أيضاً عربياً مهزوماً يشارك اليوم في الجريمة، وإلى جانبه يقف فلسطينيّ مهزوم هو نسخةٌ عنه. يتكئ الأولُ على الثاني، والثاني على الأول، مثل تسانُدِ الركام. نعم، إنّ الفلسطيني المهزوم يشارك، من خلال سلطة أوسلو، في اغتصاب العدالة وتدمير القضية الوطنية ومسخها، لكنّ المؤتمر لا ينطق حرفاً ضدّ هذه السلطة.
أتريدون العدالة لفلسطين؟ إذن عليكم أن تعلنوا وقوفكم مع شعبها في كلّ مكان. وعليكم أن تعلنوا موقفاً واضحاً من الذين خانوا فلسطين ويمارسون «التنسيقَ الأمني» مع العدو الصهيوني. وبالمناسبة، ألا يستحق المعتقلون السياسيون في سجون سلطة أوسلو كلمة واحدة من مؤتمركم؟!
لكنْ، ولأننا من دعاة العدالة في كلّ مكان، فإننا لا نظلم البشر. ومن هنا نقول إنّ مشاركة النساء في المؤتمر كانت مميّزة وتستحق التقدير والإصغاء والتأمل. وهذا بالضبط ما فعله الجمهورُ العادل، فأنصت حينما تحدثت السيدة التونسية مباركة براهمي، زوجةُ الشهيد محمد براهمي، وصدح صوتها بالحق من أجل العدالة في وطنها العربي الكبير. وكذلك جاءت كلمة تينا ستريكو، عضو لجنة العلاقات الدولية لحزب سيريزا اليوناني، وكلمة سارة فلاوندرز، والنائبة السابقة في الكونغرس الأميركي سينثيا ميكيني، وغيرهنّ من نساء ناضلن بحق من أجل العدالة للبشر، كل البشر، في كل مكان.
ملاحظة أخيرة: كاتب هذه المقالة يرحّب بأيّ ردّ عليها، ويَعِدُ بردٍّ جديدٍ وطويلٍ وموثّقٍ بالأسماء والصور.
* باحث عربي ــ فلسطين