إسكندر منصور *

قيل في جورج حاوي الكثير وسوف يُقال أكثر، نقداً ومدحاً متى بدأ المؤرخ عمله في كتابة تاريخ لبنان الحديث، وخاصة منذ ستينات القرن العشرين. قال فيه طلال سلمان: «جورج حاوي المشاكس، المغامر، المجادل، المحاور، المتنقّل، المتبدّل، المتحوّل، المتجوّل بين الأفكار والأحزاب و الأنظمة». إنّها «الحيويّة الفائضة» التي وصف بها جوزف سماحة جورج حاوي. نعم كان جورج حاوي كل هذا ولكن أيضاً كان المنحاز إلى حلم لم يزح عنه ولم يفارقه وهو «وطن حر وشعب سعيد». قال المطران جورج خضر في تأبينه «حسبي بك يا جورج أن هذا المشرد الفلسطيني المدعو يسوع الناصري كان يجذبك، والذي كان منحازاً إلى الفقراء».

نبع المبادرات

كان جورج حاوي جريئاً لحدّ المغامرة. لا بل غامر كثيراً فأصاب أحياناً وأخطأ أحياناً كثيرة. كان دائماً يفتش عن الجديد في الفكر والثقافة والسياسة واللغة. لا يستوقفه الماضي وإن كان مشرقاً. كان نبع مبادرات لا ينضب وأفضل من طرح شعاراً لكل مرحلة. كانت ثقافة المقاومة السائدة يختصرها شعار «المقاومة وُجدت لتبقى» أو «نموت واقفين ولن نركع». فجاء جورج حاوي ليغادر هذا السائد ويقول في المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة: «المقاومة وجدت لتنتصر ولسوف تنتصر». أحبّ بيروت المدينة التي درس فيها وتقدّم تظاهراتها وحرّض عمالها ودخل سجونها واعتلى منابرها وتنقّل بين ملاجئها وأطلق مقاومتها مخاطباً أهلها «يا أبناء بيروت البطلة». وأخيراً استُشهد فيها. قال فيه كريم مروة: «كان جورج حاوي كرامة من كرامات هذا البلد».
بدأ حياته المدرسيّة في مدرسة الراهبات في بتغرين وبعدها انتقل إلى دير مار يوحنا في الخنشارة لمتابعة دراسته الثانوية؛ وهناك بدأ هوايته المفضلة التي لم تفارقه طيلة حياته ــ المناقشة والمجادلة ــ حيث «كنت أجادل ذات مرة في قضيّة عقليّة فاتّهمني الكاهن بأنني ماركسي ولم أكن قد سمعت بماركس بعد». (جورج حاوي يتذكّر). وهكذا بدأ جورج حاوي رحلته مع الشيوعيّة مع رفاق بلدته بتغرين الذين كانوا «مجموعة طيّبة من العمال والمزارعين وأصحاب الدكاكين الصغيرة» على حد تعبيره.
أثناء ثورة 1958 حمّل الكاتب المعارض إميل خوري جورج حاوي ابن العشرين رسالة إلى قيادة الثورة يطلب فيها تسليح المعارضة في المتن للتصدي لأنصار الرئيس شمعون ولإبراز الوجه المسيحي المعارض. فارتاح كل من كمال جنبلاط ومعروف سعد للرسالة وابتسم صائب سلام وقال لجورج «سلِّم على الأستاذ إميل وهو موضوع افتخارنا وقل له سنقوم باللازم»، فرّد عليه جورج حاوي «أريد أن أعرف النتيجة»، فقال صائب سلام «هذا ليس شأنك أنت مجرد مبعوث وسأتصل بالأستاذ إميل». عاد جورج حاوي إلى المتن وفي ذهنه «أن قرار طائفيّة الثورة هو قرار مشترك وليس من جانب واحد، وأن تسليح الشيوعيين واليساريين في المتن هو خط أحمر: شعرت بأنه لا بد من بقاء ثورات لبنان وانتفاضاته طائفيّة» (ج.ح. يتذكّر).
من حق جورج حاوي أن يطرح هذا التساؤل عمّا إذا كان «لا بد من بقاء ثورات لبنان وانتفاضاته طائفيّة». هكذا أمّنت الطبقة الحاكمة هيمنتها منذ أن نشأ الكيان اللبناني حتى «اتفاق الدوحة» الأخير. فكانت الطائفيّة ولا تزال سلاح الطبقة الحاكمة الفعّال التي من خلالها كانت الطبقة الحاكمة تؤمِّن استمرار وإعادة إنتاج هيمنتها ونظامها.
ولكن من حق الباحث النقدي أن يجيب ويسأل لماذا تخلّت الحركة الوطنيّة وجورج حاوي أحد أركانها البارزين عن شعار العلمنة و«برنامج الإصلاح» لمصلحة شعار «المشاركة» و«التوازن» برنامج «الإسلام السياسي» وبذلك أسهمت ببقاء ثورات لبنان وانتفاضاته طائفيّة؟ لا ننتظر الجواب. ففي رده على سؤال غسان شربل «ألم تشعروا كحركة وطنيّة بأنكم صادرتم قرار المسلمين في لبنان»؟ قال جورج حاوي: « بلى، شعرنا وكان من الأفضل أن تبقى هذه المصادرة، والأسوأ في تاريخ الصراع اللبناني عندما صودر القرار الوطني لحساب القرار الطائفي». كيف حصل ذلك؟ ما الذي أضعف القرار الوطني لمصلحة القرار الطائفي؟ من المسؤول؟

المسألة القوميّة

كان حاوي الشاب متأرجحاً بين القوميّة والماركسيّة و«استمرّ هذا التأرجح لديّ إلى أن برز نجم عبد الناصر والوحدة العربيّة والعزة العربيّة فاخترت بسرعة القوميّة العربيّة خياراً قومياً والمحتوى الاشتراكي للماركسيّة». وهكذا بدأت رحلة العلاقة بين الماركسيّة والقوميّة في فكر جورج حاوي ورفاقه الأوائل لتصبح أحد معالم الخلاف في الحزب الشيوعي بين «الأمميين» و«القوميين»، الذي أدّى في نهاية المطاف إلى انتصار «القوميين» وبدء الرحلة الجديدة للحزب الشيوعي من خلال مؤتمره الثاني حيث أُعيد الاعتبار لجورج حاوي الذي كان قد بدأ حياته الثانيّة على أثر إبعاده ومن ثم طرده من الحزب في العمل والدراسة في أوروبا حيث انتسب إلى جامعة «بروكسل الحرة».
هناك إلى جانب متابعته للدروس عمل في تنظيف المدارس وغسل الصحون وقيادة الشاحنات وتنزيه الكلاب ليكسب معيشته. هذا إضافةً إلى عمله السابق بعد نجاحه في البكالوريا في تلحيم الكهرباء وحدادة السيارات.
كُتب الكثير عن التحول التاريخي في موقف الحزب الشيوعي اللبناني من المسألة القوميّة التي كان عنوانها الموقف من القضيّة الفلسطينيّة. هذا التحوّل يكمن في نقد الموقف من المسألة الفلسطينيّة وخاصة الموقف من قرار التقسيم الذي يدعو إلى إقامة دولتين في فلسطين: واحدة عربيّة وأخرى يهوديّة، حيث كان الحزب الشيوعي اللبناني كسائر الأحزاب الشيوعيّة العربيّة (باستثناء الحزب الشيوعي السوداني) قد وافق على قرار التقسيم، بعدما عارضه لسنين وعلى لسان فرج الله الحلو، بعدما وافق الاتحاد السوفياتي على هذا القرار.
لقد فتح هذا التحوّل الطريق أمام الحزب الشيوعي، من خلال دور بارز لجورج حاوي ليوسِّع دائرة علاقاته مع التيارات القوميّة المختلفة من فلسطينيّة وناصريّة وبعثيّة وقوميّة عربيّة؛ كما أسهم في ملاقاة بعد هزيمة 1967 التحوّل الدائر في حركة القوميين العرب باتجاه الماركسيّة. فتوطدت علاقة الحزب الشيوعي وجورج حاوي مع محسن إبراهيم القادم من حركة القوميين العرب إلى الماركسيّة؛ كما توطدت علاقة الشيوعيين وجورج حاوي بقيادات اليسار الفلسطيني المتمثلة بالأمين العام للجبهة الديموقراطيّة نايف حواتمة وبالأخصّ مع الأمين العام للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين الدكتور جورج حبش وأيضاً بقيادة فتح وياسر عرفات.
هكذا أسهم جورج حاوي ورفاقه في أولى محاولات «تعريب» الماركسيّة وتبيئتها فكانت بالنسبه إليهم «المسألة القوميّة» الموقع الأساسي للصدام مع الإمبرياليّة، كما أنها كانت الموقع الأساسي لتجلي الصراع الطبقي.
هنا يصحّ أن نطرح سؤالاً من وحي النتيجة التي وصلت إليها العلاقة بين الحركة الوطنيّة اللبنانيّة والمقاومة الفلسطينيّة خلال مسيرة الحرب الأهليّة اللبنانيّة. هل أدّت إعادة الاعتبار لـ«المسألة القوميّة» دوراً في الممارسة السياسيّة للحزب الشيوعي خلال الحرب الأهليّة بحيث أصبحت المسألة الوطنيّة اللبنانيّة غائبة ومهمّشة في الممارسة السياسيّة لمصلحة «المسألة القوميّة»؟
بكلمة أخرى. لقد أُعْطيَت الأولويّة للمسألة القوميّة على حساب المسألة الوطنيّة وهذه الأولويّة ترجمت من خلال علاقة التبعيّة التي كانت قائمة بين الحركة الوطنيّة والقوى الفلسطينيّة بجناحها العرفاتي في لبنان والتي (علاقة التبعيّة) في النهاية لم تخدم ليس فقط الحركة الوطنيّة بل أيضاً لم تخدم المقاومة الفلسطينيّة.
ما كان دور جورج حاوي وطبعاً رفاقه (كريم مروة وجورج البطل ونديم عبدالصمد وخليل الدبس وغيرهم) في تغليب النهج القومي والقفز فوق المسألة الوطنيّة وحاجات المواطنين وهواجسهم إن في بيروت أو في الجنوب باسم «المعركة المركزيّة»؟.
جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة
جاء الغزو الإسرائيلي للبنان في سنة 1982 واحتلال إسرائيل لبيروت عاصمة لبنان ليؤكدا مقولة أن غزو لبنان كان يستهدف ليس فقط مصير الثورة الفلسطينيّة ودورها وقيادتها في لبنان بالرغم من أهميّة هذا الهدف بالنسبة إلى إسرائيل، بل إن لإسرائيل أهدافاً لبنانيّة المضمون تطال لبنان ووحدته وانتماءه العربي.
لهذا كان الردّ من خلال إعلان بيان جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة الذي وقّعه جورج حاوي ومحسن إبراهيم تعبيراً عن موقف سياسي تاريخي في صلبه إعادة الاعتبار للمسألة الوطنيّة اللبنانيّة التي كانت شبه غائبة منذ بدء الحرب الأهليّة، وخاصة بعد اغتيال كمال جنبلاط حيث تحوّل لبنان إلى «ساحة» هيمنت فيها القوى الفلسطينيّة بقيادة ياسر عرفات على مجمل القرارات العسكريّة والسياسيّة، وغابت القضيّة الوطنيّة اللبنانيّة عن الشاشة التي ليست إلا قضيّة شعب يطمح إلى بناء وطن سيّد وحر ومستقل وديموقراطي ومقاوم يقف سنداً للشعب الفلسطيني في كفاحه من أجل تحرير وطنه كترجمة لعروبته.
لقد أكد جورج حاوي أننا «أردنا أن نسجّل حالة نوعيّة جديدة إذ صارت العمليات تعلن باسم جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة» تعبيراً عن الشخصيّة الوطنيّة اللبنانيّة المستقلة بالرغم من مساهمة قوى المقاومة الفلسطينيّة في عمل المقاومة.
ميزة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة أنها لم تكن تطمح فقط لتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي بل كان لها بُعد داخلي في دفع عمليّة التغيير الوطني الديموقراطي وإنهاء النظام الطائفي المفتّت الذي لا يعيش ولا «يستقر» إلا بالاعتماد على العامل الخارجي.
كان جورج حاوي يثق بأنّ طبيعة القوى الرئيسيّة في جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانية كانت مؤهلة للقيام ليس فقط بمهمات التحرير وقد بدأته بنجاح بارز في بيروت والجبل والجنوب، بل أيضاً بمهمات التغيير الداخلي وإنجاز ما سمّاه «الثورة الوطنيّة الديموقراطيّة»، وهذا ما جعل جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة هدفاً مباشراً لقوى طائفيّة داخليّة صاعدة (أمل وحزب الله) وإقليميّة (سوريا) منعاً للتغيير والإخلال بالنظام السياسي الطائفي. هكذا استُهدف مقاومون واغتيلت قيادات ورموز سياسيّة وفكريّة كثيرة من الحزب الشيوعي. قال جورج حاوي في تأبين أحدهم (سهيل طويلة) «حاخام هو الذي يفتي بقتل الوطنيين والشيوعيين وليس شيخاً ولا سيِّداً».
هكذا بدأت رحلة عرقلة جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة من متابعة دورها باتجاه التحرير والتغيير من جهة، ودفع ظاهرة الطائفة المقاومة إلى الصدارة من جهة أخرى. وهذا ما خلق واقعاً بحاجة دائماً إلى دور ضابط للتركيبة الطائفيّة الداخليّة، وهنا تأتي الحاجة الدائمة إلى الدور السوري.

القصاص السياسي

في ظل نسبة القوى الداخليّة وطبيعة القوى الإقليميّة يصحّ السؤال عن مدى صحة وجديّة شعار «الثورة الوطنيّة الديموقراطيّة»، وهل حقاً كانت غائبة عن جورج حاوي والحزب الشيوعي بأن سوريا (كما البورجوازيّة اللبنانيّة ــ كنا في السابق نقول بجناحيها أو بأجنحتها) لن تسمح لجبهة المقاومة الوطنيّة بالعمل في اتجاهين: الاتجاه الأول نحو مقاومة إسرائيل كقوة محتلة وتحرير لبنان؛ والاتجاه الثاني نحو تغيير المعادلة الداخليّة ليمهد الطريق لإلغاء الطائفيّة والعمل بنظام انتخابي عصري على قاعدة النسبيّة وإنجاز مهمات الثورة الوطنيّة الديموقراطيّة ببعديها السياسي والاجتماعي.
جاء اتفاق الطائف ليضع حداً للحرب الأهليّة وربما ليفتح الأبواب أمام الصراع السياسي من أجل خطوات تنقل لبنان إلى سلم أهلي دائم. كان الطائف معادلة جديدة أدخلت كثيراً من القوى السياسيّة تحت سقفها. فدخل القوميّون والبعثيون وكل حلفاء سوريا المجلس النيابي واستُبعد الحزب الشيوعي وشخص جورج حاوي بالتحديد من دخول الندوة البرلمانيّة.
أما الوجه الجنوبي اليساري البارز حبيب صادق فكان قد انتُخب نائباً في تلك الفترة ولمرة واحدة. كان هاجس جورج حاوي خلال موقعه في الأمانة العامة أو بعد استقالته وتركه المواقع القياديّة تحصين اتفاق الطائف «أفضل الممكن» وتثبيت السلم الأهلي ومغادرة احتمال عودة القتال من جهة، والعمل على مؤتمر حوار للمصالحة الوطنية يجمع القوى المتخاصمة والمتقاتلة خلال الحرب الأهليّة من الذين شاركوا بالطائف والذين أخرجهم
الطائف.
ومن هذا الفهم، كان قد عقد لقاءه مع سمير جعجع الخصم اللدود «في إطار جهود المصالحة» وكانت مطالبته لاحقاً بعودة الجنرال ميشال عون من منفاه وإطلاق سراح سمير جعجع بعد دخوله السجن بعد محاكمته باغتيال الرئيس رشيد كرامي كخطوة نحو عقد مؤتمر للمصالحة الوطنيّة، وخصوصاً بعد هزيمة إسرائيل على يد المقاومة بقيادة حزب الله وانسحابها من الجنوب سنة 2000، حيث كان جورج حاوي من أوائل الذين طالبوا بإدخال الجيش إلى المناطق المحررة في الجنوب.

في الاستقالة والحركة الجديدة

ليس في تراث الحركة الشيوعيّة أنْ أقدمَ قائد بارز مرموق كجورج حاوي ليس فقط في حزبه بل على الصعيد اللبناني والعربي وفي عز نشاطه وعطائه وأحلامه على الاستقالة. لهذا مثّلت الاستقالة حدثاً في الحزب الشيوعي وخارجه وأثمرت عن نقاشات مهمة عن كيفيّة تعزيز الديموقراطيّة المفقودة في الحياة الحزبيّة في لبنان والعالم العربي. كما طال النقاش دور الفرد وعلاقته بالقضيّة التي يحملها.
في رسالة إلى اللجنة المركزيّة عن استقالته من الأمانة العامة يحدد جورج حاوي السبب الأول الرئيسي وهو «الرغبة في التفرغ للمساهمة في تأسيس حركة ديموقراطيّة وشعبيّة جديدة تقوم على قاعدة وأطر أكثر اتساعاً وانفتاحاً وتنوّعاً وديموقراطيّة، وتعمل على فتح آفاق أرحب أمام توطيد السلم الأهلي، واستعادة السيادة الوطنيّة وتطوير الديموقراطيّة وتحقيق العدالة الاجتماعيّة والتقدم».
السؤال الطبيعي هنا: هل بإمكان الحزب الشيوعي إذا تطوّر وتغيّر وأصبح أكثر انفتاحاً وتدمقرط أن يكون هذه الحركة التي يودّ جورج حاوي التفرّغ لإنشائها؟ الجواب بالنسبة إلى جورج حاوي بالنفي لأن الحزب الشيوعي «مهما تطور وتجدد لن يفي بالوظيفة التي يفترض أن تقوم بها تلك الحركة ولن يحل محلها. قد يكون وسيكون أحد مكوناتها، جزءاً أساسياً منها، ولكنه ليس «هي». فالنسبة إلى جورج حاوي يشكل الوطنيون على جميع انتماءاتهم النقابيّة والمهنيّة والثقافيّة والفكريّة أكثريّة الشعب اللبناني و«سيكون من الظلم أن يطلب منهم: لتحقيق أمنياتهم في التغيير الديموقراطي، أن يدخلوا إلى الحزب الشيوعي»، لأنّ الوطني بالنسبة إلى جورج حاوي، بحاجة إلى حركة يشعر فيها بأنها حركته يمارس فيها القرار الحر ولا يشعر بأنه «برغي في آلة ضخمة لا رأي فيها إلا لمركز القرار».
لقد كتب كريم مروة في «العشاء الأخير مع جورج حاوي» أن جورج حاوي قبل اغتياله بيوم واحد فاتح رفاقه بشأن إمكان العمل معاً من أجل هذه الصيغة الجديدة الجامعة لهموم الوطنيين ــ كل الوطنيين ــ التي تحمل اسماً «حبيباً إلى قلبه»: «التجمع الوطني الديموقراطي».
هذا «التجمّع» يكون منبراً وإطاراً واسعاً ــ لا يلغي ضرورة العمل على تجديد الحزب الشيوعي وفكره ومهماته وحتّى اسمه ــ لكل الوطنيين الذين تهمّهم قضيّة السيادة الوطنيّة الحقة والعدالة الاجتماعيّة.

جورج حاوي و14 آذار
عندما بدأت مرحلة التمديد للرئيس إميل لحود لم يساور جورج حاوي الشك في أي موقع يكون. كان من أوائل المعارضين للتمديد للحود. وحين بدأت سلسلة الاغتيالات باغتيال رفيق الحريري والمطالبة الشعبيّة بخروج السوريين كان من أوائل المطالبين. فمتى كان الصراع بين «من هو في موقع المستبد والآخر في موقع المعترض على الاستبداد. أنا مع المعترضين على الاستبداد وإن كنت لا أضع نفسي تحت سقفهم المنخفض».
كان جورج حاوي في موقع 14 آذار ومع شعار 14 آذار الداعي لرفع الوصاية عن لبنان واستقلاله ومعرفة هويّة قاتل رفيق الحريري ورفاقه وسمير قصير. لكن في المقابل لم يخفِ قلقه من قيادة 14 آذار وطبيعتها الطائفيّة، العاجزة عن بناء وطن يليق بشهدائه وبطموحات آلاف المتظاهرين من الشباب والشابات من أجل الاستقلال وإنهاء الوصاية. لقد «أعلن بوضوح أنه ضد استبدال الوصاية السوريّة بوصاية أجنبيّة». (العشاء الأخير مع جورج حاوي ــ كريم مروة).
كانت قيادة 14آذار بنظره تدعو «لتغيير في الحكام» لا لـ«تغيير في طبيعة الحكم نفسه لأنّه مهما كان التغيير الذي يمكن أن يتم في طبيعة الحاكمين فلن ينتج حكماً صالحاً». ومع ذلك، عمل ونشط من أجل إنجاح مرّشحيها في الانتخابات النيابيّة وحصولها على أكثريّة نيابيّة بالرغم من معارضته للاصطفافات الطائفيّة. كان قلقه جدياً على مسيرة 14 آذار. قلق لا يعادله من قلق إلا ما عبّر عنه سمير قصير حين دعا إلى «انتفاضة في الانتفاضة».

ملاحظة أخيرة

لم يعش جورج حاوي ليرى كيف وقع زعماء الدول الكبرى في غرام السنيورة وليرى قبلات كوندليزا رايس للسنيورة و«تأثُّرها» خلال عدوان تموز على لبنان فهرول قادة «الحركة الاستقلاليّة» إلى السفارة الأميركيّة لترطيب خاطرها وليرفعوا معنوياتهم بعدما أكدت لهم أن «سحق المقاومة» على الطريق. لم يعش ليرى عناق ديك تشيني وديفيد ولش لوليد جنبلاط (نعم يا جورج وليد ابن كمال ما غيرو). لم يعش ليرى صديقه الوزير يريد أن يقطع خطوط اتصالات المقاومة تحسباً لأي عدوان إسرائيلي. لم يعش ليرى أبطالاً قاوموا إسرائيل في مارون الراس وبنت جبيل وهزموا لواء جولاني الإسرائيلي يسرحون في شوارع بيروت ويصعدون إلى قرى الجبل ويقولون إنها عمليّة «محدودة» و«استباقيّة». لم يعش ليرى قادة قطر والسعوديّة ومصر وسوريا وكل الديموقراطيات العربيّة يؤكدون على أهمية الانتخابات الرئاسيّة والعمليّة الديموقراطيّة في لبنان؛ كما يؤكدون على أهميّة تداول السلطة لأنهم اختبروها في بلدانهم. لم يعش ليرى كيف أن خصمه في بتغرين ميشال المر انضمّ إلى «الحركة الاستقلاليّة». لم يعش ليرى كيف أن الجنرال عون استعاد «حقوق المسحيين المسلوبة». وأخيراً لم يعش ليرى تمسّك السوريين برفض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل إلّا إذا كانت في تركيا.
* كاتب لبناني مقيم في الولايات المتّحدة الأميركيّة