رياض صوما *

رفع جورج بوش خلال مشاركته في احتفالات الذكرى الستّين لنشوء إسرائيل، مستوى الدعم الأميركي الكامل للكيان الصهيوني، عبر إعلان تأييده لإعطائه طابعاً يهودياً صرفاً. وقد توّج بذلك سياسة إدارته التي غطّت كل جرائم هذا الكيان، بحجّة الحرب على الإرهاب.
ليس هذا مفاجئاً، فهو سياسة أميركية وأطلسية ثابتة. ولكنّ ما يفاجئ فعلاً، استمرار قيادات ما يُسمى « تيّار الاعتدال العربي»، بما في ذلك جناحه اللبناني، في تنفيذ إملاءاته، وآخرها تلك التي تولّى نقلها دايفيد ولش، وتسبّبت بانفجار الأزمة في بيروت. وقد تمّ ذلك رغم اتضاح فشل تلك الإدارة على مختلف الأصعدة، وقرب رحيلها، غير مأسوف عليها.
وقد رأى هؤلاء ما رآه العالم بأسره، عن كلفة كل محاولات ادارة بوش ومآلها، كسر توازنات المنطقة لصالح إسرائيل، ولصالح مشروع المحافظين الجدد في الشرق الأوسط الموسع، بحيث لم تفلح زيادة الحشد العسكري البحري والجوي في منطقة الخليج، واستصدار القرارات المتتالية من مجلس الأمن الدولي ضدّ إيران حيال برنامجها النووي، وضدّ سوريا وحلفائها في لبنان، وزيادة القوات البرية في العراق، وتسريب سيناريوهات الحرب على إيران وسوريا، ثم حرب تموز ضدّ المقاومة اللبنانية، وحصار غزة وخطّة «دايتون»، وغارات الطيران الإسرائيلي على شمال سوريا، وما رافق ذلك من زيارات متتالية لبوش وكوندي وغيتس وتشيني وغيرهم، وتسعير النزاع المذهبي الشيعي ـــ السني، وافتعال نزاع عربي ـــ فارسي، في كسر إرادة أخصامها على امتداد المنطقة. إنّ بعض النجاح الذي لاقته تلك المبادرات والمناورات والحروب المسماة « فوضى بناءة»، بفعل تجاوب «المعتدلين» المشار إليهم، لا يلغي الفشل العام الذي أصابها. ومع ذلك، لا يبدو على غالبية حلفاء واشنطن العرب، ومن بينهم اللبنانيون، ما يشير إلى الإدراك الكامل لأبعاد ما يجري. بينما تبدو فيه إدارة بوش واعية لوضعها الحقيقي. وهي تدرك أنّ الزمن بات يدهمها، وهي قاب قوسين أو أدنى من انتهاء سلطتها عشية الانتخابات الرئاسية المقبلة في واشنطن.
وكانت هذه الإدارة قد بادرت منذ مطلع العام لإجراء تقدير إجمالي للوضع وفق سيناريوهات متنوعة، وذلك بمساعدة مراكز أبحاث سياسية واستراتيجية متعددة. وقد سربت الصحافة الأميركية بعضها. وتركزت المفاضلة بين منافع خيارين متعارضين ومضارهما: خيار الحرب الشاملة على إيران وحلفائها، وبين خطة «بيكر ـــ هاملتون»، الداعية للحوار مع التحالف الإيراني ـــ السوري لمعالجة مشكلات المنطقة.
وقد رجّح الخيار الأخير على ما يبدو، لاتضاح الكلفة الباهظة، سياسياً وعسكرياً ومعنوياً لخيار الحرب، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأميركي مصاعب غير مسبوقة، ومرشحة للتفاقم. فاتجهت الإدارة إلى الاكتفاء بالوسائل السياسة والعسكرية ضمن الحدود الواقعية. وقد ساهم بذلك الاعتراضات الواسعة في صفوف الإدراة والجيش والمخابرات المركزية وآراء مفكرين استراتيجيين كبار من وزن كيسنجر وبريجنسكي، إضافة للرأي العام الأميركي الفاقد لقناعته بجدوى الحلول العسكرية.
وقد عالجت إدارة بوش بوادر الإحباط الذي ظهر لدى حلفائها في إسرائيل والمنطقة، بجرعات من الدعم المادي والمعنوي، فجاءت وعود التسليح الكثيف لدول الخليج والإشادات المتواصلة بصلابة قادة الاعتدال العربي وشجاعتهم، وخاصة المالكي وقرضاي ومشرف، ورجل الدولة فؤاد السنيورة، وحكومته المنتخبة ديموقراطياً والمهمة بالنسبة لأمن إسرائيل.
وكانت تلك الإدارة قد واكبت الجرعات المشار إليها، بالتشجيع على جملة عمليات عسكرية، بديلاً من الحرب الشاملة، في محاولة لفرض هدنة إجمالية في المنطقة من موقع القوة، قبيل معركة الانتخابات الرئاسية. فدفعت المالكي لشنّ حرب واسعة على «جيش المهدي»، من البصرة إلى شمال بغداد. وأجازت لإسرائيل شنّ هجوم كبير على غزة. وأعطت السنيورة إشارة البدء بمعركة سحب سلاح المقاومة اللبنانية. وكانت حساباتها تستند إلى المعادلة التالية: إذا نجحت هذه العمليات، فإنّ الإدارة تذهب إلى الانتخابات مطمئنة إلى وضعها ووضع حلفائها في المنطقة، وضامنة فرصاً معقولة لربح معركة الرئاسة. وإذا فشل حلفاؤها في كسب المعركة، تعمل على تثبيت هدنة متوازنة القوى، لا تحول بعد الانتخابات دون استئناف الصراع أو الدخول في مفاوضات جدية. واحتاطت لإمكان استغلال إيران وسوريا وحلفائهما النتائج المترتبة على الاحتمال الأخير، وهي نتائج لم تستبعدها لمعرفتها بحقيقة موازين القوى، فأوحت إليهما بالاستعداد لفتح حوار شامل معهما بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية.
وأسرع الديموقراطيون إلى منافسة الجمهوريّين في التودّد إلى «محور الشر» الإقليمي، فأصدر الكونغرس الأميركي قراراً غير ملزم، ولكنه ذو دلالة معنوية أكيدة، بسحب القوات الأميركية من العراق في نهاية العام المقبل. وحتى لا تنهار معنويات حكومة المالكي، هرولت رئيسة الأكثرية الديموقراطية نانسي بيلوسي إلى بغداد لطمأنة المالكي وبطانته، إلى حدود قرار الكونغرس. لكنّ فشل إسرائيل والسعودية و«رجال الدولة» في بغداد ورام الله وبيروت، بربح المعارك التي دفعوا إليها، دفع إلى تحرك النظامين الدولي والإقليمي، ربما بإيعاز أميركي، لتثبيت الهدنة المتوازنة التي تحتاج إليها إدارة بوش في الشرق الأوسط، من أجل التفرغ للانتخابات الرئاسية. فتولّت إيران تنظيم اتفاق بين المالكي و«جيش المهدي»، يحفظ سلاح هذا الأخير، على أن لا يعيق استمرار «العملية السياسية»، واستقرار تقاسم المافيات العراقية والأميركية لثروات العراق وموارده.
وتولّت مصر إدارة حوار غير مباشر، ما زال متعثّراً، بين «حماس» وإسرائيل، لإقرار تهدئة ما في غزة. وتولّت قطر بدورها مهمة إنجاز الاتفاق اللبناني ـــ اللبناني بين الموالاة والمعارضة.
أما تركيا فكشفت رسمياً، عن عملية الوساطة التي بدأتها منذ سنة تقريباً، بين إسرائيل وسوريا لاستئناف المفاوضات بينهما.
كل هذه التطورات تشير إلى نجاح إدارة بوش بالحصول على الهدنة التي تحتاج إليها، رغم كل شيء. قد تحصل بعض الخروقات وبعض التعقيدات التي تربك المتهادنين، ولكن التوازنات الأساسية ستصمد، بانتظار الإدارة الأميركية الجديدة، لإعادة النظر بالأدوار والحصص الدولية والإقليمية والداخلية. ولم تكن الهدنة لتتم، لولا تعب الولايات المتحدة بعد ست سنوات من «الحرب على الإرهاب» من جهة، ولولا صمود أخصامها في المنطقة من جهة أخرى. وبانتظار انتهاء المرحلة الانتقالية الراهنة، سيتفرغ أطراف الصراع الدائر لتقويم أوضاعه، وضبط حساباته، وتعديل تكتيكاته، استعداداً للجولات اللاحقة. وأوّلهم المملكة السعودية، التي تبدو أبرز الخاسرين من معسكر الاعتدال. وثانيهم مصر، التي تبدو كأنها عشية مخاض كبير. وثالثهم الأردن، الذي تفقده التطورات المتسارعة المزيد من عناصر استقراره السابقة.
في المقابل، ستسعى أطراف محور الممانعة لتثبيت مكاسبها، التي ستبقى عرضة للتبديد، إذا عجزت عن طرح بدائل جدية للمشروع الأميركي ـــ الإسرائيلي المأزوم، أو إذا فرّطت بها على موائد المساومات، كما سبق أن حصل مراراً في تاريخ المنطقة.
في مختلف الأحوال، سيبقى السؤال مطروحاً عن قدرة التيار الوطني الديموقراطي في المنطقة، على الاستفادة من مراوحة المشروع الامبريالي المعادي، وثغرات المشروع الممانع وماضويته، للعودة إلى مسرح الفعل السياسي المؤثر، عبر دفع البديل المناسب للمرحلة الراهنة؟
فهناك فرصة موضوعية لنهوض مشروع مغاير ومتقدم كمنافس جدي للمشروعين المتصارعين حالياً في المنطقة وعليها. فعلى النجاح المتجدّد لهذا التيار، يتوقف أفق خروج المنطقة من دوامة الحروب القبلية والعشائرية والمذهبية والطبقية ومتاهتها، التي زجها فيها الأميركيون والصهاينة وحلفاؤهم، ويعجز أخصامهم الراهنون عن طرح المخرج المناسب منها، بل يساهمون أحياناً في مفاقمتها، ممّا يسمح للتحالف المعادي بالاستمرار في إدارة صراعات المنطقة رغم مصاعبه.
إنّ توازنات المنطقة عشية الانتخابات الأميركية، مؤقتة بطبيعتها، رغم القدرة الراهنة للأطراف المستفيدة منها. أما القوى التي ستأتي للمنطقة بحريتها ووحدتها وحداثتها وديموقراطيتها، فما زالت تنتظر التاريخ، والتاريخ ينتظرها.
* عضو المجلس الوطني للحزب الشيوعي اللبناني