يقول عالم النفس اريك فروم: «المتمرد هو الشخص الذي يواجه السلطات القائمة لكنه يتمنى ان يصبح هو نفسه سلطة، يخضع لها الآخرون، دون ان يتخلى عن احترامه للسلطة (كمفهوم). إن تمرده يتجه أساساً نحو السلطة لكنه ايجابي تجاه تلك التي يختارها بنفسه، خصوصاً عندما يصبح احد اعضائها. في المقابل إن الثوري بالمعنى السيكولوجي للكلمة هو الشخص الذي تخطى تجاذبه تجاه السلطة لأنه تحرر ذاتياً من ارتباطه بها ومن رغبته في السيطرة على الاخرين. انه يحقق هكذا، الاستقلال الحقيقي ويتجاوز عطشه للسيطرة على الآخرين».


نحن نعيش في عصر سيطر فيه النظام الرأسمالي على معظم الكرة الارضية، وحالياً يعيش هذا النظام ازمته، فهو عاجز عن تسيير القوى المنتجة وخلق وظائف تتلاءم مع نمو المجتمع. وقد اصبحت الحلول الموقتة، كتوزيع الطبقة العاملة بين البلدان عبر الهجرة وتسهيل القروض الشخصية والاستهلاكية وغيرها من الحلول، عاجزة عن ردم الخلل في النظام حيث تتزايد أعداد الناس الذين يعيشون في الفقر والبطالة والخوف واليأس ويتزايد الأغنياء غنى، حيث وصلنا اليوم الى ان 85 مليارديراً يملكون ثروة توازي ما يمتلكه نصف سكان الأرض.

بعد انتهاء حربي أفغانستان والعراق، أصبح الإرهاب واقعاً مكرّساً في كل بلدان العالم

لنعد قليلاً الى ما قبل أحداث 11 ايلول لإلقاء نظرة على المجتمع الغربي حينها. ففي هذا المجتمع، وكنتيجة لثورة الإنترنت، تشكل الشباب الأوروبي والأميركي في تجمعات استوعبت الجيل الصاعد ما بعد سقوط الشيوعية، وكانت هذه التجمعات خارج اطر وسيطرة الأحزاب التقليدية، يمينية كانت او يسارية، والنظم التي سمحت بفرض السلطة.
وقد نشأت نتيجة هذه التجمعات حركة سياسية تجّلت في التظاهرات الضخمة التي كانت تجرى ضد منظمة التجارة العالمية والتي كانت ترافق هذه المنظمة في اي بلد اجرت فيها اجتماعها. تفجرت هذه التظاهرات في قلب الولايات المتحدة، (سياتل عام 1999) وأدت الى إلغاء القمة، وتقديم رئيس البنك الدولي استقالته بعد المؤتمر مباشرة. ولكنها لم تأت من فراغ، بل كانت نتيجة التراكم الكمي الذي حصل على صعيد النشاط السياسي كنتيجة للثورة التكنولوجية، وكانت تضم بالإضافة للشباب الاميركي، مختلف الأطياف والفئات من باقي دول العالم، بخاصة الأوروبية، بدءاً بالمستقلين من اليسار المتطرف (القمصان البيض) وصولاً الى الكاثوليك من اصحاب تجربة العمل التطوعي. وقد كتبت «نيويورك تايمز» آنذاك: «هناك قوتان كونيتان، الولايات المتحدة الأميركية، والرأي العام العالمي».
وكانت أحداث جنوى دليلاً على عمق هذه الحركة التي هددت النظام العالمي. ففي تموز 2001، انطلقت حركة مناهضة العولمة من جنوى لتهاجم قمة الثماني عبر التظاهرات المستمرة ولتخلق تجمع جديد للقوى السياسية والاجتماعية. مثلت احداث جنوى صدمة كبيرة حيث وللمرة الاولى في تاريخ ايطاليا تتصرف الشرطة من دون ضوابط وتلجأ الى تقنيات «الحرب الخفيفة الحدة» والقريبة من تلك التي تستخدمها اسرائيل احياناً في فلسطين. فقد قُتل كارلو جولياني احد الشبان المتظاهرين بطلقة نارية في الوجه على يد شرطي في مثل سنه. بعد مرور 24 ساعة، قامت ليلاً مجموعة من رجال الشرطة المهتاجين بالتعرض بوحشية لحوالى مئة متظاهر اثناء رقادهم وأوقعت جرحى في صفوفهم...
وللتذكير فهذه الأحداث جرت في ايطاليا، احدى دول الاتحاد الاوروبي، وقد فضح صمت النواب في البرلمان، معارضة كانوا ام موالاة، والأحزاب التقليدية، يسارية ام يمينية، امام هذه الجريمة والسلوك العسكري للسلطة ضد المجتمع المدني، مدى تواطؤ كل الطبقة السياسية التقليدية وتعاونها على انتاج النظام وتقاسم السلطة.
تميزت هذه الحركة السياسية التي تشكلت في العالم الغربي بانها عابرة للحدود، فهي منتشرة في كل بلدان اوروبا والأميركيتين دون الحاجة للأطر التقليدية الحديدية، وهي نتيجة حضارة هذا العصر ومفاهيمه عن العولمة والشركات العابرة للقارات والمتعددة الجنسيات. هذه الحركة الجنينية والتي لم تأخذ حقها بالنضوج، كانت تشكل المعارضة الطبيعية والثورة الحقيقية على كل مفاهيم الرأسمالية في ختام القرن العشرين. فشعاراتها كانت واضحة: رفض نمط الحياة الرأسمالي القائم على طحن البشر في سبيل زيادة الرأسمال، وهي كانت التطور الطبيعي لهذا النظام، والوعي القادر على انتاج السلطة البديلة وتسلم الحكم لتوليد حضارة القرن الواحد والعشرين، حضارة مبنية على التحرر الفردي من نير الجماعة، في سبيل الارتقاء لا الفوضى.
ثم وقعت أحداث 11 ايلول وشنت اميركا حربها على الارهاب. ولكن الحقيقة انه بعد انتهاء الحرب وانسحاب الجيوش الأميركية من افغانستان والعراق اصبح الارهاب واقعاً مكرساً في كل بلدان العالم وتزايد بدل ان يختفي. تنفق الولايات المتحدة وحدها حوالى 640 مليار دولار سنوياً على التسلح، وهذا الانفاق، اذا اضيف له ما تنفقه باقي الدول، يسمح للنظام الرأسمالي بتجديد نفسه وفرض سلطته على الشعوب التي يتم حرمانها من هذه الأموال الضخمة لتطوير ظروفها الحياتية. وهذا النظام يحتاج دائماً الى حروب كي يهرب من أزمته الداخلية ويعيد رسم التاريخ بالشكل الذي يخدم مصالحه. وهنا يأتي دور «الجهاد الاسلامي» الذي يقوي هذا النظام ولا يضعفه. فهو يقوم اولاً بتشويش الشعوب وابعادها عن قضاياها ومصالحها الخاصة فيشتت وعيها ويحول غضبها وحربها ضد طبقة اصحاب البنوك التي تتحكم بالعالم، الى حرب ضد عدو مجهول هو الإسلام يؤدي في نهاية الامر الى تقسيم الطبقات الفقيرة وادخالها في كراهية وحروب ضد بعضها، ما يسمح للنظام بالنمو بهدوء وتجدده مع الاجيال. كما تسمح هذه الحرب بإعادة تضخم موازنة العسكر والشرطة وحركة التسلح بعد ان انخفضت ميزانيتها بفعل سقوط الاتحاد السوفياتي. وهكذا يستفيد النظام بمجمله من وجود هذا العدو الإرهابي امامه وهذا لا يعني ان هذا الوحش الإرهابي هو وحش خيالي، بل هو موجود، تغذيه اجهزة المخابرات منذ سنوات لوجستياً ومادياً عبر الآف الدعاة المدعومين والذين لا دور لهم سوى خلق هذه المفاهيم المشوهة. وعبر قنوات فضائية تخصصت في هذا الخطاب، وعبر القضاء على اي خطاب بديل او امل للشعوب حيث اصبح اليسار واليمين موظفان أمينان على انتاج النظام والحفاظ على مصالح الطبقة الحاكمة. وعبر الإعلام الذي يخضع للنظام بكل امانة، والذي يساعد في غسل عقول المشاهدين عبر تضخيم هذا الخطر الإرهابي وتكرار الرسائل على مسمع الجمهور حتى تصبح حقائق غير قابلة للنقاش. ما يسمح للنظام في نهاية الأمر فرض قوانين داخلية تحت حجة مكافحة الإرهاب تسمح له بإخضاع المجتمع بكامل فئاته الى ان يصل الى يوم تصبح المطالبة فيه بتحسين ظروف العمل او مستوى الاجور نوعاً من التواطؤ مع «العدو» يجب قمعه.
إن طبيعة الجهاد الإسلامي مثالية لكي تكون العدو بالنسبة للنظام الرأسمالي، فهذا الجهاد لا يسمح بتطوير وعي الشعوب للنضال في سبيل قضاياها بل على العكس، ينشر الكراهية والفرقة بين مختلف فئات المجتمع ويستعمل العنف كوسيلة للخلاص الفردي في نهاية الامر دون اي ابعاد اجتماعية. وقد شرح لينين في كتابه حول المسألة الكولونيالية هذا الموضوع حين اشار الى ضرورة مقاومة التيارات الإسلامية في الدول المتخلفة» كونها تسعى إلى الالتحاق بحركات التحرر ضد الإمبريالية الأوروبية والأميركية في سبيل تقوية حكم اصحاب الأراضي والملالي وغيرهم». اي انها تسعى لإعادة انتاج النظام الرأسمالي لكن تحت سلطة جديدة ما ينقل الشعوب من عبودية الى عبودية اسوأ. والأحداث الحالية اثبتت صحة وجهة نظر لينين الذي عالج هذه المسألة في القرن التاسع عشر، إذ ان هذا الواقع المستجد اليوم ليس جديداً ابداً بل تم نفض الغبار عنه فقط. وسيتم استخدامه الى اقصى حدود الاستفادة من جميع الأنظمة الموجودة على الأرض. وقد نسمع غداً بخبر تمدد داعش الى الصين في حال تباطأ النمو الاقتصادي الصيني وتراجعت عجلة الانتاج مما سيدخل النظام هناك في ازمة.
كما لو ان يهوذا وقف قرب الصليب تضامناً مع المسيح، وعقد مؤتمراً صحافياً دعيت اليه كل وسائل الاعلام ثم نال المجد والتعاطف كله، دون ان ينزع اي مسمار من جسد المخلص. هكذا كان مشهد التظاهرة التي تصدرها زعماء الدول في فرنسا متضامنين ضد الإرهاب، حيث اصبح الزعماء هم القضية والنظام هو الحقيقة. ولم يبق للشعوب الا ان تدعم انظمتها وتساعدها في تخطي ازماتها كما يتضامن العجل مع ذابحيه ويخفف من آلامهم.
* كاتب لبناني