إن لَم تكن فلسطين هي بؤرة الأممية القادمة، فسيكون هناك مشكلة في التاريخ. فالمشهد الذي أراه أمامي ليس مشهداً عابراً. هذه المستعمرة، على مقربة مئات الأمتار من تلك القرية، لا حواجز، ولا رشاشات مدفعية، ولا بنادق جاهزة للإطلاق، ولا شيء يفصل بينهما سوى الأرض. كيف يكون هذا؟ هناك الحواجز التي لا نراها، تلك الحواجز التي تبنى في داخل الإنسان، تقيّده، وتحوّله من إنسان فلسطيني إلى إنسان فلسطيني آخر، يعمل ويكسب قوت يومه، وفقط لا شيء آخر.


وهو بين إيمانه بالمقاومة، وبين محاولة إقناعه لنفسه بجبروت السلطة الفلسطينيَّة التي يعترف بينه وبين نفسه بعمالتها وخيانتها لنفسه، يجعل من هذه المحاولة للإقناع وسيلةٍ لدفع الأذى عنه، ووسيلة أخرى لدفع الشعور بالذنب عن أنه ليس مقاوماً، أو لا يفكر في المقاومة، أو لا يقوم بأي فعل تجاه هذه المستعمرة أو تلك. كل شيءٍ في داخل النفس الفلسطينيَّة معروف، معترف به، واضح كعين الديك. من هو الخائن؟ ومن هو المقاوم؟ من هو البائع؟ ومن هو الشاري؟ ومن هو العاجز ومن هو غير العاجز؟ ولكنّ شيئاً واحداً يجعل من كل هذه الإجابات قابعاً في النفس الفلسطينيَّة، شيءٌ ما قد نسمّيه الخوف، وقد نسمّيه الجبن، وقد نسمّيه اللامبالاة وقد نسمّيه أي شيء آخر.
وربما يكون هذا الشيء هو قوَّة الإجبار التي تُمارسها السلطة الفلسطينيَّة على الفلسطيني، بوسائل الحياة اليومية، أو بوسائل الحياة الاقتصادية. هذه القوة، والإجبار الناتج منها، هي ما يمكن وصفه بالانتصار المؤقت للسلطة الفلسطينيَّة على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، الذي ينظر إليه آخرون في قطاع غزة، مترددين بقبول النموذج أو برفضه، لأن الرهان ليس رهاناً على الحاضر، بل هو رهانٌ على المستقبل، على نجاح تجربة قوة الإجبار لتصل إلى خلق مجتمع فلسطيني بديل، يُؤمن في داخله أو في حركته الآلية اليومية، بطرق السلام وبطرق العدالة الدولية عن طريق المحكمة الدولية وقوانينها وكل الاشكال التي أسّسها النظام الغربي ليحكم سيطرته على العالم تحت إطار قانوني. ويكون هذا المجتمع مجتمعاً بديلاً لمجتمع صنعته الهوية الفلسطينية، وصنعته الحقوق التاريخيَّة للشعب الفلسطيني، وهو المجتمع المقاوم، والشعب الفلسطيني الذي يعتقد فقط وفقط بالمقاومة. لقد مَضت عشر سنين تقريباً على انقضاء الانتفاضة الثانية، ونحن نَرى السيطرة المؤقته للسلطة الفلسطينيَّة، تدشِّن أعلى البنايات في رام الله وغيرها من الماركات الدولية والطرق الرأسمالية في رَسملة الفلسطينيين في الضفة الغربية. هل تشكل سيطرة على الشعب الفلسطيني فقط؟ أي، هل هي سيطرة فقط؟ لا، بل هي نفي للحقوق الفلسطينية. هذا في جوهره اعتداء على القضية الفلسطينيَّة، استمرَّ الآن أكثر من عشرين عاماً، اعتداء على الجوهر، وهو مخالفة تاريخيَّة لطبيعة الحق الفلسطيني من حيثُ هو حقٌ في الوجود وصراعٌ وجودي مع الاستعمار الصهيوني الذي هو بدوره وجهٌ آخر من وجوه الرأسمالية العالمية، وربما يكون درَّة تاجها "بل هو درة تاجها فعلاً"، كما كانت الهند درة التاج البريطاني الاستعماري. ولهذا الاعتداء الذي تُمارسه السلطة الفلسطينيَّة من خلال أوسلو وتبعاتها، أيضاً كما الاستعمار الصهيوني، ردٌ عليه. من الأكثر صحة القول اليوم إنَّ كل فعل مقاوم ليسَ موجهاً للاستعمار الصهيوني فقط وإن كان كذلك، بَل هو من حيثُ هو فعلٌ مقاوم، إنَّما هو ردٌ على وجود السلطة الفلسطينيَّة من حيثُ هي مشروع استسلامي أولاً، ومخالفة تاريخيَّة لطبيعة الحق الفلسطيني الذي يُمارس نفسه من خلال الفعل المقاوم ثانياً. ولكن هذا الفعل المقاوم، وفي هذا الإطار، فإنَّ كل الاعتداءات التي مارستها السلطة الفلسطينيَّة بحق القضية الفلسطينيَّة من خلال أجهزتها الأمنية في ملاحقة المقاومين وقتل الفعل المقاوم في الضفة الغربية ومعاونة الاستعمار الصهيوني في قطاع غزة سابقاً وفي الضفة الغربية حتى اليوم، ومن خلال أجهزتها السياسية التي كرَّست فلسطين في العقل الدولي كحالة دولة تحت احتلال في الضفة الغربية فقط، وليس شعباً تحت الاستعمار الصهيوني وحقه هو الأرض كلَّها وليس نطفةً منها، وهي بذلك، وحتى في داخل هذا السياق الاستسلامي أيضاً، اقترفت ما اقترفت من تفريط في الحقوق الإنسانية بحادثتها الشهيرة في تخليها عن تقرير غولدستون وغيره من التقارير لحماية قادة الاحتلال. كل هذه الاعتداءات التي لا تقل أهميةً عن الاعتداء الأوَّل منذ عام 1917، وهو اعتداء وعد بلفور، ومن ثمَّ الاعتداء الثاني مع الاستعمار الصهيوني بذروته في عام 1948، وكان الاعتداء الثالث وهو اعتداء أوسلو عام 1993، إن لهذه الاعتداءات الثلاثة قيمةً ووزناً واحداً، فهي تأتي في سياق مشروع استعماري واحد، وكل واحدٍ منها أكمل أو يكمل الآخر ويساعد في تثبيته وتنويع وسائله في البقاء. ولذا، ومن هذا المنطق، فالسلطة الفلسطينيَّة اليوم مطالبة إما باعتقال الشعب الفلسطيني كله، لأنَّها ستكون على موعد الرد في الزمان والمكان المناسبين من قبل هذا الشعب، وهي تعلم تماماً ما الذي يعنيه هذا، والحادثة الأشهر قبل أشهر قليلة، كانت في توجه الشباب الفلسطيني بعد دخول الجيش الصهيوني إلى رام الله، في توجههم إلى مقر الشرطة الفلسطينية على دوار المنارة، حيثُ لم يكن هنالك أي فرق بين هذا وذاك من حيثُ الوظيفة وتوابعها، وليس هذا وفقط، بل استطاع الشباب الفلسطيني بالوعي العفوي أن يعرفوا أن تلك المظاهر في الشوارع تترافق ووجود مقر الشرطة، فكان تدمير الشوارع المُرَسملة - التي تزين الدور الرأسمالي - وحتى تحطيم بعض الأبواق الدعائية من صور وآرمات، كان هذا كله أيضاً جزءاً من الرد في المكان والزمان المناسبين، وهنا نتساءل " هل هي رد أم هي تعبير عن حالة الاغتراب وفقدان السيطرة وبالتالي تحولها إلى العنف؟ وفي تلك الفترة، كان هنالك آرمة دعائية كبيرة مقابل جامعة بيرزيت في رام الله، وقد كُتبت عليها عبارات الوعيد بالثأر للشهداء واستنكار البنوك - كانت الدعاية لأحد البنوك - وفي الطريق المؤدي إلى بيرزيت كُتبت على بعض الدعايات الأخرى عبارات من النوع نفسه، ومع صورٍ للشهداء. إن هذه المظاهر تدلُّ على أنَّ الاعتداء من قبل السلطة والنخبة الاقتصادية الحاصل منذ عشرين عاماً بحق القضية الفلسطينيَّة، هو اعتداءٌ مفضوح، وأن الشباب الفلسطيني قادر على معرفة الهدف، وهو هدفٌ مشروعٌ، وهو الأكثر شرعيةً في هذه المرحلة وفي غيرها من المراحل، وهناك العديد من الأسماء اللامعة في عالم اقتصاد الضفة الغربية، التي تعرفُ أنَّها لا تستطيع المشي من دون شركةِ حراسةٍ أمنيَّة في عبورها لأحد الشوارع، وهي قد بنت تلك الشركات مع بنيانها لأعمالها، لأن المنطق الرأسمالي هو ذاته في كل مكان، يعرفُ أنه مكروه وأنَّه ينمو بالإكراه وبالقوة، ولذلك سيجابه بالقوة أيضاً. استعمار العقل بواسطة الدولة ودَولة الاستعمار هذا الوعي العام، هذه الحقائق التي تفرضُ نفسها على الأرض، تجعل النقاشات التي تدار حول "توافه الاعترافات الدولية" وغيرها، نقاشات بلا منطق، وبلا ضرورة، ويجب الانتباه إلى هذه النقاشات بوصفها جزءاً من قدرة السلطة الفلسطينيَّة على جرّ النقاش العام إلى السياق الذي تحبه السلطة، وهو سياق بناء الدولة، أي بناء المجتمع البديل الذي تحدثت عنه سابقاً، ولذا، فقد يكون من الأفضل اليوم أن نسمي عملية بناء الدول هذه المستمرة منذ عشرين عاماً حتى اليوم، بالعملية التطبيعية الأهم والأكثر وضوحاً، والتي يجب إدراجها في سياق المقاطعة الأكثر أهمية أيضاً. فالمسألة مسألة حق، إمَّا أن ننطلق من جوهر الحق الفلسطيني في السياق الاستعماري، أو نساق إلى نقاشات وهمية لا نهاية لها حول أهمية الاعتراف أو عدم الأهمية، وبين الاثنين فارقُ تطبيع الاستعمار الصهيوني، ومن هنا تجب مقاطعة هذا التطبيع وتسمية الأشياء بمسمياتها، وهذا الحديث كله يقودنا إلى إطلاق وصفٍ آخر على هذه العملية القائمة منذُ عشرين عاماً، وهي الطَريقة ذاتها التي أوجدت بها الدَولة الصهيونية، فكانت الدَولة الصهيونيَّة هي وليدة مرحلة طويلة من الاستعمار الأوروبي لمنطقة الشرق الأوسط تحديداً، وكانت وما زالت إحدى أدوات الاستعمار في مدّ يده الطويلة إلى الشَرق، إلى الشَرق العربي من هذا الشرق، وإلى الشرق الأفريقي في حالاتٍ أخرى، وما بين التأسيس والحاضر، انتقلت إسرائيل من كونها استعمار الدَولة، أي جعل الدَولة إحدى أدوات الاستعمار، إلى دَولة استعمارية، والمشهدُ يكرر نفسه اليَوم. فمنذ نشأة أوسلو، كانت السُلطة هي استعمارُ الحكم الذاتي، ولتدشين هذا الاستعمار أكثر تنقلنا المفاهيم المُراد لنا التعامل معها من سلطة الحكم الذاتي إلى الدولة الفلسطينيَّة، وهناك نصبح أمام استعمار العقل الفلسطيني بواسطة الدَولة الفلسطينيَّة الأداة في يد الاستعمار والرأسمالية المحلية المتمثلة في الكمبرادور والبرجوازية البيروقراطية والعالمية، وما بين استعمارِ العقل، بواسطة الدولة الفلسطينيَّة، ودولة الاستعمار الصهيوني، هُناك المقاومة.

* باحث فلسطيني