العودة الى العلاّمة ابن خلدون أمر ضروري ومفيد إذ انه يساعدنا دائما وأبدا على فهم القضايا التي نواجهها في مختلف الحقب والعصور. وقد يكون صاحب «المقدّمة» من أكثر المفكّرين العرب القدماء حضورا في واقعنا المعاصر، ومن أشدّهم ارتباطا به، وفهما لخفاياه، وإدراكا لتضاريسه، وتفاصيله. وأظنّ أن النظم السياسيّة، الجمهوريّة منها والملكيّة، والعلاقات الاجتماعيّة، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، والجماهير بالنّخب، وكلّ هذه القضايا وغيرها لا يمكن أن تفهم فهماً صحيحاً في عالمنا العربي راهنا إلاّ بالعودة إلى أطروحات ابن خلدون في «مقدّمته» الشهيرة؛


فمثلا، بإمكاننا أن نتلمّس من خلال الفصل الرابع والعشرين الذي حمل عنوان «في أن الأمّة إذا غُلبت وصارت في مُلك غيرها أسْرَع إليها الفناء»، الأسباب التي أدّت بالعرب إلى مثل هذه الحالة الفظيعة من الضّعف والهوان حتى انهم باتوا عاجزين عن «المدافعة عن أنفسهم»، و»مُغلبين لكلّ مُتغلبّ»، و»طُعمة لكلّ آكل». وأمّا الفصل السّادس من الباب الثّالث، الذي حمل عنوان: ”في أنّ الدّعوة الدينيّة من غير العصبيّة لن تتمّ»، فإنه بإمكاننا أن نتفهّم الكثير من الجوانب المتّصلة بالحركات الأصوليّة المتطرّفة التي تنشط الآن في العالم العربي، والبعض منها استلم السّلطة مثلما هو الحال في البعض من بلدان ما سمّي "الربيع العربي».
وكما هو معلوم، فإنّ زعماء هذه الحركات ومنظّريها قد نصّبوا أنفسهم منذ البداية «حماة الإسلام في جوهره الصّحيح»... واعتماداً على ذلك ارتكبوا، ويرتكبون جرائم شنيعة وفظيعة، مبيحين القتل والذّبح، والتّمثيل بالأجساد، وهدر الممتلكات العامّة والخاصّة، وخطف الأبرياء للمطالبة بالفدية، واستباحة الأضرحة والمقابر مثلما حدث ويحدث في أكثر من بلد عربي واسلاميّ. وفي الفصل المذكور، يتحدّث ابن خلدون عن «المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدّين». وهم لا يكادون يختلفون في شيء عن زعماء وأنصار الحركات الأصوليّة في أيّامنا هذه. ومثلهم هم يستغلّون الأوضاع السيّئة التي تعيشها شعوبهم على جميع المستويات، والمظالم المسلّطة عليهم، ليخرجوا للناس داعين إلى «تغيير المنكر»، و»النّهي عنه”. ويدعون إلى “الأمر بالمعروف رجاء في الثّواب عليهم من اللّه”. وسرعان ما يجد خطابهم هذا صدى لدى من يسمّيهم ابن خلدون بـ»الغوغاء والدّهماء» فيكثر أنصارهم. غير أنهم سرعان ما يتنكّرون لما أعلنوا عنه في بداية ظهورهم. وغالبا ما تكون دعوتهم وسيلة لزرع الفتنة بين الناس، ونشر الفوضى «المهلكة للبشر، المفسدة للعمران»، ذلك أن هدفهم بحسب ابن خلدون هو «الرئاسة»، لا العدل والخير كما هم أشاعوا وأفشوا في بداية أمرهم.
وينتقد ابن خلدون هؤلاء «المنتحلين للعبادة» بشدّة، داعيا عليهم بالهلاك، راجياً أن تعوقهم العوائق لأن أمر اللّه «لا يتمّ إلاّ برضاه وإعانته والإخلاص له والنّصيحة للمسلمين». ويرى ابن خلدون أن أكثر المنتحلين لمثل هذا الأمر تجدهم «مُوَسوسين أو مجانين، أو متلبّسين»، راغبين في الاستيلاء على السلطة. وحينما يعجزون عن ذلك، يعدو خطابهم عنيفا ومتشدّدا، ويستبدّ بهم الغضب فيحرّضون أنصارهم على القتل والتّخريب، ونهب ممتلكات الناس، وسرقة أموالهم، واغتصاب نسائهم، لكن في النهاية «يسرع إليهم القتل بما يحدثونه من الفتنة، وتسوء عاقبة مكرهم»، ومشيرا إلى أن هؤلاء المنتحلين للعبادة مجرّد «مرضى»، يقترح ابن خلدون بعض الطرق لمواجهتهم؛ أولى هذه الطرق «المداواة» إن كانوا من أهل الجنون، أو «التّنكيل بالضّرب والقتل» إن هم أحدثوا هرجا، أو «إذاعة السّخرية منهم، وعدّهم من جملة الصّقّاعين». وأعتقد أن جلّ زعماء الحركات الأصوليّة في زمننا الراهن هم في الحقيقة نسخ طبق الأصل لـ»المنتحلين للعبادة»، الذين تحدّث عنهم ابن خلدون . فهم يعلنون في بداية ظهورهم الثورة على الأنظمة القائمة بدعوى مساندة المقهورين والمظلومين، لكن حالما يحصلون على الزعامة والسلطة ينقلبون على مبادئهم السامية، وعلى أهدافهم النبيلة التي تستّروا وراءها قبل ذلك، ليتحوّلوا بدورهم الى طغاة ينكّلون بشعوبهم، وبكل المعارضين لهم، مثبتين بذلك أن خطابهم «الطّهراني» الذي مكّنهم من الوصول الى كرسيّ السلطة لم يكن في الحقيقة غير وسيلة لإرضاء نفوسهم المريضة بالحقد والضغينة والغرور، والرغبة في الانتقام من خصومهم!
* كاتب تونسي