«قوة الجديد من أركان حركة التاريخ»
(هادي العلوي، «شخصيات غير قلقة في الإسلام»)
«من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف لم يدرك الفتح»
(من خطاب الإمام الحسين لبني هاشم)


عن الطور الخامس من «أطوار الدولة واختلاف أحوالها وخلق أهلها» يقول إبن خلدون، مؤسس علم الاجتماع في المقدمة التأسيسية لعلم التاريخ: «وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه ولا يكون لها معه برء إلى أن تنقرض» (المقدمة: ص:٩٢).
في هذه العبارة سيجد القارئ التعبير الأوضح والأدق عن جدلية التاريخ التي عرفها ثاني عباقرة العرب (الأول هو أبو العلاء المعري بحسب تصنيف طه حسين) ابن خلدون المؤرخ جيداً، وجهلها ولا يزال كما يبدو الكثيرون. هي، هي، جدلية أفول القديم وصعود الجديد، صيرورة «الإقبال والإدبار»، كما سماها هادي العلوي، ولهذا اعتبر أنها الفكرة التي تقف وراء مفهوم «الدولة» عند العرب، باعتبار أنها «كيان غير دائم، بل متداول بين الناس» (شخصيات غير قلقة في الإسلام، ص:١٧).

وبعد أكثر من ستمئة عام على رحيل المؤرخ القادم من إشبيلية الساحرة يبدو المشهد في منطقتنا، وتحديداً الصراع العربي ـ الصهيوني في بداية عام ٢٠١٥ نموذجاً مثالياً لجدلية التاريخ التي بعثت إمبراطوريات ودول وأسقطتها. فالكيان الصهيوني يشيخ، يأفل، يدبر، فيما المقاومة، ورأس حربتها حزب الله تحديداً، فتية، صاعدة، ومقبلة.

من روما إلى أميركا: Empires With End

في حوار جوبيتر مع فينوس، كما جاء في الإلياذة، يكشف ملك الآلهة وأعظمها ما يحمله المستقبل للطرواديين. يقول جوبيتر مطمئناً فينوس: رومولوس، حفيد إينياس سيبني روما مع شقيقه التوأم روموس، وباسمه هو سيسمى شعبه، الرومان. وإمبراطورية الرومان هذه، وعد ملك الآلهة جوبيتر بكل حزم، كما تروي الاسطورة، لن تكون لها حدود، لا في الزمان ولا في المكان. هذه الإمبراطورية ستبقى للأبد (الإنياذة، الكتاب الأول: ٣٧١ ـ ٣٧٥) .

لم يستطع الكيان إحباط
عملية توقعها وتخيلها ومثلها حتى في أعلى حالات الاستنفار


وصلنا إلى الزمن الذي أصبح
فيه الكيان يناشد المجتمع الدولي للتدخل عند حزب الله

لهذا، إذا كنت قد قرأت ابن خلدون قبل فيرجيل، فعليك حتماً أن تبتسم لحكم التاريخ كما جاء في المقدمة الفذة منذ قراءة الكتاب الأول للإنياذة. ففي قصة تأسيس روما، كما رواها فيرجيل، ما يلفت كثيراً عن جدلية الصعود والأفول. فحتى ملكة الآلهة، جونو، التي كانت تكره الطرواديين بشدة بسبب «حكم باريس» الشهير (فضل باريس الطروادي الآلهة فينوس على جونو كأجمل الآلهة) وبسبب حبها لقرطاج التي قالت النبوئة حينها انها ستدمر على أيدي أحفاد الطرواديين، لم تستطع (حتى ملكة الآلهة) منع أحفاد إينياس من تأسيس روما وبناء إمبراطوريتهم العظيمة. أما نهاية روما، كما نعرفها، فتقول الكثير أيضاً عن عجز، جوبيتر، ملك الآلهة وأعظمها، عن حماية روما والحيلولة دون سقطوها والوفاء بوعده أن تبقى روما للأبد. ليس غريباً إذن أن يظن أهل روما أن إمبراطوريتهم باقية للأبد، وأن يؤمنوا فعلاً أنها ستظل تتوسع بلا حدود، «Imprium Sine Fine»، كما جاء في الشعار اللاتيني لتلك الإمبراطورية، أو ”Empire Without End“.
لكن الغريب، واللا تاريخي، أن نقرأ ما نشره ويليام كريستول وروبرت كاغان وديك تشيني ورفاقهم من عصابة المحافظين الجدد في نهاية القرن العشرين، في الثالث من حزيران ١٩٩٧، في وثيقتهم الشهيرة «بيان المبادئ»، أو ما عرف لاحقاً بـ «مشروع لقرن أميركي جديد». هؤلاء، كما يبدو، أيضاً ظنوا أن إمبراطوريتهم بلا نهاية وبلا حدود وأنها ستكسر منطق التاريخ وتعاند طبيعة الأشياء وستبقى للأبد. كانوا يفكرون بمنطق الأساطير والنبوءات والعرافين، لا بمنطق السياسة والتاريخ، حين صاغوا تلك الوثيقة الغبية. فاتهم انه قبل بيانهم بخمسة عشر قرناً بالضبط، كان ألاريك، ملك القوطيين الغربيين، يقف مع جنوده على أبواب روما المحاصرة التي وعد ملك الآلهة أنها ستبقى للأبد. لكن روما سقطت. كان ذلك في ٢٤ كانون الأول/ديسمبر عام ٤٠٨ ميلادية وبدأ معها سقوط واحدة من أعظم إمبراطوريات التاريخ بأيدي من كانوا قبلها بسنوات قليلة فقط مجرد لاجئين ضعفاء لم يجرؤوا حتى على قطع الدانوب لينجوا بحياتهم هرباً من أعدائهم من دون إذن من حكام روما المتجبرين.
وفي القرن السادس الميلادي، بعد مئتي عام على تأسيس القسطنطينية، حين كانت الإمبراطورية تبدو فتية، قبل أن يأكلها العفن وتنخرها الشيخوخة، كان سهلاً لمن يجوب الإمبراطورية أن يصدق أنها فعلا إمبراطورية بلا حدود وأنها مثل توأمها الغربي ستدوم إلى الأبد. هذا ما آمن به تاجر مصري يسمى ”كوسماس“ روى شهادته مكسيم رودنسون في «محمد نبي الإسلام». كوسماس هذا، يخبرنا رودنسون، كان تاجراً كثير السفر وأصبح راهباً حين تقدم به العمر. لكنه قدم شهادة مثيرة حول عظمة الإمبراطورية التي كان يجوبها. هذه الإمبراطورية، قال: «تتجاوز كل ما في الوجود من قوة، وستظل غير مقهورة حتى الإتمام النهائي»، مؤكداً في اقتباس من الكتاب المقدس (دانيال ٢: ٤٤) أن الرب وعد أنها «لن تتدمر إلى الأبد» (محمد نبي الإسلام، ص: ٢). ورغم أن الفصل الأول من رودنسون كان حول علاقة الإمبراطورية بالدين في العالم القديم، لكنه كان أساساً يؤرخ في هذا القسم للحظة التاريخية للعالم، لحالة العالم في القرن السادس الميلادي، من أجل تفسير صعود الإسلام، تفسير افول القديم وصعود الجديد، افول الإمبراطوريات الرومانية والفارسية وصعود الإمبراطورية العربية ـ الإسلامية. ليس اللافت في كل تلك الروايات وغيرها فقط تعفن القديم وشيخوخته التي يحجبها أحياناً بريق القوة والتقاليد والتاريخ فيخدع تاجراً مثل كوسماس، بل السرعة الهائلة والقوة الكبيرة التي يصعد بها الجديد.
ففي ذلك الوقت بالذات، في القرن السادس، زمن تعفن وشيخوخة وأفول الإمبراطوريات الكبرى، كان روزبة الأصفهاني، سلمان الفارسي كما يعرفه المسلمون، يشاهد جنود الإسلام الصاعد حينها يعبرون نهر دجلة على ظهور خيولهم، فعلق على هذا الاقتحام الصعب، كما نقل الطبري: «الإسلام جديد. ذللت والله لهم البحور كما ذلل لهم البر» (هادي العلوي، شخصيات غير قلقة في الإسلام، ص: ١٧). الإمبراطوريات العظيمة تصعد، تشيخ، تتعفن، ثم تسقط. الإمبراطورية الرومانية سقطت. الإمبراطورية الفارسية سقطت. غابت الشمس عن إمبراطورية الإنكليز رغم انتصارهم في الحربين العالميتين، ولو انفصلت اسكتلندا عنهم أخيراً لأصبحت حكومة جلالتها التي تحكم اليوم الدولة الـ ٨٠ من حيث الحجم في العالم تسيطر على منطقة أصغر من ولاية ألاباما الأميركية. الإمبراطورية الأميركية، الأعتى في التاريخ، أيضاً، دخلت مرحلة الافول الذي لا راد له، كما يؤكد الباحثون في شؤؤن الإمبراطورية وكما تشير كل مؤشرات ومقاييس القوة والهيمنة المعتمدة لدى أغلب الأكاديميين ولدى أجهزة الحكومة الأميركية نفسها (انظر فورين أفيرز، العدد الخاص، ١٩٧٩، أيضاً عدد سبتمبر/اكتوبر ٢٠١٢). وإذا كانت هذه كلمة التاريخ في الإمبراطوريات العظيمة فسؤال العرب الذي يجب أن تحدد جوابه استراتيجياتهم هو: أين الصهاينة وأين كيان الصهاينة الصغير، التافه بكل المقاييس التاريخية، وجيشه «الذي لا يقهر» من كل ذلك؟

القرن الصهيوني القصير: من عقيدة بن غوريون إلى خطة ميلونيت

بعد أكثر من ستين سنة تذكر خبراء شعب الله المختار أن بن غوريون، مؤلف العقيدة العسكرية (شفيهاً) في الخمسينيات من القرن الماضي، نسي تعريف مفهوم الردع، أهم أركان العقيدة الأمنية. وبعد ستين سنة اكتشف الصهاينة أن مفهوم الردع الذي بدا سهل الفهم ولا يحتاج لأكثر من «فطرة سليمة»، كما يقال، حين كان الكيان في حالة الصعود، أصبح اليوم يطرح أسئلة أكثر مما يوفر إجابات (انظر ياغيل هنكن، «ماذا لو لم يكن حزب الله مردوعاً؟»، مجلة دراسات استراتيجية. ديسمبر ٢٠١٤). لا يهم هنا معنى مفهوم الردع كثيراً، رغم أن دراسة هنكن مفيدة للقراءة والتعرف إلى طريقة تفكيرهم، لكن المهم هو ما خلف طرح هذه الفكرة للنقاش في هذه اللحظة من تاريخ المنطقة ومن تاريخ صراعنا معهم. فنقاش مفهوم يمثل أهم مركبات نظرية الأمن القومي، مفهوم كان يبدو أن إدراكه ومعناه سهلان وأمران مفروغ منهما إلى وقت قريب. هو بالحد الأدنى أحد مؤشرات أزمة جدية، إن لم نقل أنه مؤشر حقيقي للافول، ودليل دخول الكيان مرحلة التعفن والشيخوخة. لكن، بالتأكيد يمكننا القول إنه مؤشر افول وشيخوخة. أن يعزو بعض خبرائهم فشلهم في مواجهة حزب الله لغياب وضبابية التعريف الدقيق للمفاهيم، مع أن غياب التعريف وضبابيته لم يمنعا صعود الكيان حين كانت اللحظة التاريخية للعالم وللمنطقة مناسبة، حين كانت البيئة الاستراتيجية مواتية، وحين كانت الساعة الاستراتيجية تسير في مصلحتهم. لكن خبراء شعب الله المختار هذه الأيام يحاولون اجتراح نظريات جديدة تقزم تاريخ الإنسانية بتفسير سخيف من علم الدلالات وتستبدل موازين القوى بقوانين علم اللسانيات ليستنتجوا أن هزيمتهم سببها مجرد غياب تعريف واضح لمفهوم ـ حتى الأنظمة العربية في أوج هزيمتها لم تفعل ذلك.
لكن القصة لم تبدأ حقاً بتأديبهم في شبعا وعجزهم عن الرد (وهو عجز تصعب المبالغة في تقدير أهميته ومعانيه وتبعاته مهما قيل)، أو بأجواء التهديد المتبادل التي سبقت شبعا، أو ما كان الجميع يظنه حينها خطأ حالة ”ردع متبادل“ (هنكن يؤكد أن حزب الله، مثلاً، لم يكن مردوعاً، بل كان يجهز للمعركة فقط). ففي أعقاب حرب تموز حدث التراجع الكبير الذي غفل عنه المتابعون العرب وعباقرة التحليل الاستراتيجي الذين يستقون معلوماتهم من إعلام صهيوني دعائي. حينها، في أعقاب الحرب، تشكلت لجنة للنظر في العقيدة الأمنية برئاسة الوزير الليكودي دان ميريدور، الذي عمل مع الجيل الصهيوني الأول وتعلم منه، وأن تستدعي حرب تموز تشكيل لجنة بهذه المهمة بالذات، وهي غير لجنة فينوغراد، هو إقرار بهزيمة مرة واستشعار لخطر وجودي. توصيات اللجنة بدت بسيطة، لكنها كانت أعمق وأهم في معانيها وأبعادها حتى من الفكرة التي كانت خلف تشكيل اللجنة ذاتها. ميريدور ورفاقه أوصوا بإضافة عامل رابع للنظرية الأمنية الصهيونية. فإضافة إلى الردع، الإنذار المبكر، والتفوق العسكري، طالبوا بإضافة «مفهوم الدفاع». للمرة الاولى بدأ الصهاينة يدركون تقادم ما نظر له بن غوريون عن خوض المعركة في أرض العدو وأصبحوا يتخيلون كابوس انقلاب الطاولة. لهذا كان الصهاينة أول من صدق السيد نصرالله حين طرح في ١٦ شباط ٢٠١١ معادلة الجليل للمرة الاولى، بل ربما كانوا يتوقعونها. هنا كانت جذور خطة ميلونيت الدفاعية التي سنسمع عنها في نهاية ٢٠١٤ وتتمثل في إخلاء المستوطنات الحدودية استعداداً لخوض قسم من الحرب المقبلة في فلسطين. الكيان طرح مفهوم الدفاع للمرة الاولى وهو ما يناقض جوهر نظريتهم الأمنية جذرياً ـ ذهب بن غوريون، إذن، وذهبت نظرياته معه، كما “ذهب الحمار بأم عمرو“، كما يقول العرب، ”فلا رجعت ولا رجع الحمار“. هذا التراجع الجدي الأول.
بعدها توالت المؤتمرات والتوصيات، لكن لم يتنبه الكثيرون إلى ما يمكن أن يكون أهم ما جرى في كل مؤتمر هرتسليا الأخير للأمن القومي الصهيوني في حزيران ٢٠١٤ على الإطلاق ـ ربما لأن أوراق الحلقة المعنونة «من اجل إعادة صياغة نظرية الأمن القومي» نشرت بالعبرية فقط ولم تتم ترجمتها ـ لكن بعض الصحف العربية تصر على رجمنا كل يوم بما تجود به الصحافة الصهيونية من دعاية وتتجاهل دعوات الخبراء لـ «إعادة صياغة جذرية» لنظرية الأمن القومي الصهيوني، كما جاء في أهم دراسات المؤتمر (أليكس مينتز وشاؤول شاي، «الحاجة إلى إعادة صياغة نظرية الأمن القومي»). سبقت هذه الوثيقة حلقات دراسية عديدة قادها «الخبير» أليكس مينتز، مدير معهد السياسة والاستراتيجيا وشملت نقاش عشرة أوراق قدمت للمؤتمر وتوجت بتقرير شامل عرضه مينتز في المؤتمر مع شاؤول شاي في الثامن من حزيران ٢٠١٤، فيما عرض بعضها بشكل مستقل في اليوم التالي. هذه الدراسة ذهبت أبعد من توصيات لجنة ميريدور فأوصت بإضافة أربعة مفاهيم جديدة، وليس مفهوماً واحداً، هي «الوقائية»، «الاستباقية»، «التأقلم»، و «مركزية الولايات المتحدة».
ليس هناك جديد في المفهومين الأولين والكيان يمارسهما منذ البداية وهما متعلقان بما يعتقد الكيان أنه يشكل «تهديداً» كسلاح كاسر للتوازن، أو ما له علاقة بالسلاح غير التقليدي (قصف المفاعل النووي العراقي والسوري مثلاً). لكن المطروح اليوم هو اعتمادهما كسياستين واضحتين وبتعريف واضح حتى لا تتكرر مشكلة ضبابية مفهوم الردع. أما «التأقلم» و»مركزية الولايات المتحدة» فحظيا بنقاش مفصل أكثر وبأوراق مستقلة. والتأقلم هو مفهوم هدفه وضع اسس للتعامل مع التحولات الإقليمية الأخيرة التي صاحبت الانتفاضات العربية وتعاظم قوة المقاومة ويتمثل أساساً بتطوير «آليات تعليمية وأدوات لاتخاذ القرار هدفها التقليل من الأخطار» (أليكس مينتز وشاؤول شاي، «التأقلم كأحد مركبات نظرية الأمن القومي»). مقدمة هذه الفكرة جاءت في مؤتمر هرتسليا ٢٠١١ و ٢٠١٢ حيث شددت المقدمة التنفيذية للمؤتمر حينها على أن الاحداث في المنطقة تتحرك بأسرع مما يمكن لصانع القرار الإسرائيلي التعامل معها أو توقعها. لكن مفهوم التأقلم يشير إلى غياب الثقة وغياب قدرات الحسم في حالة مواجهة الأخطار المحتملة، ويعني أيضاً أن الكيان سيضطر للقبول بأي أمر واقع تخلقه الظروف والتعامل معه على قاعدة ”تقليل المخاطر“. إذن، دخل العدو مرحلة تبني سياسة تقليل المخاطر. هذا التراجع الجدي الثاني. أميركا والعلاقة معها كانت ربما أهم المحاور على الإطلاق (ناقشتها ورقة زلمان شوفال: ”العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية“ وتضمنتها الورقة الأمنية الرئيسية أيضاً). ليس جديداً طبعاً نقاش هذه الفكرة، وليس جديداً اعتبار أميركا ”أهم مركبات نظرية الأمن القومي“ كما جاء في هرتسليا ٢٠١١ـ ٢٠١٣. اللافت في وثيقة ٢٠١٤ هو النص الذي يحمل في طياته الكثيرمن القلق حد اعتبار وجود الكيان مشروط كليا بإرادة أميركية: ”العلاقة مع أميركا هي أهم المقدرات السياسية والأمنية التي تملكها إسرائيل في الساحة الدولية» (مينتز وشاي، ”الحاجة لإعادة صياغة نظرية الأمن القومي“). منذ مؤتمر هرتسليا ٢٠١١ بدأ العقل السياسي الصهيوني يبدو عارياً لمن يريد ان يعرف هذا الكيان ـ تجاهلوا بريق ولمعان المشهدية التي يعطيها المؤتمر لذاته وللكيان فهذه دعاية وجزء من مسرحية السياسة. الكيان يعتمد بوجوده على وجود أميركي قوي في المنطقة ووجود أميركي قوي في العالم وهو يدرك أنه في نهاية الأمر ربما يكون حتى نظام آل سعود، المعتمد وجودياً مثله على حماية أميركا، أكثر قابلية للاستدامة منه. يستطيع طبعاً الاعتماد على أميركا، وهي ستظل تدعمه ما استطاعت، لكن ربما تفيده أكثر دراسة تاريخ افول وصعود الإمبراطوريات، قراءة ابن خلدون والإفادة من حكمة العرب، وأيضاً تخيل جيش القوطيين يحاصر روما ويقتحمها فيسقط إلى الأبد أحد أعظم الإمبراطوريات التي لا تزال تشغل المؤرخين. لكن ستفيده أكثر من كل ذلك قراءة مؤشرات افول الإمبراطورية الأميركية ـ في مقدمتها تقرير مجلس الاستخبارات الأميركية نفسها المعنون «اتجاهات عالمية ٢٠٣٠: عوالم بديلة» ومجموعة من أعداد مجلة «فورين أفيرز»، صوت المؤسسة الحاكمة الأميركية. هذا التراجع الجدي الثالث.
الخلاصة: كيانهم الصغير يتراجع، يشيخ، يتعفن. السقوط حتمي وربما قريب بالمعنى التاريخي، ولا يغرّنكم كل البريق واللمعان الذي يرجمنا به إعلام الكيان وإعلام العرب الصهاينة. فبمنطق أطوار الحضارات تكون مرحلة القوة الأكثر هي الأقرب لمرحلة السقوط من كل ما سبقها، وهذه المرحلة هي بالتأكيد خلفنا الآن ـ أعرف أنني لن أعيش حتى عام ٢٠٤٨، لكنني أعرف أيضاً أن الكيان لن يحتفل بعامه المئة في ذلك العام. وأعرف أيضاً أنني حتى لو عشت حتى ٢٠٤٨ وشهدت ذلك اليوم فلن أعتذر عن هذا الاستنتاج: القرن الصهيوني سيكون قصيراً ولن يصل إلى عامه المئة.

زمن نصرالله: ما بعد الحرب الهجينة

في أعقاب كلمة السيد نصرالله في ١٦ شباط ٢٠١٠ (مطار مقابل مطار والميناء بالميناء) وكلمته بعدها بثلاثة أشهر، في ٢٥ أيار ٢٠١٠ (التهديد بقصف كل السفن المتجهة لفلسطين في حالة وقوع الحرب)، استنتج الإسرائيليون ان مرحلة جديدة بدأت فعلاً وأن عقيدة حزب الله تركز على ”التكافؤ الاستراتيجي والانتقام النسبي“ (برناديتا بيرتي ويورام شوايتزر، ”حزب الله والحرب القادمة مع إسرائيل: دروس من سوريا وغزة“، مجلة تقديرات استراتيجية، مجلد ١٧، عدد ٣، اكتوبر ٢٠١٤). إنجاز كبير حققته المقاومة في مشوار يبدو قصيراً بدأ عام ١٩٨٢ بتكتيكات حرب العصابات التقليدية والبسيطة إلى التهديد بالرد بالمثل والقدرة على الانتقام النسبي. لكن، بعد شبعا، لا يبدو هذا التوصيف الصهيوني السالف دقيقاً أو صالحاً بالحد الأدنى لتوصيف أين نحن اليوم. المقاومة تصعد.
ماذا حدث في شبعا؟ المقاومة ضربت بنجاح كبير في شبعا في أعلى حالات ااستنفار العسكري والمدني الصهيوني. الأهم، المقاومة ضربت بالضبط في المنطقة وبالأسلوب والسلاح الذي توقعه السيناريو الثاني في أحد التمرينات (التمثيلات) التي أجراها ”برنامج شؤون عسكرية واستراتيجية“ في معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني قبل ثلاثة أشهر من العملية فقط. في التمرين المذكور تم توقع حتى عدد القتلى بالإضافة إلى أسر جندي أيضاً (انظر تفاصيل التمرين في غابي سيبوني، ”التصعيد في جبهة الشمال: خلفية وأهمية التمثيل السياسي والأمني“، مذكرة ٦٤٩، معهد دراسات الأمن القومي، ٢٩ ديسمبر ٢٠١٤). ورغم كل ذلك، المقاومة انتقمت للجولان و”حبة مسك“. حسناً، مللنا من الحديث عن الفشل بسبب الخطأ في الحسابات وبسبب فشل في آليات اتخاذ القرار كتفسير لهزيمتهم. الكيان فعلاً شاخ، لم يستطع إحباط عملية توقعها وتخيلها ومثلها حتى في أعلى حالات الاستنفار. المقاومة في المقابل، استطاعت وبنجاح لافت أن تضرب حيث توقع العدو ومثل ما تخيل وفي أعلى حالات استنفاره. المقاومة في حالة صعود. في هذا التمثيل كانت ردود فعل الفريق الذي لعب دور الكيان الصهيوني لافتة جداً. أول الخيارات وردود الفعل على العملية، كما في التمثيل، كانت “تجاوز التصعيد وتقوية الردع“ ـ انتبهوا إلى التناقض، ”لا نريد تصعيداً“ ولكننا ”نريد تقوية الردع“!! أليس من المفروض أن يكون كل خيار لدعم الردع يحتمل التصعيد؟ هل أصابهم الزهايمر؟ الخيار الثاني حسب التمثيل كان ”الضغط على المجتمع الدولي لدفع حزب الله إلى الامتناع عن استفزاز إسرائيل“. جيد. وصلنا إلى الزمن الذي أصبح فيه الكيان يناشد المجتمع الدولي للتدخل عند حزب الله ومطالبته بعدم ضرب الكيان. أصبح الكيان يتبنى خطاب صائب عريقات المناشد الدائم للعالم لإنقاذ عملية السلام. الخيار الثالث والأخير كان ”الخيار الهجومي (العسكري) الذي ”يؤلم حزب الله ولكنه لا يستدعي منه الرد“. إذن، حتى في الخيار العسكري هم حريصون على عدم تدحرج الأحداث نحو مواجهة شاملة. حسناً، لو قارنا كل ذلك بمفهومهم الكلاسيكي عن الردع، علينا أن نستنتج أنهم مردوعون، فيما حزب الله، حسب استنتاجهم هم، ليس مردوعاً، بل يجهز للمعركة فقط. أخيراً، إذا قرأنا الخيارات الثلاثة جيداً مرة اخرى وقارناها بالصورة التي يحاول الكيان رسمها لنفسه ويحاول فرضها علينا فعلينا بالتأكيد أن نستغرب: ماذا حدث لأزعر الحي! لكن، ربما يكون الجواب بسيط حقاً: إنها كلمة التاريخ على يد المقاومة. المقاومة تصعد أما الكيان فلقد شاخ فعلاً. ماذا أيضاً يلفت الانتباه في ما حدث في الجولان وشبعا وغيرهما؟ حتى وقت قريب تعامل خبراء الكيان على أنه يوجد ردع متبادل على طرفي الحدود وبنوا افتراضاتهم كلها على ذلك. والحدود التي في ذهنهم هي كيلومترات قليلة بين فلسطين ولبنان. لكن، عشية عدوان الجولان انتبه الصهاينة إلى واقع جديد تطور تحت انوفهم. نظروا إلى الخريطة فوجدوا أن حزب الله والجيش السوري والحرس الثوري الايراني يقومون بحملة منسقة للسيطرة على شريط حدودي طوله ١٥٠ كيلومتراً ويمتد من جبال القلمون حتى جبل الشيخ ويشمل الجولان، ويتقاطع مع الحدود مع فلسطين في مناطق عديدة (ملف دبكة، «نصرالله لإسرائيل: «اقبلوا اختلاط الدم اللبناني والايراني على الأرض السورية في القنيطرة أو واجهوا الحرب»»- ٣٠ كانون الثاني). هكذا فسر تقرير لملف دبكة سبب عدوان الجولان. حسناً، المقاومة ومن يناصرها يسيطرون على شريط يمتد أكثر من ١٥٠ كيلومتراً ويغيرون جغرافياً الصراع كلياً، والكيان يرد على هذا التحول الاستراتيجي بعملية ذات طابع تكتيكي في أحسن الأحوال إنجازها الوحيد هو استشهاد ستة من المقاومين. لكن، استثنى كاتب التقرير، أو نسي بسبب العفن الذي ضرب الكيان، أي دور محتمل للمقاومة الفلسطينية. ربما لم يقرأ رسالة محمد ضيف للسيد، ولم ينتبه لعبارة ”تتقاطع نيران فوق أرضنا المحتلة“. الصعود بدأ في ١٩٨٢. لاحقاً، كان دخول سلاح صواريخ الكاتيوشا الخدمة في أوائل التسعينيات تطوراً نوعياً ساهم في تغيير قواعد الاشتباك ومعادلة الردع وأسس للوصول لتفاهم نيسان النوعي في ١٩٩٦ غير المسبوق في تاريخ صراعنا معهم. بعدها حصل التحرير الكبير عام ٢٠٠٠ وكان الإنجاز الكبير بإجبار الكيان على الرحيل بلا اتفاق ولا معاهدة سلام ـ هذا نموذج كان على الفلسطينيين التفكير به جيداً. لاحقاً، في ٢٠٠٦ قاتل حزب الله بنموذج الحرب الهجينة وانتصر مستتبعا الكثير من الدراسات والأبحاث ولجان التحقيق ولا يزال. ومنذ ٢٠٠٦ والعدو يراقب عدد الصواريخ، مع أن أداءه في حرب غزة الأخيرة يشير إلى أنه لم يتعلم كثيراً حتى من توصيات لجان التحقيق التي عينها. اليوم، بعد شبعا، اكتشف العدو أن القضية لم تعد عدد الصواريخ ولا عدد المقاومين ولا “التكافؤ الاستراتيجي والانتقام النسبي“، ولا الحرب الهجينة. نحن في بيئة استراتيجية جديدة يمكننا فيها تخيل العديد من السيناريوهات التي يتواصل فيها صعود المقاومة فيما يصعب تخيل سيناريوهات مماثلة يستعيد فيها العدو قليلاً من عافيته.
لننهي باعتراف: نحن، العرب، أيضاً، لدينا إشكالية في المفاهيم. الفرق أنهم يحاولون توصيف تراجعهم ونحن نعجز عن توصيف صعود المقاومة. السبب بسيط: ما شاهدناه مؤخراً من تجربة حزب الله هو بالتأكيد أهم تطور في علم المقاومة منذ التجربة الفيتنامية. نحن أمام ظاهرة مقاومة جديدة لا تسعفنا التجربة التاريخية في توصيفها وأدواتنا النظرية واللغوية المتوافرة غير كافية. لهذا اكتفيت في عنوان هذا القسم بتوصيف زمني فقط: المقاومة دخلت مرحلة ما بعد الحرب الهجينة.

خاتمة: الطريق إلى القدس

هذا ما كتبه هادي العلوي في شخصيات غير قلقة في الإسلام في سيرة روزبة الأصفهاني (سلمان الفارسي): «وفي أخبار فتح المدائن، حين عبر المسلمون دجلة على ظهر الخيل، ينقل الطبري أن سلمان علق على هذا الاقتحام الصعب بقوله: «الإسلام جديد. ذللت والله لهم البحور، كما ذلل لهم البر»». وحين يقتحم المقاومون الجليل، وما بعد الجليل، وحين تتقاطع نيران المقاومة فوق فلسطين من كل الاتجاهات، سيكتب مؤرخ عربي من مكتبة كبيرة سنبنيها في القدس حين نستعيد كتبنا التي سرقها الصهاينة في ١٩٤٨ في ما عرف بعملية «نهب الكتب الكبيرة» ما يلي: كان الكيان يشيخ، وكانت المقاومة فتية، ذللت والله لها البحور، كما ذلل لها البر والجو. وحين يشيخ جيلنا، سنجلس في بيوتنا، هناك، في فلسطين الحرة، نروي لأبنائنا وبناتنا نهاية القصة كما رأيناها. سنقول لهم بكل الفخر: نعم. كنا هناك. عشنا زمن المقاومة. عشنا زمن نصرالله. سمعناه يخاطبنا في الطريق إلى القدس كما خاطب جده الحسين بني هاشم: «من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف لم يدرك الفتح». رأيناه بعدها على أبواب القدس المحررة. رأيناه رافعاً يديه إلى السماء، من القدس، النقطة الأقرب لها على الأرض، يترحم على شهداء المقاومة العظام مردداً ما قاله في وداع ولده الشهيد هادي، وما قالته السيدة زينب في وداع الحسين: «اللهم تقبل منا هذا القربان».
* كاتب عربي