إيران صاحبة «العقل البارد» تجري بوتيرة سريعة لاكتشاف المستقبل، والمعنيين الجديدين للحكمة والقوة المتلاحمتين مع الحق. في الثقافة: تتعايش بــ «سلام» داخل الجمهورية الإسلامية، كل الأفكار والعادات والفنون والعلوم، وتتفاعل الأعراق والأديان بحرية كاملة، لتشكّل مزيجاً خصباً من الآمال والرؤى الخلّاقة المغيّرة التي تتقدم سير الإنسان وتشدّه نحو الأبعد والأعمق في هذا الوجود، المفتوح على الهداية تماماً كما الغايات. وفي السياسة: إيقاع متصاعد، وحضور واعد يمدّ جذوره في ميادين الحرية والدفاع عن «المستضعفين في وجه المستكبرين» بما يمنحهم وسائل النهوض والوعي والإيمان والإرادة. وفي الدين: البحث عن المعنى العميق للوحي، للرسالة، للشريعة فيما وراء كناياتها ورموزها. أي تفسير الدين بما هو محرر، منقذ، ملهم، ملجأ، محرك، حاجة روحية للكمال، ومنهل أصيل للعدالة الإنسانية.


هكذا يتجلى الدين مع الثقافة والسياسة في خدمة الإنسان والإنسانية، وفي طريق مواجهة مصادر الاستغلال وحركة الاستعمار الحار منها والبارد! فمنذ أن خطت الجمهورية الإسلامية خطواتها الأولى بدأ العمل على إصلاح البنية العقلية والنفسية والأخلاقية للإيرانيين من الداخل، لأن ما اصطنعه نظام الشاه جعل الشعب يرسف تحت أغلال الظلم والاستغلال والاغتراب، وزادته الارتباطات الخارجية تبعية وتأخراً وانفصاماً عن هويته الدينية والحضارية، فتناقص حظه من الفعالية والأصالة والحضور، بل حتى من الطمأنينة الاجتماعية والوحدة الوطنية التي ظل الشاه يفاخر بهما زوراً وكذباً، بينما أتاحت له الثورة أن يكون سيد نفسه ومصيره.

إيران لا تخفي طموحاتها وتطلعاتها في مجالات واسعة
يقف وجهاً لوجه مع التاريخ. يجمع بين الواقع وما وراء الواقع، بين العلم والحلم، بين التجربة والخيال، بين التراث والإبداع، بين القول والعمل، بين وحدة الأمة واستقلالية الفرد، بين ثبات المبادىء وحركية الوسائل، بين المعطيات والتقديرات، التي تعكس جميعها إصرار الإيرانيين على الارتقاء بالحياة وتحقيق الانجازات. في الحقيقة يكشف هذا المسار الذي بدأته الثورة منذ انطلاقتها عام 1979 ومنذ أن رفع شعاراتها الأولى الإمام الخميني الراحل عن سلوك تحرري استقلالي، وعن توجّه استنهاضي أسهم في تغيير المعادلة الإقليمية والجيوستراتيجية بشكل واضح وكبير، رغم أنّه جعل إيران عرضة لكل أنواع الضغوط الأمنية والسياسية والاقتصادية من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في مسعى لاحتواء نفوذها السياسي وتقدمها العلمي ولجمها عن الاستمرار في دعم القضية الفلسطينية التي تعتبر من أبرز المحددات الداخلية والخارجية للسياسة الإيرانية. إيران لا تخفي طموحاتها وتطلعاتها في مجالات واسعة ولكن تنفي أن يكون ذلك عنواناً لنزعة التفوق الحضاري والقومي والمذهبي عندها، بل من منطلق إنساني إسلامي قيمي. كل ما تقوم به من مساعدة للمقاومة اللبنانية والفلسطينية وللمكونات العراقية المختلفة على سبيل المثال لا يعكس نزوعاً إلى تمدد امبراطوري كما يزعم معظم الإعلام الغربي والعربي وإنما يأتي في سياق مواجهة الاستكبار ومحاولاته الدؤوبة للسيطرة على المنطقة وتعزيز هيمنته ونفوذه عليها، بما يمنع على أهلها العيش بآمان متفاعلين متعاونيين.
ولأن إيران ترفع شعار الإسلام تحارب بالمذهبية، ولأنها ترفع شعار فلسطين تحارب بالقومية، ولأنها ترفع شعار العلم تحارب بالعقوبات الاقتصادية. والحقيقة إنّ هناك تشويشاً واضطراباً شديداً يشوبان النظرة إلى المواقف والسياسات الإيرانية، خصوصاً في هذه المرحلة التي يواجه فيه المشروع الأميركي ـــ الإسرائيلي تصحراً وجفافاً وانكماشاً مبعثه السياسات الاستعلائية والممارسات العدوانية تجاه الإسلام والمسلمين وشعوب المنطقة التي أوصلته للارتطام بآلاف الجُدر. وبسبب الفشل الذي مُني به في العراق ولبنان واليمن وفلسطين وسوريا تحت عنوان «الفوضى الخلاقة» ازداد الأميركيون والإسرائيليون استشراساً ضد إيران، ولكن هذه المرة عبر توظيف الحلفاء العرب عن طريق رفع مستوى المخاوف والإجراءات العدائية من التمدد الإيراني الجيوسياسي، أو عبر البديل التكفيري الذي يفتقر للتعقل والرؤية والرشد، حيث شكلت أعماله الدموية ورقة ضغط نموذجية لمواصلة تضييق الخناق على توجهات إيران وأهدافها السامية.
وكل هذه التمزقات والبؤر الرخوة في المنطقة التي تشهد صراعات دموية خطيرة، تتحرك بوحي القضاء على التكامل الذي تبنيه إيران مع حلفائها، وإعاقة أي خطوة لتحويل بعض أراضي «دول الطوق» إلى جبهة مفتوحة وموحدة ضد العدو الإسرائيلي. ولا شك في أنّ استشهاد العميد دادي مع رفاقه في المقاومة اللبنانية على التراب السوري لم يوّحد الجبهة فحسب بل وحدّ الدم الذي يشكّل خلاصة التطلع الإيراني في مواجهة «الغدة السرطانية»، وقرّب المسافة إلى الحد الذي بات معه الإيرانيون على تخوم فلسطين يتشوّقون للحظة التحرير والنصر مثلهم مثل الفلسطينيين وباقي العرب الأنقياء والأحرار في العالم.
لا شك أنّ الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تختلط فيها عوامل عدّة، وحساباتها ترتبط بالتوازنات في العالم كله، ولذلك من الطبيعي أن يثير صمودها وتقدمها وإصرارها على مواجهة الاستكبار وإزالة «إسرائيل» الجدل على مستوى العلاقات الإقليمية والدولية، حيث تضع المقارنات والمقاربات هذا البلد في خانات بعيدة من دوره ووظيفته الأخلاقية والإنسانية، وتحدد موقعه في إطار توصيف سياسي نمطي أو مذهبي معاد. لكن لا حقيقة أنصع وأكثر وضوحاً من مكانتها في ريادة المقاومين لتحرير القدس.
يُكتب الكثير عن إيران لكن لا أُدرك دوراً عظيماً لها أكبر من دورها في إزالة إسرائيل من الوجود!
* كاتب وأستاذ جامعي