لم يكن سؤال الهوية سؤالاً تراثياً حتى نقوم نحن المعاصرون بتتريثه إلى أي حدّ مفترض، فالسؤال في جوهره هو هل نحن صالحون للعيش والاستمرار في هذه العصور الحديثة؟ فوصلت جلّ الأجوبة والدراسات والنظرات إلى أنه «يحقّ» لنا، شرط إعفائنا من تبعات واستحقاقات هذا العيش، اتكاء على شرعة حقوق الإنسان، وترك هذه التبعات والاستحقاقات لتقديرنا الذاتي بناء على خصوصيتنا، أو بصريح العبارة إعفائنا منها (التبعات والاستحقاقات)، على الرغم من أن النموذج الذي نصبو إليه هو النموذج العالمي في التقدم والتنظيم والإنتاج.


وهنا نلحظ تغييراً أساسياً في طبيعة السؤال يصفح عنه الكثيرون ويتلخص بالفارق المهم بين: هل نحن صالحون؟ أم هل يحق لنا؟
طبعاً ومن البداهة أنه يحقّ لنا أن نفترض أو نؤكد وحتى نفبرك سؤالنا كما نريد، ولكن علينا وفي المقابل تلقي تبعات هذا الخيار، فالنموذج الذي نسعى إليه واضح المعالم والطريق ولا يحتاج إلى فهلويات تحريف الأسئلة ولا الى تلك الأثمان الباهظة التي ندفعها اليوم وعلى أرض الواقع، ثمناً لهوية أو هويات أصبحت قاتلة، فعلى الرغم من استفادة هذا النموذج (هذه النماذج واقعياً) من تراثه جزئياً بعد تحويله إلى فولكلور، إلا أنّه ينتج هويته يومياً كواحدة من منتجات حيويته المجتمعية المعاصرة، حيث يشقّ سؤال الهوية طريقه بصراحة ودون مواربة ودون خوف من مقدس (إلا مصالح المجتمع بالطبع)، ليصبح سؤالاً دنيوياً (عالمانياً) بالضرورة، يمارس على أرض الواقع بفعاليات العمل والإنتاج التي تحتاج إلى الحماية والمنافسة لضمان الارتقاء/ الاستمرار. وهنا يصبح سؤال الهوية هو سؤال الدولة المعاصرة (العالمانية بالضرورة) ذات العلم والنشيد.

ما حصلنا عليه من جلّ
دراسات وأبحاث الهوية هو عنصرية مقنعة ومموهة
وهنا أيضاً يظهر الفرق عن سؤال التأصيل وأجوبته كشأن أنتروبولوجي جزئي من المستحسن معرفته وإشهاره، مع أنه غير ذي فائدة جلية في واقعنا الحالي، فنحن موجودون بواقع الإسالة الديموغرافية ومعترف بنا بسبب شرعة حقوق الإنسان، ولا ضرر إن كنّا بهوية أو من دونها طالما أنه ليس لدينا انتاج مجتمعي يستحق الحماية والتنظيم، إذاً ماذا نؤصل؟ ومن ثم ندعيه كهوية؟ طوائفنا؟ أم كياناتنا؟ أم دبكتنا وغناؤنا؟ أم طقوسنا؟ أم جوازات سفرنا الحالية؟... وإلخ.
تظهر النماذج التي تتوق إلى شبعها ومنعتها، إلا أن سؤال الهوية (الذي استعرناه منها)، ما هو إلا تعبير عن المكانة، والمكانة في هذه الأزمان لا تتوفر في كتب التاريخ المدرسية بتدليسها المستمر، ولا على صفحات الجرائد والمجلات ومنابر الإعلام، التي تصنع للآخر هوية غصباً عنه ومن ثم نعكسها لنصبح نحن. فالمكانة من منتجات الدولة الدنيوية الحديثة، المنبثقة من مجتمع حديث منظّم على أساس المصالح، التي تجعل من التسالم قيمة عليا، رعاية وحماية للإنتاج وتقاسمه والتنافس به. ومن هنا تصبح الحياة الإنسانية مقدسة كشأن أساسي داخل المجتمع، لأن كل حياة بشرية هي إمكانية إنتاجية، تستحق الحماية والعناية والأهم عدم الهدر، ومنها يظهر مفهوم المساواة (داخل المجتمع المدستر بدولة)، هذا المفهوم وهذه القيمة هما الأكثر ضرورة لامتلاك الهوية، وهما (المفهوم والقيمة) عندنا، الأكثر بعداً من دراسات وأبحاث التأصيل التي تدّعي الإجابة عن سؤال الهوية والتي تتضمن وتضمن عدم حصول المساواة (التي تسمى في المجاز مواطنة) مشكلة العبوة الناسفة لأي أمل بولادة هذا المجتمع الجنيني أصلاً، وإلّا من أين لنا كل هذا الفساد والطائفية والعنف والفوضى؟
يبدو النظر إلى مسألة الهوية كمنتج تراثي فقط، معاكساً تماماً لوجود المجتمع (حامل الهوية) ومن ثم الدولة المنبثقة عنه، إذ تستحيل تراثياً المساواة بين البشر، بسبب استحالة توحيد مصالحهم المعرفة هُويّاتياً بمعلومات تاريخية قد تكون صحيحة وقد لا تكون كذلك. ومع أن الأمر سيّان فالتاريخ غير الواقع على أية حال، إلا أن هذه القراءة التاريخوية تقود تبعثراً عصابياً لهويّات سوف ينظر لها في ما بعد (توفيقياً وتلفيقياً) على أنها تداخل طبيعي بين دوائر الهُويّات، وبالتالي فإن أية لامساواة (بحسب ادّعائهم) هي نتاج «الحرية» في المحافظة على دائرة هوية ضمن دوائر الهويات المتراكبة والمتداخلة دون أن يفسد للودّ قضية! ولكن المياه كذبت الغطاس كما يقال، ولم تنتج هذه الرؤى سوى الدماء والخراب والفساد والتشرذم، تعبيراً عن هذا العبث المفاهيمي المتفاخر والعنيد في إجبار التراث على منح هوية لهؤلاء الوارثين له، ولم تصل الهوية بأي معنى كانت إلى التبلور خارج كتب ودراسات مدرسية الطابع، وذات معنى تفاخري لا ينتج شيئاً قابلاً للمنافسة أو
الحماية.
تبدو الهوية في عصرنا هذا ضرورية لصاحب الإنتاج، تمييزاً للجهة صاحبة الحق به، فالذي لا يملك هوية لا يستطيع تسجيل الممتلكات وإنتاجاتها باسمه، فما بالنا بالذي لا يمتلك إنتاجاً ينافس به؟ ما حاجته إلى الهوية أساساً؟ اللهم إلا اذا لجأ إلى الشرعة العالمية لحقوق الإنسان لإثبات وجوده (وهذا ما حصل)، وهنا عودة إجبارية إلى الثقافة الحقوقية التي تؤسس بها المجتمعات، وتنبثق منها الدولة كوجه ثقافي، يرعى الحقوق والواجبات ويضبطها ضمن المصالح، وتنفذ مراسيم الشرعة العالمية لحقوق الإنسان أيضاً، وأي تجاوز أو استثناء تقني في مؤسسة الدولة سوف يؤثران سلباً في الإنتاج وبالتالي على المكانة/ الهوية (إذا لم نقل الوجود) وينفيان عن الدولة صفتها الأساسية، ألا وهي احتكار العنف المدستر والمقونن في الشكل والمضمون، ليذهب سؤال الهوية بالضرورة إلى التأصيل التراثي، لتعود طاحونة اللامساواة إلى العمل والإنتاج، فتتحوّل هذه المجتمعات المأمولة إلى تجمعات أو جمهرات بشرية تنقاد إلى صراعات بلا مصالح تضاف الى هشيم التنافس الدولي على المكاسب والسيطرة.
اليوم وبدلالة الواقع، لم تصل غالبية أبحاث الهوية إلى نتيجة نافعة تذكر، فهي مجرد تهويمات نظرية أو اجتهادات تفسيرية، بل ذهبت في منتجاتها الثقافية إلى حدود الدماء والخراب متحولة إلى «معلكة» تاريخانية، بحيث لم يعد مهماً، وبلا وظيفة مجتمعية، اكتشاف وتعيين الهوية ودوائرها المتداخلة، وكذلك اكتشاف الممانعين الخارجيين لحصولنا عليها، فها هي هويتنا واضحة ومعلنة ومعرفة، «إننا عكس آخر ما»، نختاره ونلبسه عنوة هوية من تفصيلنا ونعاديه على أساسها، في مصادرة معكوسة ومكشوفة، لما ندعيه على أنه ممانع لتثبيت هويتنا، بحيث تنعكس الدوائر الهُويّاتية المرشحة للاندماج نظرياً، لتصبح افتراقاً وعنصرية على شكل متاريس ومفخخات وثأر لا ينتهي، في تجاهل لا نهائي لمعرفية السؤال المؤسس، العالماني بالضرورة، فالمسافة الفاصلة بين الهوية المعلنة المتمايزة والعنصرية لا تردمها إلا المعرفة الدنيوية، كي تتم قيماً دنيوية فاعلة تزود حيوية المجتمع في فترة إنشائه وإعلانه، بالطاقة اللازمة للاستمرار بواسطة الارتقاء، ومن هنا تبدأ خصوصية الهوية بالظهور والتمايز بما يستحق الانتماء والتبني، بناءً على المصالح التي توفرها بوجودها.
ما حصلنا عليه من جلّ دراسات وأبحاث الهوية هو عنصرية مقنعة ومموهة، تشير إلى أن هذا العالم هو جزء منا، ولسنا نحن جزءاً منه، ما أفاد في إطلاق خاصيات الاضطهاد والردّ عليها المعروفة بين ظهرانينا وعبر الحدود ما يجعلنا تطبيقياً وحداثياً بلا هوية تذكر، ربما كانت تجليات «الإسلاموفوبيا» ما هي إلا تعبير بسيط عن تنافر وفشل اندماج دوائر الهويات المزعومة والتنظير لها، ما يظهر أن الهوية شأن حقوقي تمتلكها وتعلنها «بنجاح» المجتمعات المنتجة حصراً، عبر دولة حديثة وحداثية، قادرة على رعاية الإنتاج وحمايته وحماية تقاسمه والمنافسة به، إنها حكاية الشبع والمنعة مرة أخرى، ولا نهائية في هذه الكرة الأرضية، «الدنيا»... كما يطلق عليها جهابذة التراث.
* سيناريست سوري