قد نكون تعوّدنا على مشاهد الدمار ورائحة الموت، بما أنه لا يكاد يمر يوم على المنطقة إلا ويحدث هجوم ويهز تفجير هذه المدينة أو تلك ويسقط ضحايا وتسيل دماء. لكن الهجوم الأخير على سيناء ومقتل عشرات من الجنود المصريين على يد جماعة أنصار بيت المقدس وسقوط 6 ضحايا لبنانيين في التفجير الانتحاري قرب سوق الحميدية في دمشق، أثارا في النفس شجونا.

دون الخوض في أسباب ومآلات ما يحدث في مصر وسوريا، نتوقف تحديداً عند هجوم سيناء وتفجير الحافلة في سوق الحميدية وما الذي يربط الحادثتين الارهابيتين.

فعند ورود خبر مكان استهداف جبهة النصرة لقافلة الزوار اللبنانيين إلى مقام السيدة زينب، خطرت في البال أغنية للراحلة صباح «من الموسكي لسوق الحميدية» والتي تقول كلماتها:
«من الموسكي لسوق الحميدية أنا عـارفة السكة لوحديّه
كلّها أفراح وليـالي ملاح وحبايب مصر يا سورية
بأمان وسلام وبشوق وغرام ح نغنـي نشيد الحرية
أنا عارفة السكة لوحديّه».
الأغنية يعود تاريخها لعام 1958. أرادت الشحرورة (ومعها الشاعر مرسي جميل عزيز والموسيقار فريد الأطرش) أن يحتفوا بالوحدة بين مصر وسوريا، بكلمات كلّها أمل وتغنّ بالحرية والأمان والسلام. أي كلّ ما يعوز سوريا ومصر تحديداً وعلى سبيل المثال لا الحصر.

كما «طارت» الوحدة عام 1961، عزّ الأمن والسلام والحرية في هذين البلدين

فكما «طارت» الوحدة وحدث الانفصال عام 1961، عزّ الأمن والسلام والحرية في هذين البلدين. وكأنّ لسان حالنا يقول: «من سيناء لسوق الحميدية الهمّ واحد والدم واحد».
كما تربض جماعة أنصار بين المقدس في سيناء ولا علاقة لها ببيت المقدس وتهادن من يحتل بيت المقدس، ترابط جبهة النصرة في الجولان ولا علاقة لها بمن يحتل الجولان. اللهمّ إلا علاقة حسن الجوار مع ذلك المحتل الغاصب.
لمصلحة من يُستهدف الجيش المصري ويقتل عشرات الجنود المصريين في سيناء؟ هل هذه هي الطريقة المثلى لمعارضة النظام؟ هل قتْلُ هؤلاء الجنود، سيحمل الرئيس السيسي على الاستقالة؟ وهل سيعيد الحقوق لمن ظُلم من الشعب المصري بأطيافه كافة؟
لماذا لم نسمع يوماً باقتراب جماعة أنصار بيت المقدس من طابا مثلاً أو ما وراء طابا؟
وبما أن الجماعة تسمّي نفسها تيمنّاً ببيت المقدس أي بفلسطين، فهل بهجومها ذاك قد خدمت القضية؟
إن كل عمليات أنصار البيت المقدس منذ بدأت، قد عادت بالويل والثبور على قطاع غزة من تشديد للخناق على الشعب المحاصر من كل الجهات. فمعبر رفح مثلاً لم يُفتح إلا 3 أيام منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وبالتأكيد سيظل مقفلاً وقتاً طويلاً بعد هجوم سيناء.
وإلى جانب عقوبة الإغلاق، هناك توجيه نظام الحكم في مصر أصابع الاتهام إلى حركة حماس بالوقوف وراء ما يجري في سيناء، مع أنه لم يثبت حتى الآن بالدليل القاطع تورّط الحركة في هذه الهجمات. وقد رأينا كيف صدر الحكم بوضع كتائب القسام الجناح العسكري لحماس على قائمة المنظمات الإرهابية بعد يوم واحد فقط من الهجوم على الجيش المصري.
فمن المستفيد من حصار غزة وتخوين فئة عريضة من الشعب الفلسطيني؟
أما بخصوص تفجير سوق الحميدية، نسأل: لماذا يُستهدف زوارٌ عُزّل قصدوا مقام حفيدة رسول الله؟
ألأنّ جبهة النصرة غير قادرة على هزيمة حزب الله في ساحات القتال؟ «فتشطّرت» على مدنيين قد يكون منهم من يعارض وجود الحزب في سوريا. أم أن الحليف الميداني والاستراتيجي لا يستطيع المواجهة بعد عملية شبعا وتهديد الأمين العام حزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأخير، فقرّر أن ينتدب جبهة النصرة لهذه المهمّة؟
وهل تظنّ الأخيرة فعلاً أنها تضغط على الحزب باستهداف تلك الحافلة فيخرج من سوريا وينفرط عقد التحالف بينه وبين النظام في دمشق؟ ألم تجرّب جبهة النصرة عبثاً، ليّ ذراع حزب الله عبر حادثة مخطوفي أعزاز قبل أكثر من عام حين اشترطت خروج مقاتليه من سوريا مقابل الإفراج عن الزوّار الشيعة؟
فماذا كانت النتيجة؟ لم يخرج عناصر حزب الله من سوريا وأُفرج عن الزوّار الذين كان منهم مرضى وكبار في السنّ مقابل إفراج لبنان عن عناصر للجبهة.
ثم ما الذي يحققه التفجير للمعارضين للحكومة السورية والرئيس بشار الأسد سياسياً وميدانياً؟
لا يمكن لعاقل أن يصدق أن جماعتي أنصار بيت المقدس وجبهة النصرة تريدان الخير لأهل مصر وسوريا. فسجلّاهما حافلان بغير ذلك. كما أننا أمام تقاطع غريب لمصالح هاتين الجماعتين ومصالح إسرائيل أكان بقصد أم من غير قصد.
ومهما تعددت التسميات إذاً، فإن التحدي واحد والخطر واحد والمستفيد واحد وطريق الخلاص أيضاً واحد. صدقت الصبوحة حين غنّت: «من الموسكي لسوق الحميدية... أنا عارفة السكّة لوحديه...»، فلا «سكّة» نعرفها إلا «سكة» رصّ الصفوف وبناء الأوطان بوجه من يتربص بها شرّاً.
* صحافية جزائرية ــ فرنسا