كما كان متوقعاً، فقد نفّذ حزب الله عملية ضد قافلة عسكرية إسرائيلية انتقاماً لشهدائه الذين اغتالتهم غارة غادرة ومفاجئة شنها الطيران الحربي الإسرائيلي في 18 من الشهر الجاري. أتى الرد، نسبياً، سريعاً. وهو حصل بطريقة محكمة عسكرياً واستخبارتياً، وحكيمة ومدروسة من حيث المكان (خصوصاً) والتوقيت (بحيث لا يمر الزمن على الغارة).

العملية تدخل في نطاق رد الفعل المشروع على اعتداء بادرت السلطة الصهيونية، مختارةً، إلى الإقدام عليه لاعتبارات آنية (انتخابية)، واستراتيجية (الاستفادة جوهرياً من الأزمة السورية، وإرباك موقف إدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما الساعي إلى فتح صفحة جديدة ونوعية مع طهران عبر التفاوض، ومحاولة تغيير قواعد الاشتباك على الجبهات الساخنة أو الباردة، بشكل حاسم نسبياً، لمصلحة الطرف الإسرائيلي...).

حكومة إسرائيل لم تكن تسعى إلى خوض حرب شاملة حين نفذت غارة القنيطرة رغم فداحة الخسائر التي نجمت عن تلك الغارة. كانت العملية، بالنسبة إليها، جزءاً من حرب مفتوحة، وليست حرباً قائمة بذاتها تمتد لأيام أو لأسابيع وينخرط فيها طرفان أو اكثر، وتستخدم فيها من قبل تل أبيب خصوصاً، كل الاسلحة المتوافرة لديها في البر والبحر والجو (ما عدا النووي الإسرائيلي).
حزب الله، بدوره، لم يسع إلى حرب شاملة ولم يخطط لها. كان من حقه، بل من واجبه، أن يرد بطريقة متناسبة مع حجم الاعتداء الذي استهدفه. هذا ما فعله بالضبط من دون زيادة أو نقصان.
هذه الأمور وسواها كانت ظاهرة للعيان، مقروءة ومعلنة، ولا تحتمل الخطأ في التفسير أو تعدد الاحتمالات في التحليل. ورغم ذلك فقد حصل الانقسام بين اللبنانيين على هذا الحدث الدفاعي المحض والمشروع تماماً، والمنسجم، حتى، مع القانون الدولي، وصولاً إلى القرار 1701 الذي لم يجسِّد آنذاك نسبة القوى بين المقاومة والمعتدي الإسرائيلي، بل مثَّل الأرجحية والهيمنة الأميركية على المؤسسات الدولية، وعلى حساب الحقوق اللبنانية في الأرض، وفي الدفاع المشروع عنها إذا ما بقيت محتلة من قبل العدو.

ليست الصورة انتصارية تماماً
كما تبدو على ألسنة بعض الأصوات المؤيدة للمقاومة

الانقسام الذي بات «تقليدياً» حيال كل كبيرة وصغيرة، ألقى بثقله على الحدث المذكور. البعض لم يتردد في التهجم على قيادة المقاومة. وكما جرت العادة، هو لم يعبأ بأن يكرر مطالب يرفعها العدو نفسه (الذي يعلنها بدرجة أدنى من الإصرار والإلحاح والمثابرة!). يذهب البعض، على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى الشماتة وإلى التهديد بعدم استقبال العائلات الجنوبية أو غير الجنوبية في حال اضطرت إلى إخلاء بيوتها بسبب العدون الإسرائيلي المحتمل! وإذا أخذنا بالمثل الشعبي الذي ينصح بضرورة «أخذ اخبارهم من صغارهم» نلاحظ اندفاعة البعض ايضاً إلى التعبير عن نزعة تقسيمية واضحة. الأساس في موقف هؤلاء هو إلقاء المسؤولية على الضحية ووعدم التردد في تبرير، ضمني أو علني، للعدوان الحاصل أو المحتمل، من دون النظر في واقع الحال، ومن دون الانطلاق من مصلحة لبنان واللبنانيين في تحديد الموقف المناسب إزاء العدوان وأهدافه. أكثر من ذلك فقد سارع السيد سمير جعجع، وهو مرشح فريق 14 آذار المعلن لرئاسة الجمهورية، إلى تحميل حزب الله مسؤولية الغارة الإسرائيلية في القنيطرة، فضلاً «طبعاً» عن عملية مزارع شبعا! وهو انتقد، في سياق ذلك، الحوار بين حزب الله وتيار المستقبل، رغم ان لهذا الحوار وظيفة متواضعة، وان كانت ضرورية، لامتصاص جزء من الاحتقان المذهبي الخطير المستشري في البلاد والمنطقة. لم يقل لنا السيد جعجع ماذا عن حوار «قواته» المستمر مع التيار الوطني الحر؟ لقد سارع «التيار» من جهته، إلى إعلان مواقف رسمية وسياسية مؤيدة أو مبررة لعملية حزب الله التي ـ بحسب بيان وزير الخارجية السيد جبران باسيل ـ لا تتعارض مع القرار 1701 الذي تعامل مع مزارع شبعا بوصفها مناطق محتلة ولكن» متنازع عليها» بين سوريا ولبنان. كذلك فقد صدرت لعدد من ممثلي «التيار» مواقف داعمة ومؤيدة لرد حزب الله باستهداف دورية عسكرية إسرائيلية في مزارع شبعا. السؤال هنا: ماذا سيفعل السيد جعجع حيال ذلك، أي هل سيوبخ ممثلي «التيار» ويقطع حواره
معهم؟
تصغي القيادة الصهيونية، بالتأكيد، إلى الأصوات اللبنانية المتناقضة بشأن اعتداءاتها على لبنان واستمرار تدخلها المتنوع فيه: الأمني (الاغتيالات) والعسكري (انتهاك حدوده وسمائه وبحره)... وهذان، الاعتداء والتدخل، موجهان، بالدرجة الأولى، ضد وحدة لبنان واللبنانيين، وضد مصالح لبنان وحقوقه، وضد أمنه وسيادته واستقراره. يشعر الصهاينة بجدوى سياساتهم العدوانية تلك، بمقدار ما يتردد صدى مطالبهم على ألسنة قادة لبنانيين، ما زالوا، رغم مرارة التجارب السابقة، يتعاملون مع العدو الصهيوني باعتباره، على الأقل، حليفاً ولو غير مباشر، نظراً لتناقضه وصراعه مع قوى سياسية لبنانية ابرزها حزب
الله.
لقد سبق لإسرائيل أن خاضت مغامرات احتلال متكررة للبنان. ويصر البعض من خلال سياساته ومواقفه وعلاقاته، على تشجيعها على مزيد من التورط العسكري في لبنان، آملاً بتغيير الوقائع والتوازنات القائمة، ولو كان الثمن ان يحصل في لبنان «ما حصل في غزة» كما هدد بلهجة القاتل الجبان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بعد عملية مزارع شبعا مباشرة!
ثمة مخاض هائل في المنطقة وحتى في العالم. في مجرى ذلك بدأت تظهر وفقاً للأوضاع والتهديدات الجديدة (الإرهاب خصوصاً)، علاقات جديدة. وهي علاقات تربك، خصوصاً، اولئك الصغار ممن توجههم نزعات إجرامية وعنصرية كالصهاينة، أو نزعات فئوية تعصبية كبعض القوى اللبنانية التي تمارس سياسة هي أشبه بسياسة النعامة حين تظن أنها تدافع عن سيادة بلدها ومصالح شعبها أو فئة منه. لقد أثبتت تجارب مريرة، لم يمر عليها الزمن، أن العدو الإسرائيلي لا يمكن أبداً أن يكون حليفاً للبنانيين أو لبعضهم: خيبة التحالف مع العدو خبرتها «القوات اللبنانية أكثر من سواها. العدو الصهيوني محتل وطامع. هذه حقيقة لا تستقيم وحدة وطنية لبنانية سليمة من
دونها!
ليست الصورة زهرية وانتصارية تماماً كما تبدو على لسان بعض الأصوات المؤيدة للمقاومة. ثمة صراع مفتوح مع الصهاينة، هم لم يعودوا وحدهم قادرين على قول الكلمة الفصل فيه كما كان الأمر في حروبهم التوسعية العدوانية قبل غزوهم للبنان عام 1982. منذ ذلك التاريخ بدأ عصر المقاومة وبدأ العدو يذوق طعم الخسائر والهزائم. لن ننسى أيضاً دور المقاومة الفلسطينية وبطولات وتضحيات الشعب الفلسطيني. لكن الأزمات والحروب والتقاتل والانقسامات (المذهبية خصوصاً) تستشري في المرحلة الراهنة كما لم يحصل من قبل. ذكرنا أن المقاومة وحدها في لبنان، سارت، منذ غزو بلدنا عام 1982، ضد تيار التراجع، بل الاستسلام الرسمي العربي. إنها بقعة ضوء ما زالت مشعة رغم كل ما ذكرنا من أزمات وتقاتل وتمزق. هذا وذاك لا ينبغي أن يدفعا نحو اليأس أو نحو الاستسهال والمبالغة، بل نحو التصحيح والتصويب والتوحد ونبذ الفتنة ومنع المساهمة في إشعال نيرانها.
لسنا في صراع مع العدو فقط. «الجهاد الأكبر»، كما يقال، هو مع الذات من أجل تجاوز الانقسام والفئوية والمذهبية والأخطاء والارتهان للمصالح المعادية... هذه عناوين رئيسة من أجل عملية نهوض جديدة لتحرير الأرض والإنسان!
* كاتب وسياسي لبناني