رغم كل ما أثير، أو ما تمكن إضافته، بشأن انتخابات نقابة الصحافة اللبنانية، التي أجريت مطلع الأسبوع الحالي، من انتقادات بلغت أحياناً حد الشجب والاستهجان والسخط، فإن ما حصل لم يكن مفاجئاً! لنبدأ من الأساس، وهو أن هذه الانتخابات، وانتخابات مؤسسات المجتمع المدني الأخرى، قد أدرجت، تباعاً في منظومة المحاصصة التي تسود في بلادنا وتميز نظامنا السياسي عن معظم الأنظمة السياسية الحديثة في العالم. هكذا فقد بات من السهل ملاحظة أن المحاصصة اصبحت معممة على كل نقابات المهن الحرة (نقابات المهندسين والأطباء والمحامين والصيادلة...).


وكذلك على القطاع التعليمي في روابط الأساتذة والمعلمين في المراحل كافة... ولا تتفلت من ذلك اتحادات وجمعيات أساسية، كالاتحاد العمالي العام... هنا وهناك استطاعت امتدادات الأطراف التي تتحاصص السلطة والإدارة والنفوذ والموازنة في البلاد، أن تفرض الإيقاع نفسه. هي وجدت في ذلك أداة فعّالة لإمساكها بمؤسسات المجتمع المدني، من دون مقاومة جدية وفعّالة من قبل «القوى الديمقراطية» التي مارست بعض «الهبّات» والاعتراضات، من دون أن تثابر وتفعّل وتقود نهجاً متكاملاً في مواجهة تطييف ومذهبة المؤسسات المدنية الشعبية بعد مؤسسات الدولة الرسمية. ويشكل مثال انتخابات رابطة الأساتذة المتفرعين في الجامعة اللبنانية تعبيراً فجاً، بل فظيعاً، عن المآل المزري الذي انتهى إليه الوضع في واحدة من أعرق النقابات نضالية وعلمانية، ومن أكثرها تطلباً في اشتراط عضويتها تحصيل الشهادات العليا ومن أشدها حساسية وتأثيراً في الأجيال الشابة التي ستكون لها الكلمة الأهم في تقرير علاقات اللبنانيين في ما بينهم وفي رسم مصير ومستقبل نظامهم السياسي وتحولات وضعهم الاقتصادي والاجتماعي... ببساطة متناهية، وحين رست «المداورة» على «رئيس مسيحي» للرابطة المذكورة، تُرك للمندوبين «المسيحيين» أن يتفقوا على مرشح من بينهم. استغرق الأمر أشهراً عدة لتوزيع المسؤوليات وانتخاب «رئيس مسيحي»: مهزلة معيبة جديدة تزامنت مع مهزلة تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية التي يترك فيها للطرف «المسيحي» أن يتوحد على مرشح «توافقي» من أجل ملء الشغور في الموقع الأول في البلاد. هذا علماً أنه ليس في اللوائح الداخلية لرابطة الأساتذة ولا لسواها من مؤسسات المجتمع المدني ما يشير، من قريب أو بعيد، إلى التوزيع الطائفي للمهمات أو المسؤوليات في هيئاتها الإدارية: إنما هو العرف الذي يصبح قانوناً أو يحل محل القانون والدستور، التزاماً بـ«الميثاقية» وتعميماً لـ«فضائلها» وحرصاً على حقوق الطوائف والمذاهب والعيش المشترك!

بديهي أن «اتحاد الصحافة»
لم يعد قادراً على تمثيل حاجات كل المرتبطين به

الأنكى أن هذا المسار المتفاقم يكاد يمر مرور الكرم، كما ذكرنا، بالنسبة للقوى الوطنية والديموقراطية التي لم تستطع أن ترفع صوتاً مسموعاً في مواجهته، ولا هي حتى حاولت ذلك. وكأن الأمر طبيعي، وكأن ما يجري لا ينطوي على مخالفة للدستور، وعلى إمعانٍ خطير في شرذمة اللبنانيين، وعلى نتائج أخطر لجهة إضعاف وتبديد ما تبقى من الوحدة الوطنية...
يتعاظم خطر ذلك بدرجة كبرى، حين تقدم مشاريع انتخاب تحاول أن تصنّف الناجين على أساس طائفي (ومذهبي استطراداً) بحيث «تنتخب كل طائفة نوابها». كل ذلك بذريعة «صحة التمثيل» وتطبيق «المناصفة» بشكل كامل... وتمكين المسيحيين من أن ينتخبوا هم نوابهم، لا سواهم من «الأكثرية» المسلمة.
ويتعاظم ذلك الخطر خصوصاً في هذه المرحلة التي يبلغ فيها الاستقطاب والاستنفار المذهبيان درجة غير مسبوقة، توجههما وتشجعهما، بشكل خاص، قوى استعمارية متربصة بالمنطقة وبثرواتها وأسواقها ومصائرها جميعاً، لتكرار صيغ أبشع، بما لا يقاس، مما شهدته أسوأ الحقب الاستعمارية بكل ما حملته من أشكال الاستعمار العدوان والهيمنة والنهب والاغتصاب...
ولا ننسى في مجرى هذا المسار، المتناقض مع شروط تعافي لبنان واستعادة وحدته، ما حصل من تمديد للمجلس النيابي بذريعة أن أحد مكوناته ليس جاهزاً حالياً لإجراء الانتخابات! فعندما يصبح المجلس النيابي بهذا المستوى من الاستهانة بالحد الأدنى من حق اللبنانيين في اختيار ممثليهم، وعندما ينتهك الدستور والقانون «على عينك يا تاجر»، ولا من يرف له جفن... إذذاك، لا نستغرب أن تشهد النقابات الإعلامية والمهنية والعمالية والتربوية وسواها ظاهرة من نوع ما جرى في نقابة الصحافة قبل بضعة أيام! فلقد حصل استنقاع طويل في نقابتي الصحافة والمحررين. استمر هذا الأمر سنوات طويلة، بل حتى عقود عدة. هنا وهناك اختلطت المعايير: صاحب أكبر مجموعة امتيازات صحافية كان على رأس نقابة المحررين، وصاحب امتياز معطّل الصدور منذ حوالى خمسة عقود يدير نقابة أصحاب الصحف: ولا بديل أو تحديد مهل أو من يسألون! هذا فيما الآخرون يكتفون بالمشاركة الرمزية وبالفيتوات المتبادلة ما سمح بأن تصبح هاتان النقابتان الموحدتان في «اتحاد الصحافة اللبنانية» احتكاراً صافياً لا يقف في وجهه إلا قضاء الله وقدره (هذا لا يلغي أنه كانت للنقيبين المعنيين بعض إيجابيات لا
تنكر)!
لقد تطور الآن قطاع الإعلام، بتطور وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، بحيث أصبحت الصحافة المكتوبة حلقته الأضعف بعد أن كانت تسمى «السلطة الرابعة» بعد التشريعية والتنفيذية والقضائية. وفيما تضمُر الصحافة الورقية وتعاني من الضائقة أو الارتهان، يتقدم الإعلام المرئي والمسموع وإعلام «النت» فارضاً منافسة لا يجاريه فيها أحد. هنا وهنالك، أي في الإعلام القديم والجديد، يعمل عشرات الآلاف من المهنيين وأصحاب الكفاءات، بل حتى أصحاب المواهب، من دون أن يتمتعوا بالحد الأدنى من الرعاية والحماية والحقوق. بديهي أن «اتحاد الصحافة» (يضم نقابتي الصحافة والمحررين) أياً كانت إدارته، لم يعد قادراً على تمثيل حاجات ومصالح كل المرتبطين بهذا القطاع: من مسائل الحرية والحماية إلى مسائل التطور والقدرة على البقاء والمنافسة.
ذلك يستدعي مقاربة إجمالية جديدة، يجب أن ينهض بها، خصوصاً، العاملون في كل القطاع الإعلامي والذين هم أصحاب المصلحة الأولى في تطويره وفي نيل حقوقهم وحماية مصائرهم. وفي هذا السياق تقع مسؤولية خاصة على نقابة المرئي والمسموع التي لم تنتقل بعد من طول المشروع إلى طور المؤسسة الجامعة وذات البرنامج النقابي الذي يوفر لها التفافاً شاملاً وفعالية مازالت مفتقدة.
استقبل الرئيس الأسبق شارل حلو وفد الصحافة اللبنانية (التي كان هو نفسه يعمل فيها ويدرك «أسرارها») قائلاً أهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان! كان يشير بذلك، ممازحاً، إلى خلل في علاقة الصحافة بالدولة أصلاً، وبالبلاد ومصالحها، عموماً! ومن جهتها، فالدولة لم تعتبر يوماً أنها مطالبة، هي قبل سواها، بالمساهمة في توفير بعض مقومات استقلالية وحرية الصحافة خصوصاً والإعلام عموماً. ولذلك «شرقت» الصحافة «وغربت» تبعاً لمصادر التمويل التي لن تتوفر أبداً من خلال المبيع والإعلان (المرتبط، هو الآخر، باعتبارات سياسية داخلية وخارجية).
القصة، باختصار، أن نقابة الصحافة خاضعة، كسواها، للمحاصصة الطائفية والمذهبية. اختار المحاصص الأكبر فيها ممثلاً له استناداً للولاء لا قبل أي اعتبار آخر. النقيب الجديد السيد عوني الكعكي استفاد من هذا الوضع ولم يخترعه في انتخابات النقابة. يجب العودة إلى أصل الخلل في تقديم الطائفية على المواطنة، والفئوية على المصلحة العامة، والولاء على الكفاءة، والعرف و«الميثاقية» الطائفية والمذهبية على القانون والدستور...
* كاتب وسياسي لبناني