لطالما استخدم الطب، منذ أن عُرف اللقاح، فيروسات مروّضة عديمة العدائية لحقنها في الأجساد وتشجيعها للحلول مكان الفيروسات المتوحشة الشديدة العدائية. غير أن ما فعله ويفعله الغرب هو العكس تماماً. فهو عمل على تأصيل كائنات شديدة التوحّش متوهماً إمكانية استخدامها في سياساته وطموحاته من قندهار وحتى أطراف حلب. وقد عملت المختبرات الغربية، خلال عقود، على استخلاص كلّ ما يلزم من التراث العربي الإسلامي لتعيد صياغته وتنشره في موجة من وباء كانت حدود انتشاره أشدّ وأدهى ممّا اعتقد المصنّعون أنفسهم.

لا شكّ في أن الغرب استطاع أن يستعيد أنماطاً من الحياة والتفكير والممارسة كانت سائدة قبل قرون طويلة، وهذا مما يُكتب لهم في من نجاح في سلسلة إخفاقاتهم الكثيرة. وليست 11 سبتمبر إلا إحداها حين خرجت الكائنات المتوحشة عن السيطرة.

وعلى الرغم من تلك المأساة فإنّ «فرانكشتاين» الغربي المتخم بنزعات الخلق والإبداع ما زال مصرّا على التمسك بمخلوقاته مع إمكانية تعديل جيني طفيف ليسهل السيطرة عليها. غير أنّ ما حدث في «شارلي إيبدو» قد أضاف إخفاقاً جديداً. فهذه الكائنات لا يمكن برمجتها وتوجيهها نحو وجهة واحدة،

ليس هناك من
مؤامرة، بل منطق أحداث وحتمية تاريخية


لأنها ماكينات قتل تستجيب أيضا لدوافع غير تلك التي كان من المفترض أن تقوم بها.
اليوم يعجّ الغرب بمئات، وربما بألوف، من هذه المخلوقات وهي كائنات تنتمي لعالم آخر، بل تكاد لا تتعرف حتى على هذا الكوكب التي تعيش فيه بالمطلق. فالآخر المختلف لا يمكن أن يكون إلاّ نجساً، كلباً أو خنزيراً. وليس له من حكم سوى «التحوّل» أو القتل، من دون أن يكون هناك من خيار آخر. لقد ارتكب الغربيون خطيئتهم الكبرى، وهي خطيئة لا يمكن إصلاحها أو العودة عنها ببساطة. «داعش» ليست مجموعة موبوءة يُمكن تحديدها واستئصالها بعمل مخابراتي قوامه التدخل السريع, بل فيروس يتسع انتشاره وقد تجاوز حدود القارة المنشأ ليكون له انتحاريون وعشّاق شهادة في كل زقاق من أي مدينة في هذا العالم. إنّه وباء جديد من جملة الأوبئة التي استنبطها الخالق الغربيّ في رحلة البحث عن استنزاف الآخر وقهر الآخر واستعباد الآخر.
كان على الغربي أن يمارس واجبه الأخلاقي تجاه شعوب لم يكتب لها الحظ بالإرتقاء إلى حيث هو. لكنّه في رحلة الجشع الرأسمالي المتهوّر وانسداد أفق السوق وارتفاع معدلات البطالة، آثر المغامرة بمصيره ومصير العالم. فشارلي إيبدو ليست أقل من 11 سبتمبر مصغّر وتداعياتها لن تكون إلاّ كارثية، وهي واحدة من مسلسل الرعب القادم إلى زوايا القارة العجوز، والتي ستحتفي عمّا قريب مع ماري لوبين بصعود مظّفر للنزعات الفاشية والعنصرية واليمين المتطرف الذي سيقوّض الأسس الإجتماعية الهشة أصلا تحت ضغط مفاعيل اليورو. أمّا مسيرة النفاق التي جمعت ساجدي وركّع مساجد فرنسا التسعمئة جنبا إلى جنب مع الملحدين والعلمانيين واليهود والفاشيين فسيمضي وميضها الرومانسي الحالم في موعد الجريمة القادمة.
أوروبا اليوم في عين العاصفة، وجريمة باريس ليست حدثاً عادياً أو مخابراتياً مدّبراً كما يحلو لعشّاق نظريات المؤامرة. فليس هناك من مؤامرة، بل منطق أحداث وحتمية تاريخية واصطدام الرأسمالية المريضة بجدار الواقع والعالم ككل سيكون شديد الدموية ومؤلماً. وللتاريخ تتمة، فهذه ليست نهاية التاريخ.