قد لا يتفق المتابعون النهمون للأحداث السياسية المركزة والمكثفة المواكبة لما دعي «الربيع العربي» والثورات العربية هذه الأيام على شيء، بقدر اتفاقهم على الشكل المدمر والعبثي الذي سارت به الوقائع الجارية، وتحول به الوطن العربي إلى أماكن مأزومة، تتهددها عوامل التفجير والتقسيم والإرهاب بشكل غير مسبوق.

في سياق هذا الانزلاق السريع في نفق الأحداث المظلم الذي يهبط من محطة سيئة إلى أخرى أشد سوءاً وظلمة، يُستعاد بعضُ التاريخ المضيء الذي جمع لوقت طويل كلَّ عناصر المجتمعات العربية في شكل من التعايش الحضاري. تقوم بهذا الإجراء كلُّ دولة عربية مأزومة لوحدها، وكأنها جزيرة معزولة، لا يتوحد الخطاب «السلطوي» فيها إلا بالاتفاق على وجود مؤامرات تستهدف هدّ المنطقة بكل مكوناتها، بقصد تحويلها لمقاطعات ميليشياوية عرقية مذهبية تتكاثر كالفطر، تعيد شعوب المنطقة لعصر القبائل وما قبل المجتمع البشري.

تعرِضُ هذه الأيام بشكل متواصل قناة «العز» العراقية الناطقة باسم «الثوار» العراقيين المتحالفين مع مقاتلي «داعش» فيلماً يتحدث عن السيرة الشخصية للرئيس المصري الأسبق أنور السادات، قام ببطولته الممثل أحمد زكي. لا أعرف عدد المرات التي بُثّ الفيلم فيها - وهي كثيرة جداً -. أنا أدرك ظروف مثل هذه القنوات المستجدة التي تخرج إلى الفضاء خلسة، وتخاطب بلغة مختلفة، تخرق عبرها كلَّ الخطاب الإعلامي العربي المتخبط وتعاكسه. تتحدث القناة باسم النظام العراقي السابق وتستعيد مونولوجاته والبيئة الفنية والعقائدية والثورية لفترة المقاومة العراقية ضد الأميركيين. لا يوجد وقت كاف للقائمين على القناة لتغيير أي شيء في الخطاب القديم إلا من خلال الشريط الإخباري أسفل الشاشة، والذي يحمل رسائل عزة الدوري نائب الرئيس العراقي الأسبق، وفيها مزيج من الخطاب الإسلامي الطائفي المنكّه بلغة بعثية قديمة مخمرة.
لطالما اعتبر أنور السادات في طول البلاد العربية وعرضها «خائناً» للقضية العربية في صراعها مع العدو الصهيوني. شذّت عن الإجماع سلطنة عمان. حدث ذلك مباشرةً بعد زيارته للقدس وعقده اتفاقية كامب ديفيد. قوبل بحالة جماهيرية رافضة خرجت في معظم الشوارع العربية، وأصاب الذهول والصدمة الجميع من تصرف السادات الذي كسر كل المحظور العربي وكل «التابوهات» المحرمة في التعامل مع الصهاينة، والذي كرستها قمة الخرطوم بلاءاتها الثلاثة (لا صلح، لا اعتراف، لا مفاوضات) بعد هزيمة 5 حزيران 1967. كان الرفض أكبر ما يكون في الشارع المصري ذاته، وإن صدّرت وسائل الإعلام المصرية وقتذاك موافقة الشعب المصري ومباركته لتلك الخطوة، وتغاضت عن استقالة بعض الوزراء في عملية التفاوض ورفضِ نخبٍ كثيرة من السياسيين والمفكرين المصريين لتحرك السادات.
بدت العقلية التي انبنت عليها مبادرة السادات ساذجةً غير سوية،

لتمت استعادة أنور السادات
في العقدين الماضيين
على مراحل


فيها خلل منطقي وأخلاقي لخصته لقطاتٌ من الفيلم المذكور، قال أنور السادات لحلاقه الخاص في أحد المشاهد: «لو أن شخصاً بلطجياً جاء وأخذ محلك الذي يحوي بعض الكراسي وصالون حلاقة، وبدأتَ أنت تصرخ أمام الناس ولم يقف معك أحد في استعادة المحل ماذا تفعل؟! كلُّ ما قمتُ به أنا أني قمتُ باستعادة كرسي لك لتستمر بالحلاقة».
سياسةٌ مبنيةٌ على تمرير التنازل والانكفاء، وتبرير التخلي والاكتفاء بتحقيق جزء من الحقِّ، وكأنه انتصار كبير. فلا يهم بحسب منطقه ومنطق المعجبين بشخصيته مصير المحل ذاته، ولا مصير كراسي إخوته في المحل طالما أنه استطاع أن يخرج فائزاً بكرسيه الخاص، ولو اشترط البلطجي ومن معه أن يخرج السادات بعيداً من مصير النزاع المستمر بين إخوته والبلطجي، أو لو أن البلطجي استولى على المحل كله، بإعطاء الكرسي للأخ الكبير كرشوة لإبقائه متفرجاً على حلبة النزاع تاركاً أشقاءه لمصيرهم البائس.
إن هذا المثال المبسط الذي طرحه الفيلم ساذجٌ لكنه على بساطته وسذاجته موضِحٌ بالفعل لما حدث، تركزت السياسات الصهيونية تاريخياً منذ البدايات على إخراج مصر من الصراع عبر سيناريوهات مشابهة لما حصل تنتهي بتسوية منفردة، وبات بمقدور جميع المهتمين الاطلاع على الوثائق الإسرائيلية المفرج عنها من تلك المرحلة، والاكتشاف بسهولة الخطط الصهيونية في إخراج مصر من الصراع عبر استراتيجية «الصيد بالرمح المقذوف» و«الأرض مقابل السلام» التي ابتدعها بن غوريون، واجترها العرب من خلفه، وتعني بالنص الاستيلاء على أجزاء من الأراضي العربية. وعند التفاوض يدفع الثمن تخلياً عن القضية (تمكن مراجعة خطط المؤسسين الصهاينة الاستراتيجية لمصر والمنطقة في مراجعات الوثائق عبر مقالات محمد حسنين هيكل: سياحة صيف في الوثائق الإسرائيلية).
يعتبر البحث والخوض في ملابسات التفكير الساداتي في حرب 6 تشرين الأول عام 1973، والقنوات السرية التي نشأت بين السادات والأميركيين، إن قبل الحرب أو أثناءها أو بعدها، أو عبر الطريقة التي أُديرت فيها المفاوضات، والنتيجة النهائية التي وصلت لها، وحالة الانكفاء المصري عن قضايا الأمة العربية بعد التوقيع على اتفاق كامب ديفيد ولغاية نهاية حكم حسني مبارك والحالة المذرية التي آلت إليها مصر بعدما وعدت بالرفاهية والتنمية والازدهار.
البحث الدقيق في كلِّ ذلك يشبه محاكمة لمرحلة السادات، وبداية الانهيار والتخلي العربي عن قضاياه، بعدما بلغ الحلم العربي القومي مبلغه الأعظم في الفترة الناصرية الممتدة من منتصف الخمسينيات والعدوان الثلاثي على مصر ولغاية نكسة الحلم القومي الأولى عام 1967.
احتفت وسائل الإعلام الغربية بالسادات وعاملته كنجوم هوليوود، خصوصاً بعد منحه جائزة نوبل للسلام في كانون الأول 1978 مشاركة مع مناحيم بيغن، قبل أن تنشر عنه مجلة «صنداي تايمز» صفحةً كاملة تتهمه بالدكتاتورية وفيها صورته ورأسه بشكل حمار بعد أن قام باعتقال 1536 من كبار القيادات المصرية الدينية والفكرية والسياسية والحزبية في أيلول1981 قبل اغتياله في السادس من تشرين الأول. إن الإنصاف يسمُ المرحلة الساداتية كتتويج لنجاح مبهر للاستراتيجية الصهيونية في أرض العرب، وجاء السادات ليكون بحقّ رائدَ طريق التخلي والتنازل.
تمت استعادة السادات في العقدين الماضيين على مراحل، وبدأ التسويق لعبقرية الرجل وأسبقيته في فهم مستقبل الصراع، وكشخصية نموذجيةً في البراغماتية السياسية واقتناص الفرص والذكاء منقطع النظير، بينما لا يغدو مقياس كل الصفات السابقة إلا عبر مقارنته بالوضع الكارثي والواقع المذري الذي آلت إليه الأمة العربية في عصرها الراهن، مقارنةٌ واستجلابٌ مشبوهان خارج ظروفه الموضوعية وزمنه الحقيقي.
تقدمت أولاً دولُ الخليج العربي باستعادة «حكمة» السادات في وجه العدوان العراقي عليها كخطاب «نكاية ومناكفة» للتيار القومي العربي بعد احتلال العراق للكويت. راحت الصحف الخليجية تصف القوميين العرب بالقومجية، وخطابهم بالخشبي. وذهب أحدُهم إلى تقسيم العرب عبر مجلة العربي ذاتها إلى ثلاثة أصناف: عرب العز وعرب الطظ وعرب الرز. احتفظ الخليجيون لأنفسهم بوصف عرب العز بينما تركوا للقوميين العرب بدولهم المختلفة بقية الأنواع الأخرى بين عرب الطظ، أولئك الثوريين المعاديين للهيمنة الغربية، وعرب الرز الذين ليسوا إلا أفواهاً جائعة فقيرة بحاجة للسدِّ والإغلاق بمزيد من الطعام.
إن المرحلة الساداتية في مصر تكاد تكون هي القاطرة التي أوصلت مصر إلى حالتها المأزومة الراهنة. ولعلها تستعاد اليوم في مصر من قبل «الإخوان» والمسؤولين عن قتله كفعل ندمٍ لأفضال الرجل على التيار الديني وقتها، حيث شهدت الأحزاب الدينية فترة سماح وانفلاش بعد كمون، ومارست تأثيراً كبيراً لطحن الأحزاب القومية الناصرية التي كانت تنغص على السادات خطَّه السياسي، قبل أن يدخل معهم في مواجهة قبيل قتله بأيام. وهنا يُرجع لخطابه الأخير رداً على موجة الاعتراض الشديد عليه، فقد وصف شيوخ المسلمين الذين ترك لهم مساحة التفرد في الساحة السياسية بأوصاف لا تليق، وأنه لن يرحمهم مطلقاً، وسيكون مصيرهم «مرمين في السجون كالكلاب» مثل الشيخ المحلاوي أو التلمساني.
فيما لا يستعاد السادات من قبل السلطة الحاكمة الحالية والشعب المؤيد لها إلّا بسبب كونه وجهاً آخر للقيادة العسكرية المصرية، تماماً مثل عبدالناصر وحسني مبارك والسيسي، غير أن المرحلة الجارية المقبلة تحمل إرهاصات الحلم الناصري القومي أكثر من كلِّ المشاريع الأخرى.
الغريب المدهش أن تستعيد أصواتُ البعث العراقي الإعلامية سيرةَ السادات في هذه المرحلة، وتكررها مرات متعددة في الأسبوع الواحد. ولا يجد من يذكّر «القوميين» العراقيين أنهم كانوا أولَ من سارع إلى تشكيل جبهة الرفض العربي، وجبهة الصمود والتصدي في وجه خروج مصر المنفرد من الصراع، وأسبغ على السادات صفة الخائن لقضايا العرب.
في هذا الزمن الذي يصبح فيه نبيل العربي أميناً عاماً للجامعة العربية، وعبرها تمرر كل القرارات التي تستبيح الدول العربية أرضاً وجواً، وتُرسم فيها الحججُ والذرائع لكل غزوات الأطلسي في أراضي العرب. وفي وقت يُطرح اسم حمد بن جاسم وزير الخارجي القطري كمرشح لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، وجلَّ ما يفاخر الرجل به في سيرته الذاتية أنه كان ذات يوم عرّاباً للمناقصة التي دعيت «الربيع العربي» ومساراته الكارثية في البلدان العربية، وأنه صاحب استثمارات هائلة بفائض أموال عربية، جاءت بها حقول الغاز العربي وعوائد صفقات مشبوهة يصحو عليها العالم وينام.
في الوقت ذاته الذي يرمي به كثير من جماهير المسلمين أحمالهم وآمالهم العريضة، ويلقون بها على أكتاف أردوغان كمخلص ومنقذ أخير لنكباتهم، متناسين التاريخ القريب للسلطنة العثمانية في أرض العرب وعواقبها الوخيمة.
في وقت تطوف المعارضات العربية عواصم الدول الغربية، محرضةً على بلدانها مطالبةً العالم بذرائع مختلقة لتهديم البنى الأساسية لبلدانها ومجتمعاتها، ولا تجد موانع في طريقها للسلطة لو أجلست الوطن ذاته على خوازيق التقسيم والتفتيت وهدم الكيانات الوطنية، لم تعد هناك محرمات للوصول إلى السلطة حتى لو وضِعت يدُ الدين المقدسة في يد الدول المعادية القديمة وأحلافها التقليدية أو في أيدي العدو الصهيوني ذاته وأحضانه الآثمة.
نضطر اليوم لسماع محاضرات الحرية وحقوق الإنسان وتصدر لنا الثورات والمارشات العسكرية من أكثر الدول تخلفاً وخضوعاً للهيمنة الاستعمارية، فترسل الصحاري القاحلة رياح الخماسين لتزهر الربيع في بلادنا.
يدلُّ كلُّ ذلك على مجمل الأزمة الذي يعيشها العقل العربي، فيبادر إلى تاريخه القريب ويستخرج منه شخصيات وصفت بالانتهازية والتخلي والخيانة، ليضفي عليها هالة العبقرية والفهم والذكاء والألمعية، ويعطيها قصب السبق لمجرد أنها استطاعت التعامل مع هذا الخط التآمري على الأمة، وقدرت على انتزاع شيء منه ولو كان جزءاً بسيطاً من حقها.
شيءٌ أشبه بالمازوخية السياسية التي أدمنت ظهور المحررين الغرباء وأسواطهم الطويلة، وأدمنت جر خيوله أو الانسحاق تحت سنابكها وهللت لمدرعاته الفولاذية وتسابقت لاعتلائها وصولاً للسلطة.
تختلط الأوراق في عالمنا العربي في هذا الواقع المأسوي المأزوم، فتُستقدم النماذجُ المشبوهة السيئة خارج سياقها، ولا يدرك الذين يستقدمونها أنفسهم أن هذه النماذج ذاتها كانت هي من فتحت الطريق لهذا النفق المظلم الهابط الذي مازالت تنزلق فيه الأمة العربية من دون توقف.
* كاتب سوري