من باريس اليوم حيث وقع الاعتداء الإرهابي، إلى نيويورك عام 2011 وتحديداً "وول ستريت" حي المال والأعمال الذي شهد احتجاجات ضد توحش رأس المال، ومن هنالك إلى الوطن العربي وتحديداً ميدان التحرير في القاهرة، حيث بدأت الثورة. أماكن وتواريخ وأحداث يبدو للوهلة الأولى أن لا رابط بينها، ولكن لو تنازلنا قليلاً عن السهل الذي يوفره كسل الإجابات الجاهزة والكليشيهات المعدة مسبقا، لربما استطعنا إعادة تركيب المشهد بشكل مختلف.


رغم استثنائية ما وقع في "شارلي ايبدو"، وخصوصاً بالنسبة إلى فرنسا التي لم تشهد أحداثاً كهذه منذ أربعين سنة، إلا أن ذلك يأتي في سياق ظاهرة الإرهاب الدولي التي أخذت بعد أحداث 11 أيلول الأميركية منحاً خاصاًَ، وما لبثت أن دخلت حتى اليوم منعطفات عدة كان آخرها ما يحدث حالياً في سوريا والعراق وظهور ما يسمى بـ "داعش" التي ستقذف بنا في جوف سنوات مقبلة أشد سواداً. ظاهرة لم تولد كما نعلم من رحم الصدفة ولم تسقط علينا من فراغ، بل كانت عناصرها الأولية والبدائية موجودة في جوف إيديولوجيا تتغذى على جهل تركه لنا تاريخ لم ننقحه بعد، فتلقفته قوى كبرى تعرف كيف تستثمر ذلك في حروب رابحة.
المهم هنا، أن الإرهاب هذا ارتبط بالمسلمين والعرب، أو بكلمات أدق ألصق بالعرب المسلمين، ورغم إصرارنا على انه لا يمثلنا ولا يعبر عنا كما نردد بعد كل اعتداء، إلا أننا لم ننجح حتى الآن في بناء خطاب متماسك في وجه من يقتادنا عنوة إلى متن هذه الظاهرة خدمة لمصالحه. بل نقذف بأنفسنا إلى داخلها من دون أن نشعر حين نخلط بين تفسير ما يحدث وتبريره. الخطيئة في موقفنا الحالي من هذه الظاهرة، أننا نربط بين نقدنا للغرب وازدواجية سياساته تجاه قضايانا وبين اعتداء يطاول صحيفة في باريس أو مقهى في سيدني، فنقول مثلاً: ذوقوا منه، فهذه نتائج ما تفعلونه في بلادنا. الإرهاب الذي دعمتموه في العراق وسوريا ها هو يرت عليكم.
رغم صحة ذلك، إلا أن هذا الربط بهذه الطريقة يعبر عن خطاب سطحي مبتور يفتقر لرؤي شمولية للمشهد الذي نحن أمامه، ويتعامل بمنطق الفعل ورد الفعل. كما ينسى أو يتناس مضمون الثقافة والإيديولوجيا الحاضنة للإرهاب من جهة، ويجهل ماهية النظام الغرب الرأسمالي من جهة ثانية. في حين لو خرجنا من الجزئيات والأحداث المجردة ودققنا النظر في هذا المضمون وتلك الماهية لوجدناهما في تكامل نعززه ونقويه بطرحنا هذا.

لا يكفي أن نعرف أننا
مستغلون ولكن الأهم أن نعرف كيف يجري استغلالنا
هذا التكامل يكمن في أن النظام الرأسمالي لا يمكن أن يعيش من دون عدو خارجي، فإن ل يوجد في الحقيقة سيصنعه من الوهم. بعد أن كانت الشيوعية عدواً حقيقياً كونها تقدم بديلاً مناقضاً لجوهره، فها هو يصنع عدواً وهمياً اسمه "الإسلام". الفائدة التي تجنيها الرأسمالية من هذا العدو الوهمي هي أنه يحرف الصراع معها عن مساره الصحيح المتمثل في مناهضة السيطرة السياسية والاستغلال الاقتصادي العالمي، ليدخلنا في متاهات حروب غير حقيقية ذات طابع ثقافي وحضاري وديني، وهو الهدف الذي سعى إليه ونظّر له كثيراً مفكرو هذه الرأسمالية أمثال صموئيل هنتنغتون الشهير وفوكوياما.
بعد اعتداءات 11 أيلول الأميركية، التقط جورج بوش الابن الفرصة وقام بتدشين هذه المرحلة، معتبراً أن الصراع المقبل حضاري، أي بين الإرهاب والحضارة أو ما بين التعصب والديموقراطية، وكنا في العالم العربي أول من صدق هذه الكذبة، فرددنا كالببغاء مقولة "الحرب على الإسلام". في حين لو دققنا النظر في ما فعله بوش في اليوم التالي لتلك الاعتداءات لوجدنا أنه سبح بدماء مواطنيه للوصول إلى منابع النفط في العراق وأشعل الحروب لمصلحة شركات السلاح. لم نتنبه حينها كيف تم الربط سريعاً ما بين تلك الهجمات وبغداد، مع أن من تبناها كان آنذاك يسكن أفغانستان. ولم نسأل أنفسنا إذا كان بوش يكرهنا لأننا مسلمون، فلماذا ذهب إلى بغداد وترك السعودية حيث تسير الجاهلية هناك على قدمين من ذهب؟ أو إذا كان يكرهن لأننا عرب، فما هو سر العداء بينه وبين فنزويلا مثلاً؟
كلنا اليوم أصبحنا نعيش بل نخضع لنظام سياسي واقتصادي معولم. بعد سقوط الاتحا السوفياتي أصبح هذا العالم بجهاته الأربع ملك ذاك النظام بلا منازع، وهو يتحرك ويسير فقط خلف شهوته وجشعه. جشع لا يصيبنا وحدنا بل يصيب مواطنيه قبلنا. توحش هذا النظام أفرز حركات مناهضة له ولعولمته في بلاده أولاً، منها حركة "احتلوا وول ستريت" التي جاءت بعد أشهر قليلة من بدء الثورة في كل من تونس ومصر عام 2011 ونالت اهتماماً إعلامياً خاصاً آنذاك، وكل من الحركة والثورة جاءتا في أعقاب الأزمة الاقتصادية عام 2008.
المحتجون في "وول ستريت" في نيويورك عرفوا حركتهم بجملة واحدة تشير إلى المسا الحقيقي للصراع حيث قالوا: "إن الشيء الوحيد الذي يجمعنا هو أننا نشكل 99% من الشعب الذي لم يعد يتغاضى عن جشع وفساد الـ1% المتبقي". وبعد أسابيع قليلة على بدء تل الحركة الاحتجاجية، تبين أن نسبة الـ99% هذه موجودة في كل دولة من دول العالم تقريباً حيث امتدت الاحتجاجات الى خارج الولايات المتحدة في ما عرف بـ"يوم الغضب العالمي".
من خرج إلى الشوارع عام 2011 سواء في حركة الاحتجاج في الشمال أو الثورة في الجنوب هو الشباب المتعلم، خريج الجامعات والعاطل من العمل. خرج لهدف واحد هو المطالبة بالعدال الاجتماعية التي تسحق وتداس يومياً من قبل رأس المال العالمي ووكلائه "الكمبرادوريين" المحليين في دول الجنوب. في تونس ومصر رفع شعار "خبز وحرية" وفي "وول ستريت" ودول أوروبا رفع شعار "الإنسان قبل الدولار". تعبيران مختلفان في الشكل يشيران إلى ذا المضمون والقضية.
الفرق بين هذه الحركات والثورات وظاهرة الإرهاب العالمي التي نحن أمامها، كالفرق بين الحقيقة والوهم. فالحقيقة هي أن استغلال الإنسان اليوم بات مسألة عالمية عابرة للقوميات والهويات والأديان والأعراق. اقتصاد العالم أصبح واحداً يرتبط ببعضه ميكانيكياً وله مركز يسيطر عليه ويتحكم به، فحين بدأت أزمة العقارات في أميركا عام 2008، سرعان ما تحولت لأزمة عابرة للحدود. وكشفت بوضوح أن التناقض الحقيقي ليس بين هويات وقوميات، وإنما بين الـ99% من المستغلين والـ1% المستغل. فمع أن البنوك والشركات الكبرى هي المتسببة في تلك الازمة، إلا أن الحكومة الاميركية وانسجاماً مع جوهر الرأسمالية، تدخلت لإنقاذها وحمايتها تاركة المواطن المنتمي للغالبية الساحقة غير المقتدرة لقدره بغض النظر عن لونه أو عرقه. وفي مصر على سبيل المثال، مارس نظام حسني مبارك آنذاك ذات السلوك والمنطق تجاه ارتدادات هذه الأزمة العالمية، حيث هرب بالدولة من تحمل مسؤولياتها تجاه الغالبية المحتاجة ممعناً في سياسات الخصخصة التي لا تعود بفائدة إلى على أصحاب الـ1%.
بينما الوهم هو التغاضي عن عولمة الاستغلال والسيطرة والقهر، واستبدالها وحرفها باتجاه عولمة الدين والعرق وطرح ذلك على انه نقطة التناقض ومحور الصراع. هذا الانحراف الذي توفره هذه الحركات الدينية وإرهابها يمثل خدمة مجانية للرأسمالية، حيث تسقط عنها صورة المستغل المضطهد وخصوصاً في عيون مواطنيها، ويحولها بدلاً من ذلك إلى الحامي المدافع والضامن لأمنهم الداخلي. تصبح الجنسية واللون والدين هي محاور التناقض، وبالتالي بدلاً من أن يكون الصراع بين الغالبية التي لا تملك مقابل الأقلية التي تملك كل شي، يصبح بي المستغلين أنفسهم. لا ندعي هنا أن أوجه الاستغلال في الشمال والجنوب هي واحدة وبذات المستوى، ولكن ما ندعيه أن هنالك سلباً واستغلالاً مشتركَين ممارسَين على الطرفين وسيزدادان مع مرور الوقت ومع ازدياد توحش رأس المال، ما يستدعي التضامن أكثر مما هنالك تناقضات حضارية وثقافية تستدعي الصراع.
هذا التحليل لا يعني تحييد عناصر الثقافة والتاريخ بالكامل من العلاقات الدولية والعلاقة ما بين الشعوب، بالعكس فهي موجودة ولها تأثيرها، ولكن ما يختلف هنا هو منطق طرحها وسياق فهمها وبالتالي طريقة التعامل معها. فهنالك جهل كبير في معرفة كل من الشرق والغرب ببعضهما. لدى كل طرف صور نمطية جاهزة عن الآخر وهي صور لها سياقاتها التاريخي والاجتماعية، فالاستشراق كان وما زال في جانب منه سلاحاً للسيطرة على الشرق وتجهي الغربي به لتسهل تعبئته ضده. والمستشرق مازال موجوداً بصور وهيئات مختلفة، فالإعلام الغربي اليوم يقوم بهذه المهمة على أحسن وجه، فهو منحاز مضلل وباتر للحقائق. كتاب وروائيون أيضاً يؤدون المهمة ذاتها.
وربما نحن هنا علينا ان نقرّ ونعترف بأن نقطة ضعفنا ضمن هذا المشهد تكمن في أننا ما زلنا تربة خصبة لتدار فيها حرب وهمية كهذه اسمها "صراع الحضارات". فنحن لم نحسم بعد علاقتنا بالتاريخ والدين، ولم نجد التعبيرات الحديثة لهوية تنتمي للعصر الحديث، لذلك هنالك من يلاحق الكاتب والكلمة في بلادنا قبل أن يذهب لملاحقتهما في فرنسا.
ولهذا علينا أن ندرك منطق الأشياء، فلا يكفي أن نعرف بأننا مستغلون ومسلوبون، ولكن الأهم أن نعي كيف يتم استغلالنا ولأية أسباب وبأية أساليب، وإلا حينها سنقع ضحايا جهلنا وسنسهم في إطالة عمر السيطرة علينا، وسنكون جنوداً في حرب وهمية غير حقيقية. الشاب المتأسلم والمنتمي لحركات اسلاموية ليس هو المدافع عن حقوقنا ولا المعبر عنها.