منذ بداية عصر استكشاف الفضاء، ايام الحرب الباردة، اعتبر البعض أنّ تلك المهمات «العلمية» هي مدعاةٌ لمصاريف هائلة بلا مردود واضح (كلّف برنامج «ابولو» أكثر من 150 مليار دولار بأسعار اليوم). الّا أن تلك المشاريع كانت أكثر بكثير من مجرد برامج واختبارات علمية، فقد مثلت كل خطوات استعمار الفضاء ارتباطاً وثيقاً بتكنولوجيا عسكرية ذات أهمية استراتيجية؛ من الأقمار الصناعية الخاصة بالتجسس والاتصالات وتحديد المواقع وصولاً الى وضع أسلحة نووية في الفضاء.

البرنامج الصيني لارسال بعثات الى القمر، «تشانغ-اي» (على اسم الهة القمر الصينية)، لا يشذّ عن هذه القاعدة، خاصّة بعد أن فهم المعنيون في الدوائر العلمية والعسكرية أهميّة الثروات التي يختزنها سطح الجرم المجاور لنا، وتحديداً العنصر السحري: هيليوم-3.

الهيليوم-3 غازٌ بالغ الندرة على كوكب الأرض، ويمكن الحصول على كميات ضئيلة منه من مخلّفات الوقود النووي، ولكنّه موجودٌ بكميات كبيرة على سطح القمر، وبعمقٍ لا يتجاوز السبعة امتار تحت تربته. منذ عقود، يحاول العلماء تصميم مفاعلات «انصهار نووي» معتبرين انّها ستكون طاقة المستقبل، وفيرة ونظيفة (المفاعلات الحالية تعمل على الانشطار، وهي عملية – اضافة الى كونها اقل فعالية من الانصهار – تخلّف مواد مشعّة وسامّة).
الصين هي من الدول الرائدة في أبحاث مفاعلات الانصهار النووي، ومن أهم العوائق أمام هذه التكنولوجيا اليوم عدم توفر وقود نظيف، لا يترك اشعاعات ومخلفات تعقّد عمل المفاعل. هنا يدخل الهيليوم-3 واستكشاف القمر، اذ أن الغاز النادر، الذي لا يخلّف نيوترونات فائضة حين تنصهر ذراته (ما يسبب التلوث الاشعاعي) يسمح باجراء الانصهار النووي بشكلٍ مثالي ونظيف. يقول الخبراء إن طناً واحداً من الهيليوم-3 يوازي أكثر من خمسة ملايين برميل من النفط، وقادر على توفير الطاقة لمدينة كطوكيو لعام كامل.
هذه المعادلة هي التي تجعل استخراج وتوريد الهيليوم من القمر اقتراحاً ذا جدوى، وهي التي حفّزت الصين على المبادرة باطلاق مشروعها، الذي ابتدأ بارسال أول مركبة دارت حول القمر عام 2007، وأوّل مسبار الى سطحه العام الماضي، في حين ستقوم المهمة الخامسة، عام 2017، بوضع روبوتٍ مجهّزٍ بمثقاب ليحمل معه كيلوغرامين من تربة القمر الى الأرض – وابتداء من عام 2025، تخطط الصين لارسال رواد فضاء وانشاء محطة دائمة.
الصين تفهم التحديات الطاقوية التي ستواجهها ــــ والعالم ككل ــــ في المستقبل، ومدير مشروع «تشانغ-اي» هو باحثٌ يؤمن بشدة بضرورة استخراج الهيليوم من القمر وتأمين مستقبل الأرض بهذه الطريقة. غير أنّ هذه المشاريع، (تماماً كالوعود التي رافقت أبحاث انشطار الذرة في الأربعينيات)، تخبىء غالباً خلفها منطقاً عسكرياً. فالوجه الآخر للهيليوم-3 انّه، مثلما يسمح بانتاج طاقة نووية نظيفة، فهو يسمح ايضاً بتركيب قنبلة نووية «نظيفة»، تدمّر من دون اشعاعات وتلوّث، ما يسمح باستسهال استخدامها، من دون وازعٍ أو قلق من النتائج.