تعتبر الموزاييك أو الفسيفساء إحدى أقدم الفنون التصويرية، إذ يمكن العودة بها إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد، حيث كشفت التنقيبات الأثرية عن استخدام شعوب بلاد ما بين النهرين للحصى من ألوان وأشكال متنوعة في صناعة قطع فسيفساء لكساء الأرضيات. واستخدم السومريون (الألف الثالث قبل الميلاد) تقنية أخرى قوامها استعمال قطع من الخزف متعددة الألوان بين الأحمر والأبيض والأسود لترصيع الحيطان بهدف تزيينها وحمايتها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه التقنية لا تزال موجودة حتى أيامنا هذه، وتستخدم في جنوب فرنسا وإيطاليا.

لم تلبث تقنية الفسيفساء الحصوية أن انتشرت في حوض البحر المتوسط، واستخدمتها شعوب متنوعة، من بينها اليونايون الذين وصلتهم الموزاييك في القرن السادس قبل الميلاد، وظهرت الفسيفساء ذات التصوير البشري، لا سيما في كورنتس وصقلية، ليزداد استخدامها في القرنين التاليين قبل أن تبلغ صناعة الموزاييك اليونانية أوجها في بيلا عاصمة المقدونيين في عصر الاسكندر، وتتوسع تقنية الفسيفساء خلال الفترة المقدونية وتنتشر في العالم الهليني.

بالإشارة إلى أنّ الفترة الممتدة بين القرنين الثالث والأول قبل الميلاد شهدت تطور تقنية جديدة، انتقالية بين الحصى والأحجار، معلنة مرحلة الفسيفساء ذات المكعبات الفسيفسائية قوامها المزج بينهما، وتعود أقدم الفسيفساء، ذات المكعبات، إلى منتصف القرن الثالث قبل الميلاد في صقلية.
ارتبطت الموزاييك باليونان القديمة، حتى أنّ اسم التقنية في اللغات الأوروبية –موزاييك- من الأصل اليوناني (μουσείον، mouseion) واللاتيني (musivus) والذي يعني مكاناً تسكنه ربات الفنون (Muses) في إشارة إلى بنات الإله زوس والآلهة منيموزين، مرتبط بالميثولوجيا اليونانية. أما كلمة فسيفساء في اللغة العربية فتشتق من اليونانية «فسيفوس» وتعني الحجر الصغير.
مع ازدهار وتطوّر الفن الروماني أخذ الرومان هذه التقنية عن الإغريق، وطوروها بشكل كبير، وبلغت حداً كبيراً جداً من الدقة والجمالية، وكان عامل الوحدة السياسية مهمّاً في انتشار الفسيفساء في مختلف مناطق الإمبراطورية، من روما إلى آسيا الصغرى. فنجد كمّاً كبيراً من الفسيفساء على جدران المباني وأرضياتها، من المباني الرسمية أو العامة، وصولاً إلى الدور الخاصة.
كان للحوض الشرقي للبحر المتوسط حصّة من هذا الفن، خصوصاً أن منطقتنا كانت جزءاً من الإمبراطورية الرومانية، لما تزال بلدانها، كلبنان وسورية والأردن وفلسطين، تحتفظ بشواهد كثيرة من تلك المرحلة. كتلك التي اكتشفت على الساحل اللبناني، أو في شهبا، أو معرّة النعمان، أو أفاميا وغيرها من المواقع.
مع انتشار المسيحية وتحولها إلى ديانة معترف بها، مع الإمبراطور قسطنطين، ومن ثم الديانة الرسمية مع تيودوز الثاني، في نهاية القرن الرابع، كان الفن التصويري أحد ميادين التعبير عن التغييرات الدينية، وإن كانت إرهاصاته قد بدأت سابقاً في فترة مبكرة جداً.
بلغ الرومان الشرقيون («البيزنطيون») بفن الموزاييك مستويات جمالية رائعة، لا يزال الكثير من شواهدها مبهراً إلى اليوم على امتداد مساحة آسيا الصغرى واليونان، إذ وصل فن الموزاييك البيزنطي إلى ذروته بين القرنين العاشر والثاني عشر، أي بعد فترة محاربة الأيقونات، وهي مرحلة جدل لاهوتي كبير تحوّل إلى نوع من الحرب الأهلية في الإمبراطورية، بين القرنين الثامن والتاسع (726-843)، وشاع خارج حدود الأمبراطورية، وصولاً إلى روسيا وصقلية والبندقية. بعد سقوط القسطنطينية في يد اللاتين، مع الحملة الصليبية الرابعة وانتقال العاصمة إلى نيقيا، خفت وهج هذه التقنية موقتاً قبل أن تعود للاشعاع في القرنين الثالث عشر والرابع عشر.
وتحتفظ العاصمة، القسطنطينية، بشواهد عن هذه المرحلة،

ضريح السلطان بيبرس
في دمشق هو من أواخر نماذج العمارة الإسلامية التي تستخدم الموزاييك

أجملها كنيسة المخلّص «كورا» التي تعود الفسيفساء فيها لبداية القرن الرابع عشر. في المرحلة نفسها تقريباً، أي بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر، عاد فن الموزاييك للانتعاش في أوروبا الغربية، وفي إيطاليا خصوصاً حيث نلمس تأثيراً بيزنطياً في بعض الأعمال، مثل كنيسة يوحنا اللاتران، القديس اكليمنضس، أو كنيسة مريم الكبرى في روما، الكنيسة البلاطية في باليرمو، كنيسة القديس مرقس في البندقية، أو كنيسة المعمودية في فلورنسا.
وفي التقليد الإسلامي، راجت الموزاييك في القرون الإسلامية الأولى مستوحية بشكل كبير من التقليد الروماني والروماني الشرقي، إن لجهة التقنيات أو لجهة مواضيع التصوير، وفي العمارتين المدنية والدينية. في العمارة الدينية نجد أن أول مبنى كبير في الإسلام، قبّة الصخرة، يستخدم هذه التقنية، إضافة إلى مبان أخرى، كالجامع الأموي في دمشق، أو مسجد قرطبة، أو ضريح السلطان بيبرس في دمشق، والذي يعود لعام 1277، وهو من أواخر نماذج العمارة الإسلامية التي تستخدم الموزاييك. أما في المباني المدنية، فالنماذج كثيرة، كحمّام قصير عمرة، وخربة المفجر، إلى قصر الحلابات. لكن الموزاييك رغم تألقها في مراحل الإسلام الأولى، واستخدامها المهم إبان الأمويين فقد بقيت مطبوعة ببيزنطيتها، وهو ما قد يكون من أسباب ضمورها في المرحلة العباسية، ثمّ اندثارها في تاريخ الفنون الإسلامية، رغم بعض مظاهر النهضة هنا وهناك.
أمّا في أوروبا فقد تقلص كثيراً استخدام الموزاييك، وكاد ينحصر في إيطاليا بفضل البابوية، وذلك بين القرنين السادس عشر ونهاية القرن التاسع عشر، الذي شهد نصفه الثاني، وبدايات القرن العشرين نوعاً من إعادة الاكتشاف لتقنية الموزاييك، بخاصّة في فرنسا خلال فترة حكم نابوليون الثالث (1852 - 1870)، ربّما بسبب الاحتكاك بإيطاليا، حيث شكّل بناء أوبرا باريس، وتزيينه من الداخل بحوالى 300 م2 من الموزاييك، على يد فاكينا وغارنييه، حدثاً بذاته كونه أعاد الاعتبار إلى الموزاييك كتقنية من جهة، وبخاصة كونه أدخل تغييراً ثورياً عليها اذ أصبحت بفضل تقنيته أسهل وأقل سعراً. وبهذا أصبحت الموزاييك سلعة كغيرها مطروحة في سوق العرض والطلب، مع ما يعني ذلك من كونها أصبحت بمتناول البورجوازية الناشئة، ما أخذها لمنحى صناعي، وساهم بانتشار أوسع لها. الأمر الذي فتح الباب أمام أعمال كبيرة في القرن العشرين، مع فنانين مثل غوستاف كليمت، انطونيو غيدي ومارك شاغال.
في منطقتنا، وفي سوريا خصوصاً، اقتصر عمل الموزاييك، منذ القرن الماضي، على الترميم الذي قام به الخبراء الأجانب الذين كشفوا عن مئات القطع الأثرية في البلاد، وعلى بعض المشاغل الحرفية التي تتركز في محافظة ادلب، وفي المناطق الصناعية، وتلبي الطلبات على أساس صناعي، وتقنية حديثة قوامها اللصق المباشر، والمسعّرة على أساس سعر المتر. أمّا في الشق الكنسي، فبقي الطلب محدوداً، ومحصوراً بعدد قليل من الأشخاص المحليين. في 2009 بدأ فادي حلواني، وهو شاب سوري، خريج كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، تجربة جديدة قوامها إحياء التقنية الكلاسيكية، البعيدة من النمط الانتاجي للمشاغل المنتشرة، أو لبعض صناع الموزاييك الكنسي، وقوامها رسم الصورة المراد تنفيذها على قطعة من الورق، بالحجم المرغوب ولكن بشكل معكوس. ثم يصار إلى تجزئة كل مساحة لونية في الرسم إلى أجزاء صغيرة، بعدد الأقسام المنوي رصفها. بعدها يتمّ رصف القطع، أو المكعبات، بحسب الرسم، وتستخدم مواد لاصقة لتثبيت القطع، ويتمّ حصر الرسم ضمن إطار خشبي أو غيره، على أن تكون الورقة (التي تمّ الرسم الأساسي عليها) إلى أسفل. ثمّ يتمّ سكب المواد فوق قطع الموزاييك، وتترك لتجف، ليقلب الإطار بعد ذلك، وتزال الورقة التي عليها الرسم، وتكشف قطع الموزاييك، ونحصل على لوحة فسيفسائية متحركة، يمكن تثبيتها على الجدار، أو وضعها في مكان آخر مخصّص لها. كما يمكن تثبيت الفسيفساء مباشرة على الحائط بواسطة مواد لاصقة مناسبة كالاسمنت أو الجفصين أو غيره.
بدأت التجربة بمحاولات فاشلة لنسخ لوحات بتقنية الموزاييك، إلى أن جاءت التجارب التالية مشجعة أكثر، فتمّ رسم وتطبيق لوحات عدة، كجدارية مار الياس في بانياس، وأيقونة للعذراء بشكل قنطرة، وأخرى لمار الياس في الدير الذي يحمل اسمه في طرطوس، وأيضاً أيقونتي القديس جاورجيوس، والرسول يوحنا الحبيب، اللتين نفذتا في دير مار جرجس المشتاية في 2013، وأعمال أخرى قيد التنفيذ، منها أيقونة المنديل في الناصرة (وادي النضارة) وفي دير التجلي كفرام، إضافة إلى نشاطه في مشغله في فيروزة في حمص.
أخيراً انتقل حلواني إلى لبنان حيث بدأ بتنفيذ عمل في القبيات، عبارة عن أيقونة العائلة المقدسة في مدرسة الآباء الكرمليين بطول 150 سنتم وعرض 90، إضافة إلى إعطاء دروس نظرية وتطبيقية في فن الموزاييك في المدرسة نفسها.
هذه الظاهرة تستحق التشجيع والدعم، وإن كانت البادرة فردية، والجهد معتمد على شخص واحد، يبقى أن العبرة في مدى إيجاد فرص لتنفيذ لوحات جديدة، وهذا يعتمد على مدى تجاوب الجهات التي من الممكن أن تشكل عنصر الطلب اقتصادياً على هذا الانتاج الخاص، ومدى قابليتها للتأقلم والتوليف بين حساسيتها الجمالية وبين ذوق الفنان صاحب اللوحة الأول في نهاية الأمر.
* باحث لبناني