الموارنة بين الماضي والحاضر


إن حال المسيحيين والموارنة في لبنان، على الرغم مما لحق بهم من هجرة وتهجير، تستدعي السؤال: هل من فرصة لنهوض المسيحيين والموارنة من جديد لاستعادة دورهم؟ وللجواب عن ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن الوقائع تشير اليوم إلى أن الانتشار المسيحي في لبنان لا يزال يغطّي كامل أراضي لبنان، من شدرا وعندقت والقبيات وشلالا، إلى عين إبل ورميش جنوباً، والبقاع شرقاً، فضلاً عن وجود فاعل ومهيمن في جبل لبنان، وفي الكورة والبترون وزغرتا وبشري، وذلك على الرغم من كل المآسي التي شهدها المسيحيون وتعرّضوا لها في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي. ومن باب المقارنة، فإن هذا الحضور اليوم هو أوسع وأشمل مما كان عليه في القرن السادس عشر، وذلك وفقاً لما جاء في الأطلس التاريخي للدكتور عصام خليفة، الذي تناول فيه نواحي لبنان في القرن السادس عشر لجهة التقسيمات الإدارية ـــــ الديموغرافيا ـــــ الأديان والمذاهب (2004). ففي المؤلَّف المذكور، يتبيّن أن الحضور المسيحي لم يكن على ما هو عليه حالياً لجهة المدى والانتشار...
إنّ إجراء مقارنة بسيطة للحضور المسيحي والماروني في لبنان اليوم، مع ما كان عليه في القرن السادس عشر، يجعل المرء يلاحظ أن هذا الحضور لا يزال شاملاً وفاعلاً في كل الأراضي اللبنانية تقريباً، الأمر الذي يقتضي معه تجاوز حالة القلق والإحباط السائدة حالياً في أوساطهم...
ولا بد من الإشارة إلى أنه يحلو للبعض الحديث عن حالة انقسام الموارنة وما يترتّب على ذلك من انعكاسات سلبية تهدّد موضوع الحضور المسيحي ومستقبله في لبنان. لهؤلاء نقول، إن الانقسام السياسي الماروني ليس بالأمر الجديد، فهو حالة تاريخية لديهم رافقتهم في كل مراحل حياتهم السياسية، وهو إن دلّ على شيء، فعلى تعلّقهم بالحرية التي كانت ولا تزال تمثّل ركيزة أساسية لثقافتهم، وتاريخهم خير شاهد على ذلك. فمن الموارنة مَن كان ضد الصليبيين ومنهم مَن حمل السلاح معهم، ومن الموارنة مَن كان ضد المماليك ومنهم مَن كان معهم، منهم مَن تعاون مع العثمانيين ومنهم مَن عارضهم، منهم مَن انفتح على الفرنسيين، أيام الانتداب الفرنسي، ومنهم مَن قاطعهم، وأخيراً منهم مَن حالف السوريين ومنهم مَن قاومهم وحمل السلاح في وجههم. وعلى الرغم من هذه الانقسامات، بقي الموارنة موحّدين حول جملة مبادئ وقيم، في طليعتها تعلّقهم بلبنان الكيان ووطن الحرية.
المحامي جوزف مخايل