strong>هشام صفي الدين*

يبدو أنّ التصاريح المطَمئنة عن النيات السلمية للقيادة الجديدة للإخوان المسلمين في مصر لم تحمِ أصحابها من العنف الاعتباطي للسلطة. فقد شنّ النظام حملة اعتقالات واسعة يوم الثلاثاء الماضي (فجر 9 شباط) شملت نائب المرشد العام محمود عزت والعضو في مكتب الإرشاد عصام العريان وغيرهما من القيادات الإخوانية بحجة انتمائهم لتنظيم محظور. هكذا تمارس الأنظمة العربية يومياً شتى أشكال العنف المرئي والمسموع والمحسوس على شعوبها، ثم يأتي من يتساءل عن الميول العنفية للحركات والتيارات الإسلامية، ويحذّر من عواقب هذه الميول في حال وصولها إلى السلطة.
نبذ العنف علانية وبكل أشكاله شرط من شروط قبول الأنظمة بوجود (لا حقوق) الآخر المعارض، الإسلامي أو غيره. نبذ العنف مرة واحدة غير مقبول طبعاً. يجب إشهار الطاعة باستمرار. هكذا يُستورد خطاب محاربة الإرهاب لقمع أي مقاومة. تشارك الحركات الإسلامية «المعتدلة»، عن وعي أو لاوعي، في إنتاج هذا الخطاب. لم يجد مثلاً المرشد العام للإخوان المسلمين المنتخب حديثاً محمد بديع بداً من التشديد، في خطاب تبوّء منصبه الشهر الفائت، على الوسطية، أي الاعتدال، في فهم الإسلام والتدرج في الإصلاح والتغيير. بُعيد انتخاب بديع، جزم القيادي في الإخوان عصام العريان قطعياً بأن احتمال استدراج الإخوان إلى العنف «بعيد جداً جداً يصل إلى درجة الاستحالة». عقود التزمت خلالها الجماعة بالنأي في ممارستها السياسية عن أي شكل من أشكال العنف، بينما تعرضت وتتعرض لعنف مضاد من السلطة، لكنها تعيد لتؤكد حسن نياتها السلمية.
اعتقالات 9 شباط مناسبة للتضامن مع المعتقلين الجدد من الإخوان وكل الأسرى السياسيين في مصر. ولكنها أيضاً مناسبة لمراجعة جدية لاستراتيجية الإخوان وكلامهم المتكرر عن نبذ العنف. فهذا الموقف من العنف السياسي لأكبر تيار إسلامي عربي، وتعريفه للنهج السلمي الذي يتبعه، لهما تداعيات مهمة على مستقبل الإصلاح في مصر والعالم العربي، وعلى مستقبل الإسلام السياسي كأيديولوجيا فكرية وممارسة سياسية. ودلالات رؤية الإخوان للعنف تزداد أهمية في حالة مصر اليوم. فإقليمياً، يتعاظم دور النظام المصري في إفقار مجتمعه وفي ضرب حركات المقاومة ودعم الأجندة الأميركية والإسرائيلية في المنطقة؛ وبالتالي، تزداد أهمية دور القوى المعارضة لهذا النظام في إنجاح هذه الأجندة أو إفشالها. ومحلياً، يأتي انتخاب المرشد الثامن للجماعة على عتبة الانتخابات البرلمانية المصرية في ربيع وخريف هذه السنة (الشورى ومجلس الشعب)، والرئاسية في السنة المقبلة، التي ستشهد بالأغلب توريثاً للحكم، ما يعني اختبارات جديدة ومفصلية للجماعة.
المشكلة ليست في نبذ العنف من حيث المبدأ، وهو موقف إيجابي يُسجّل للإخوان، ولكن في التصنيف الضيق للعنف ونقيضه. في مقالته «لن ينزلق الإخوان إلى العنف... لماذا؟» (نشرت على الموقع الرسمي للإخوان بتاريخ 17/1/2010)، يختصر العريان العنف بالانقلابات على الحكم وحرب العصابات لإنهاك النظام ومهاجمة الأقليات المسيحية والسياح الأجانب، أي بالوجه الفوضوي أو الإجرامي للعنف (ماذا عن العنف المقاوم الملتزم؟). ويعزو ذلك إلى «الإرهاب الفكري» الذي مارسته جماعات إسلامية أخرى نافست الإخوان في جذب الشباب لها، والتي راجعت ممارستها الخاطئة تلك. في المقابل، يكاد ينحصر العمل السلمي في التربية والتزكية للأفراد وفي احترام مبادئ الشورى والمساواة والنضال الدستوري لتغيير النظام عبر صناديق الاقتراع (ماذا عن العصيان المدني أو التظاهر أو الإضراب العمالي؟). فهل تتناسب هذه الطروحات مع متطلبات المرحلة المقبلة للعمل السياسي والاجتماعي للجماعة إن أرادت فعلاً أن تحرك عجلة الإصلاح إلى الأمام؟ يعتمد العريان في عرضه لموقف الإخوان من العنف على أسس أيديولوجية (فقهية) من جهة، وعملية (تاريخ الجماعة في العمل السياسي) من جهة أخرى، وكلاهما مدخلان ضروريان لمراجعة شاملة وجدية لمشروع الإخوان الإصلاحي في حلته الجديدة.

أيديولوجيا العنف: بين التكفير والثورة

أيديولوجيّاً، يشير العريان إلى «فقه الجهاد» للشيخ يوسف القرضاوي الذي يدحض فكرة العنف الأهلي والتغيير الفوقي للنظم الحاكمة. ويشير أيضاً إلى أقوال مؤسس الإخوان حسن البنا وسيرته، مع أن الأخير، بحسب ما يورد العريان من أقوال له، لا يستثني القوة كخيار في ظروف معينة. اللافت في خطاب العريان، وحتى في خطاب بديع، غياب الفلسفة السياسية لسيد قطب. فلطالما ارتبط اسم قطب بالحركات السلفية والتكفيرية التي ينتقدها العريان. لا يتحول من يعتنق مبادئ قطب فوراً إلى بن لادن كما يتصور أو يصور لنا بعض العلمانيين المتشددين، وإن تحتمل هذه المبادئ تأويلات تفضي إلى منهج تكفيري أصولي. ولكن هذا الفكر القطبي نفسه يرتكز على بذور ثورية تتناقض مع الفكر الوهابي. غالباً ما يُقفَز فوق هذا التناقض بين قطب والوهابية عند الحديث عن الإسلام السياسي، رغم أهميته في فهم تعدد الأيديولوجيات السلفية. باختصار، تعود جذور هذا الاختلاف إلى مفهوم التوحيد لدى كل من ابن عبد الوهاب وقطب. في الفكر السلفي عامة، يتحقق التوحيد عبر الإيمان والعمل بركنيه: الألوهية (قدسية الله الواحد من دون غيره) والربوبية (سيادة الله على خلقه). وبينما تمثّل الألوهية عماد الفكر الوهابي التوحيدي، تمثّل الربوبية محور مفهوم سيد قطب للتوحيد. هكذا، يصبح التوحيد لدى ابن عبد الوهاب مسألة عبادة وامتناع عن أي شعائر قد تضفي قدسية أو ألوهية على كل ما هو دون الله كزيارة المقامات والمقابر إلخ. وعليه، لا يجوز عصيان الحاكم إلا في حال تفريطه بصون هذه الألوهية. أما سيد قطب، فيرتبط التوحيد عنده بعدم إعلان الطاعة إلا للّه، أي لا سيادة أو ربوبية لغير الله، وبالتالي لا سطوة للحاكم أو الحكم الذي لا يتبع شرائع الله (لا شعائره فقط كما يفتي الوهابيون). ليس صدفة إذاً أن يحتضن آل سعود الفكر الوهابي الذي يخوّلهم التحكم بالحياة الاجتماعية «لرعيّتهم» من دون أن يضع أي ضوابط على نهجهم في الحكم، بينما تحارب الناصرية ومن بعدها الأنظمة العربية فكر سيد قطب التكفيري للحاكم قبل المحكوم. ليس صدفة أيضاً أن تركز المؤسسات والهيئات الدينية التابعة للسلطة على المفهوم الوهابي للتوحيد في نشر الدعوة السلفية بين الناس وبمباركة الأنظمة التابعة لها، بينما تميل الحركات الراديكالية لفكر قطب، وإن جمعت أحياناً بين قطب وابن عبد الوهاب في تصورها للدولة الإسلامية.
أين يقع فقه القرضاوي وكلام العريان عن العنف من كل ذلك؟ رفض العنف رفضاً قاطعاً كأداة للتغيير يكاد يفرغ الفكر الجهادي من ثوريته القطبية، والكلام عن إصلاح الفرد قبل الحكم والاهتمام بالتربية... الخ فيه الكثير من ذلك. من ناحية أخرى، وإنصافاً للخطاب الإخواني، فإن الإصرار على توجيه النقد للنظام والكلام عن الفساد وكشف تبعية الأنظمة للغرب ومهادنته بل دعمها للمشروع الصهيوني، يجعل هذا الفقه أيضاً غير متماه كلياً مع الفكر الوهابي المنصاع للسلطة والمهووس بالطقوس الدينية.
هل يمكن هذا الفكر الوسطي، الذي يمكن تسميته بالجهاد اللاعنفي، أن يحتفظ بثورية قطب من دون عنفيته وأن يُكتب له النجاح؟ فالابتعاد عن العنف السياسي بالمطلق قد يكون الطريق الأنسب للتغيير في هذه المرحلة. الجواب يعتمد على كيفية تعريف هذا الجهاد اللاعنفي في مقابل الواقع السياسي المعيش في مصر والأداء الإخواني خلال العقود االماضية. ما هي حصيلة المشاركة الإخوانية بالعملية «الديموقراطية» مثلاً، وهل يسمح الواقع الاستبدادي بفسحة أمل لمن يختار هذا الطريق؟

الإخوان في البرلمان: راوح مكانك


هل يمكن هذا الفكر الوسطي الذي يمكن تسميته بالجهاد اللاعنفي أن يحتفظ بثورية سيد قطب؟

منذ عام 1942 والإخوان يشاركون في الانتخابات النيابية في مصر (باستثناء فترة الحكم الناصري)، وإن مثّلت دورة 1984 المشاركة الرسمية الأولى لهم وقد فازوا بثمانية مقاعد حينها. شهدت دورة 1987 تبنّي الإخوان شعار «الإسلام هو الحل» وفوزهم بـ36 مقعداً برلمانياً. لم يرق هذا الصعود للنظام. حوكم 82 من قيادات الإخوان في 1995 بعد حملة اعتقالات واسعة، وسُجن أكثر من خمسين منهم. لم يفز في تلك السنة في الانتخابات سوى نائب إخواني واحد. وفي 2000، فاز 17 من أصل 70 مرشحاً لهم. جرت انتخابات 2005 بعد غزو العراق وهمروجة بوش عن الديموقراطية وضمن موجة من التعديلات الدستورية ونافذة من الحرية الصحافية. ومع ذلك، لم يُسمح للإخوان بالترشح لأكثر من 150 مقعداً من أصل 444، أي مُنعوا من الحصول على الأغلبية، حتى لو فاز كل مرشحيهم. حاز الإخوان رغم كل أساليب القمع والتزوير 88 مقعداً، أي 20% من البرلمان. بالمقابل، فاز الحزب الوطني الحاكم بأقل من نصف المقاعد أيضاً، ولم يحُز الأغلبية إلا عبر انضمام مستقلين له بعد الانتخابات (يترشح الإخوان وأهل السلطة كمستقلين: الإخوان بسبب حظر تنظيمهم وأهل السلطة بسبب السمعة السيئة للحزب الحاكم!).
أكثر من خمسين عاماً إذاً من المشاركة المتقطعة من دون أي إنجاز نوعي أو القدرة على تخطي المسموح به، وهو العسير من مقاعد البرلمان لا أكثر. لا نجد أيضاً صعوداً مستمراً للإخوان، بل تذبذباً مرهوناً لأهواء السلطة. في المقابل، لا تغيير أو تبديل في استراتيجية الإخوان. لا شروط واضحة يضعونها للمشاركة أو المقاطعة. فقط الإصرار على المشاركة والاكتفاء بما تتكرّم به السلطة من حدود للمشاركة. شرط بديهي كالترخيص لهم بإنشاء حزب ما زال معلقاً. لماذا إذاً الإلحاح على اختصار العمل السلمي بصناديق الاقتراع الفاسدة والكلام الاحتجاجي المكرر داخل البرلمان وخارجه؟ تزخر تجارب المقاومة اللاعنفية للحكم الظالم، من الهند تحت الاستعمار البريطاني إلى الولايات المتحدة في الستينيات إلى أوروبا الشرقية قبل انتهاء الحرب الباردة وبعدها، بالدروس التي يمكن الاستفادة منها والتي تتخطى العمل السلمي ضمن التعريف الضيق للمجتمع المدني الذي تروج له السلطة ويتبناه الإخوان في خطابهم. الإسلام السياسي نفسه في تركيا وإيران يوفّر نماذج إصلاحية متجددة ومتأقلمة مع متطلبات المرحلة. لم يتوانَ الإسلاميون الأتراك عن تأليف حزب جديد وباسم جديد كلما حظرتهم السلطات. وشكّكت المعارضة الإيرانية في الانتخابات الأخيرة بالعملية الديموقراطية عبر موجة احتجاجية غير مسبوقة، وتحت واقع أكثر إنصافاً لها من ذلك الذي واجهه الإخوان في انتخابات 2005.
ستجري الانتخابات البرلمانية المصرية هذه السنة في ظروف أكثر سوءاً من انتخابات 2005، مع اقتراب موعد التوريث وإدخال تعديلات دستورية نالت مما بقي من ضمانات قضائية لشفافية عملية الاقتراع، وبعدما تخلى الراعي الأميركي عن أي اهتمام ولو شفهياً بمشروع نشر الديموقراطية في المنطقة (باستثناء معارضيه لا حلفائه طبعاً كإيران وفلسطين). هي فرصة للإخوان للتوقف عن تكرار لازمة نبذ العنف والانشغال بتحديد مفهوم اللاعنف وتجديده ليصبح أكثر ديناميكية وفعالية في وجه السلطة. مفهوم لا بد أن يشمل تثبيت الحق الدستوري للإخوان بالممارسة السياسية قبل المشاركة البرلمانية، وحراكاً سياسياً كثيفاً خارج المساحات التقليدية للعمل السياسي، وتضامناً أكبر مع العمّال والمتضررين من ممارسات النظام الفاسدة. أمّا إذا ردّد الإخوان أنّ تبوّء الحكم ليس هدفاً لهم (رغم اهتمامهم المستمر والانخراط اللامشروط لهم بالعملية الانتخابية)، وبالتالي ما من ضرورة للتجديد والتصعيد، فحقهم هذا الخيار المرتبك والمتناقض. ولكن حقّ بل واجب كل مصري ومصرية مؤيد لهم حينها، أن يعيد وتعيد النظر في خياره أو خيارها للتغيير.
* باحث لبناني