بعد إقالة الصحافي جمال خاشقجي للمرّة الأولى من رئاسة تحرير صحيفة «الوطن» السعودية عام 2003، جاء الآن دور إقالته الثانية، التي أتت مغلّفة هذه المرّة باستقالة تحت ذريعة التفرّغ للأعمال الخاصة. فما قصّة هذه الاستقالة؟ وأيّ دور للصحافة السعوديّة من بعدها؟


أحمد عدنان *
من المؤسف أن تأتي كتابتي عن جمال خاشقجي دائماً في ظروف حزينة. فقد كتبتُ عنه في صحيفة «إيلاف» الإلكترونية بعد الإقالة الأولى من رئاسة تحرير صحيفة «الوطن» خلال عام 2003 إثر ولاية لم تتجاوز الشهرين، وذكّرت في ذلك المقال بقصة أم كلثوم حين أرادت أن تغنّي قصيدة «وُلِد الهدى» لأحمد شوقي، وطلب منها «القصر» أن تحذف البيت الأشهر من القصيدة: «الاشتراكيون أنت إمامهم... لولا دعاوى القوم والغلواء»، وكيف أنّ أم كلثوم رفضت حذف البيت وقالت ـــــ وفق حديث الرواة ـــــ إنّ القصر الذي يهتز ببيت في قصيدة، أيّاً كان قائلها أو مؤدّيها، قصر مهدّد بالزوال... أو لا يستحق البقاء!
وكانت وجهة نظري أن النظام السعودي يتمتع بقبول جارف وشعبية حقيقية في الشارع السعودي، لذلك لا يليق به أن يقيل رئيس تحرير أو يوقف كاتباً، وهذا تصرف لا يليق إلا بالأنظمة الهشّة والهزيلة. ولعلّي بعد مراجعة النفس، وددت لو لم أكتب ذلك المقال بتلك الصياغة الحادّة والصدامية.
واليوم، تأتي المناسبة الثانية، وهي استقالة خاشقجي من رئاسة تحرير الوطن في ليلة عقد قرانه. والفارق بين الحادثتين يتمثّل في أن الحادثة الأولى ظهرت في إطار إقالة صريحة، أما الثانية، فأتت مغلّفة باستقالة تحت ذريعة التفرغ للأعمال الخاصة!
وحسماً لأيّ التباس، أودّ أن أؤكّد استناداً إلى صحيفة «مصدر» الإلكترونية ومصادري الخاصة، أن جمال خاشقجي قد أجبرته إدارة صحيفة «الوطن» على الاستقالة. ولعلّ تصريح خاشقجي نفسه لصحيفة «الرأي» الكويتية بتاريخ 17 أيار/ مايو 2010 يؤكد هذا الاتجاه: «الوطن صحيفة ناجحة جداً، هل هناك شخص يستقيل من صحيفة ناجحة؟ أنا من أبناء الوطن وهي بيتي، هل هناك شخص يترك بيته». ويعود السبب إلى نشر مقال إبراهيم طالع الألمعي بتاريخ 13/ 5/ 2010 تحت عنوان «السلفية ومقام سيدي عبد الرحمن»، الذي وجّه فيه الكاتب نقداً مباشراً وقاسياً إلى الفكر السلفي، وكأنّ التاريخ يعيد نفسه. فقد أقيل خاشقجي للمرة الأولى بسبب نشر مقال للكاتب خالد الغنامي انتقد فيه ـــــ هو الآخر ـــــ بصراحة إحدى فتاوى ابن تيمية بعد تقارير متعددة أعدتها الصحيفة انتقدت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والحديث عن حال صحيفة «الوطن» بحاجة إلى توسّع، إذ يبدو غريباً أن لا يغادرها رؤساء تحريرها إلا بإقالة سياسية كما حصل مع قينان الغامدي وجمال خاشقجي (في الفترة الأولى)، أو بإقالة إدارية (أو إجبار على الاستقالة) كما جرى مع طارق إبراهيم. وأجدني حائراً تماماً مع حالة الإقالة الثانية لخاشقجي إن كانت تستحق التصنيف ضمن خانة الإقالة السياسية أو الإدارية.
جمال خاشقجي أحد أبناء المدينة المنوّرة، ولعل بداية اهتمامه بالعمل الصحافي تعود إلى تأثره بمجلة «الحوادث» اللبنانية ومقالات رئيس تحريرها الراحل سليم اللوزي. ترأّس تحرير صحيفة «المدينة» في مرحلة مبكرة، ولكنه استقال بسبب عدم اعتراف رئيس مجلس الإدارة آنذاك، الشيخ أحمد صلاح جمجوم، بقدراته لصغر سنه ـــــ كان في مطلع الثلاثينيات من عمره في ذلك الوقت ـــــ وسبق له العمل في شركة «تهامة» للنشر والإعلان، واستقال منها بسبب اعتراضه على بيع أفلام فيديو في مكتبات الشركة!
ولكن لمعان اسم خاشقجي تجلّى في صحيفتي «الشرق الأوسط» و«الحياة» ومجلة «المجلة»، وخصوصاً في تغطية أخبار ووقائع الجهاد الأفغاني وجماعات الإسلام السياسي حتى شاع بقوة انتماؤه إلى جهاز الاستخبارات السعودي، وتولى منصب نائب رئيس تحرير في صحيفة «عرب نيوز» قرابة الأربع سنوات، قبل أن ينتقل إلى رئاسة تحرير «الوطن» في المرة الأولى.
وبين فترتيْ «الوطن»، عمل خاشقجي في السلك الدبلوماسي مستشاراً للأمير تركي الفيصل، الذي كان سفيراً للملك في لندن ثم واشنطن.

خاشقجي مهنيّ موالٍ للنظام عن صدق، ويؤيّد سياسته الخارجية لكنّه قد يختلف مع السياسة الداخلية
وكان خاشقجي منذ وصل إلى مرحلة النضج الفكري والمهني يُعرف بأنه الصوت الأقدر على شرح وجهة نظر النظام السعودي في قضايا السياسة الخارجية، كما عُرف أيضاً برؤاه التنويرية المعتدلة والموالية في قراءة المشهد السعودي على وجه العموم. وأتذكر هنا ما قاله خاشقجي في حواره مع صحيفة «الشرق الأوسط» بتاريخ 11/ 5/2005 واصفاً الحكومة بأنها تيار الأغلبية «وهو التيار المعني بحياة الناس ولقمة العيش. فهو ليس تياراً أيديولوجياً مشغولاً بالتنظير، كالتيار المنظّر لليبراليته، أو الآخر المنظّر لإسلاميته. هذان التياران غير معنيّين بسلّم الرواتب وتكاليف الدراسة والاستطباب وبالمسائل الحياتية»... ويضيف: «يجب أن نعترف بأن بلدنا في حالة استقطاب، وهي حالة مزعجة. السعودي التجديدي الذي يوصف بأنه ليبرالي يتهم نظيره المحافظ بأنه من أنصار القاعدة. وفي المقابل، يتهم المحافظ مواطنه التجديدي بأنه عميل لأميركا، وبأنه طابور خامس»... ثم يختم قائلاً: «أنا ضد الحزبية، وأعتقد أننا في بلدنا لا نحتاج فيه إلى ذلك».
وحين استضافت قناة «إل بي سي» جمال خاشقجي لساعتين خلال العام الماضي، لُمتُه في رسالة هاتفية لأنه قدّم نفسه كـ«سلفي». فقال لي في مكالمة لاحقة: «السلفية هي عكس ما صوّرها لنا البعض... إنها تعني الانفتاح على العالم والأخذ بأسباب التقدم... ورفض احتكار الدين أو التصنيم». ويشاء القدر أن تأتي إقالة خاشقجي ـــــ بشكل أو بآخر ـــــ بذريعة مقال عن السلفيةجمال خاشقجي ليس مناضلاً ثائراً، وفي المقابل لم يكن بوقاً أو مدلّساً. هو صحافي مهني موالٍ للنظام عن إيمان وصدق، ويؤيد سياسته الخارجية ويتفق ويختلف مع السياسة الداخلية عن تجرّد وقناعة. ومع ذلك عانى وصحيفته في الآونة الأخيرة من ضغوط جمّة تتهم كتّاب الرأي في الصحيفة بمحاربة الإسلام والعلماء من أجل إفساد المجتمع. وكانت التقارير التي تصل إلى مكتبه ـــــ محالة من جهات رسمية أو شبه رسمية ـــــ تتحدث عن مؤامرات هذا الكاتب أو إسقاطات ذلك الكاتب ومقاصده، وكتّاب التقارير هم متبرعون ـــــ أو مدّعون ـــــ بحراسة الإسلام! ولا أفهم خلفية تسلّم بعض الجهات لتلك التقارير أو إحالتها، وخصوصاً أنّ قضايا النشر مناطة بوزارة الثقافة والإعلام وحدها. والأهم من ذلك أنه لم ينشر في الصحافة السعودية طوال تاريخها ـــــ سواء في «الوطن» أو غيرها ـــــ رأي يعادي الإسلام، ولكن الانتقادات ـــــ المشروعة ـــــ التي يوجّهها بعض الكتّاب إلى بعض الدعاة والتيارات الإسلاموية يفسِّرها أدعياء حراسة الإسلام بأنها هجوم على الكتاب والسنّة والدين الحنيف!
وبعد تفاقم هذه الضغوط على الصحيفة لدرجة التفكير في إيقافها، اضطر خاشقجي إلى تعيين رئيس جديد لقسم الرأي، معروف بالمحافظة والصرامة، ووجّه رسالة إلى كتّابه طالبهم فيها بعدم العودة إليه بشأن المقالات التي أصبحت من اختصاص المسؤول الجديد الذي تسبب بدوره في مضايقة العديد من الكتّاب بحجب مقالاتهم أو «تهذيبها»، وأصبحت هذه المسألة حديث المجتمع خلال الأسابيع الماضية. وحين ووجه بها خاشقجي في مجلس خاص، قال: «قارئ «الوطن» يركّز على قراءة المقالات التي تنتقد الشأن المحلي وتناقشه... أما المقالات التي تقارن بين العلماء ـــــ اليوم ـــــ ورجال الدين في عصور الظلام بأوروبا وما شابه ذلك، فتسبّب لنا الكثير من الصداع على الرغم من محدودية قراءتها»! ثم أضاف: «مشكلتنا في «الوطن» أن الانطباعات عنها طغت على واقعها، فثمة انطباع تكوّن لدى البعض بأننا صحيفة شبه معادية، مع أننا لا نتجاوز سقف الصحافة السعودية... لذلك فإننا حين ننشر بعض المقالات تقوم الدنيا ولا تقعد... فيما تمر المقالات الشبيهة بهدوء في الصحف الأخرى».
على كل حال، هذه الضغوط ليست ابنة أيام أو أسابيع. فشائعات الإقالة وحقيقة الضغط طاولت الرجل منذ العام الماضي على أثر نشره لقاءً مصوّراً مع أميرة الطويل، حرم الأمير الوليد بن طلال، ويرجّح أن جهة عليا في البلاد أوقفت قرار الإقالة. وراجت بقوة شائعة مماثلة على أثر تصريح مسؤول بارز بأن صحيفة «الوطن» «سيئة» لأنها تنتقد في مقالاتها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولكن هذه الشائعة وئدت في مقال كتبه خاشقجي بالتزامن مع نشر صورة له مع ذلك المسؤول في صدر الصفحة الأولى بالصحيفة. وأخيراً... طفت على السطح قبل أسابيع قليلة شائعة إقالة أخرى بعدما نفت وزارة الداخلية نبأ إطلاق رصاص من مجهولين على المبنى الرئيسي لصحيفة «الوطن».
وعلى الرغم من التوجه الجديد للصحيفة، فإن أصحاب الضغوط أو المتأثرين بها لم يلاحظوا سياسياً أن خاشقجي زايد مرّةً تلو مرة على بعض المواقف الرسمية (كما في موقفه من تأجيل الدراسة بسبب انفلونزا الخنازير، وقراءته لأسباب كارثة السيول في جدة). وزايد أيضاً من الناحية الفكرية في مقالات متعددة أكد فيها أنّ السعوديين ـــــ وهو منهم ـــــ كلّهم أو معظمهم ينتمي إلى التيار السلفي... إضافةً إلى الإشادة بالقرارات الرسمية الداخلية وانتقاد خصوم السياسة السعودية الخارجية. ومع ذلك، لم تتنبّه إدارة «الوطن» ـــــ وربما تكون معذورة ـــــ إلى تسرّب مقال إبراهيم الألمعي من مقص الرقيب، ليتلقّى خاشقجي اتصالاً عاصفاً بعد يومين من النشر يُطلَب منه فيه «تقديم الاستقالة فوراً». وللأمانة، من الواجب أن نقدّر هنا أن رئيس قسم الرأي أبدى استعداده لتقديم الاستقالة اعترافاً بتقصيره في أداء دوره المطلوب!
إذا افترضنا أن مهمة الصحافي هي تأييد الرأي الرسمي فقط، وهو افتراض شائن، فسيلوم البعض خاشقجي على ضعف قراءة الظرف السياسي أو الاجتماعي. ولكن الظرف السياسي أحياناً يدفع المراقبين إلى الحيرة والارتباك حيال بعض القضايا.
مقالان ينتقدان الفكر السلفي وفتاوى ابن تيمية تسبّبا بإقالتي خاشقجي الأولى والثانية
على صعيد الموقف من الاختلاط، كمثال، فإننا نقرأ تصريح وزير الداخلية في صحيفة «الرياض» بتاريخ 9 نيسان/ أبريل 2007 نقلاً عن حواره المفتوح مع الإعلاميين والأكاديميين: «إن فكرة فصل المرأة عن الرجل أمر غير صحيح، فالمجتمع مكوّن من رجال ونساء... والنساء أمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا وبناتنا... إذاً لماذا نجعل المرأة شيئاً؟ والرجل شيئاً آخر؟... فكلّنا يعمل وفق قدرته واستطاعته... وهذا هو الشيء المطلوب... وأرجو أن لا نكرّس مفهوم الفصل في مجتمعنا». وفي المقابل، نقرأ تصريح الأمير خالد بن طلال بن عبد العزيز على هامش معرض الكتاب الأخير في الرياض، وهو ينقل عن وزير الداخلية أيضاً في 4 آذار/ مارس2010 توجيهه بإيقاف الاختلاط في المعرض، لتقوم وزارة الثقافة والإعلام بنفي هذا التوجيه، وحجب الموقع الإلكتروني الذي بث الخبر!
وقبل أسابيع قليلة، نشرت وكالة الأنباء السعودية (واس) قرار إقالة الشيخ أحمد الغامدي ـــــ أحد الذين جاهروا بإباحة الاختلاط ـــــ من منصبه في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وخلال سويعات قليلة، يُلغى القرار ويُسحب الخبر من الوكالة، والسؤال: إذا كانت السلطة السياسية تتجه إلى موقف إيجابي إزاء الاختلاط ـــــ وهو التصور السائد والأقرب إلى الصحّة ـــــ فلماذا أقيل الغامدي من الأساس؟ أمّا لو كان موقفها سلبياً، فلماذا ألغي قرار الإقالة؟
وإذا انتقلنا إلى الموقف من السينما، فإننا نلاحظ في كتاب «يا زمان الخليج» للصحافي البحريني خالد البسام ـــــ الصادر عن دار الساقي ـــــ أنّ الملك عبد العزيز زار السينما في البحرين وأعجب بها ووصفها بأنها من إنجازات البحرين الحضارية التي تستحق أن تزار وفق تصريحاته للصحافة البحرينية آنذاك. وفي المقابل، تلغى جميع المناشط السينمائية في المملكة بناءً على قرار رسمي صدَر العام المنصرم.
ولو فحصنا قضية أكبر، مسألة ولاية الأمر بين الأمراء والعلماء، نجد د. عبد الله التركي يصرّح في لقاء العلماء المفتوح مع الملك عبد الله ـــــ حين كان ولياً للعهد ـــــ بعد أحداث أيلول/ سبتمبر 2001 بأن ولاية الأمر في البلاد للأمراء والعلماء، ليرد عليه الأمير تركي الفيصل في صحيفة «الشرق الأوسط» بتاريخ 20 كانون الثاني/ يناير 2002 بلغة جمعت بين الحزم والحسم حيث قال إنّ ولاية الأمر للأمراء وحدهم، أما العلماء، فمستشارون فقط. وبعدها تعزز الشعور بأنّ رأي الأمير تركي الفيصل يعبّر عن الاتجاه الرسمي عبر تأييد أكثر من كاتب لمقاله، ثم إعادة وجهة نظره في طروحات بعض الكتّاب عبر مناسبات مختلفة.
واعتقدت ـــــ كما اعتقد غيري ـــــ أنّ مسألة ولاية الأمر محسومة حتى نُشِر تصريح الأمير سلمان بن عبد العزيز في 2 أيار/ مايو 2010 أثناء تخريج دفعة من طلاب جامعة الإمام: «أيها الإخوة لقد بدأت هذه الجامعة من المعهد العلمي في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله، وكان تحت إشراف والدنا الشيخ بن إبراهيم رحمه الله، والحمد لله هنا الاستمرارية من إمامنا محمد بن سعود والإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب نرى الآن هذه الدولة التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ومفتينا الشيخ عبد العزيز حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب».
ومن وجهة نظري، فإنّ الحديث عن قيادة الملك والمفتي للدولة جاء في سياق الحديث عن جامعة الإمام، ولعل صياغة صحيفة «الرياض» للتصريح لم تكن دقيقة أو لم تشرح أبعاده التي ـــــ على الأرجح ـــــ لا تقصد المجافاة مع الاتجاه الأصل «الولاة هم الحكام وطاعتهم واجبة، أما العلماء، فهم مستشارون» وفق نص الأمير تركي الفيصل على أساس حفظ القيادة السياسية لأصحابها، والإشارة إلى الدور العلمي للمفتي وما يمثله.
إن الحوادث السابقة تدفعنا إلى التساؤل عن دور الصحافي ودور المثقف اللذين لا يمكن أن يعاملا كموظفي دولة. فمن حق الصحافي وحق المثقف أن يحتفظا بمسافة معيّنة عن النظام السياسي، تكفل للصحافي موضوعيته أو حياده من جهة، وتحفظ للمثقف استقلاليته من جهة أخرى. وفي المقابل، من الواجب على الصحافي والمثقف احترام ظروف العمل السياسي التي تخضع لتوازنات المجتمع والظروف الدولية وتقلّب المصالح، دون أن يخضعا لتلك المعايير التي تختص بالسياسي دون غيرهلقد قال الملك عبد الله ـــــ حين كان ولياً للعهد ـــــ في افتتاح الملتقى الأول للحوار الوطني: «أسلوب الإقناع ومخاطبة العقل أفضل من أسلوب المنع والحجب... واختلاف الآراء وتعدد تنوع الاتجاهات وتعدد المذاهب أمر واقعي في حياتنا وطبيعة من طبائع الناس... الحاجة أصبحت ماسة وملحة لأن نفكر معاً في أساليب جديدة لحماية ديننا ومواطنينا في إطار حوار هادئ ومنطق سليم يرتكز على تبيان الحجة واحترام الرأي الآخر وإتاحة الفرصة لتبادل الرأي والمناقشة».
ولعلي أقرأ هذه الكلمة في بعدها السياسي، بأنّ النظام يقف في موقع الحَكَم المحايد بين التيارات الفكرية المختلفة التي لا يحق لأيّ منها الزعم بامتلاك الحقيقة أو الحصانة من النقد. والأهم ألّا تدّعي تلك التيارات وكالتها الحصرية للحديث باسم الإسلام أو المصالح العليا للوطن. ولو أسقطنا الكلمة على دور «الصحافي» و«المثقف» فنحن نتحدث عن حقهما المأمول في ألّا يكونا أبواقاً للنظام ولا خصوماً له.
لو أقيل خاشقجي أو أجبر على الاستقالة بسبب انخفاض التوزيع أو تردي علاقته بالفريق التحريري والإداري مثلاً، فلا أحد يمكنه أن يلوم إدارة (الوطن) على قرارها، ولكن الإدارة ذهبت إلى خيارها لأسباب أخرى، مما يستدعي تفاعلاً مختلفاً ينسحب على الكاتب إبراهيم الألمعي، الذي تعرّض للإيقاف عن الكتابة كما يبدو.
أتذكر مقولة للصحافي المصري مصطفى أمين يقول فيها: «الحاكم يجعل الصحافة حذاءً في قدمه إنْ كبّلها وحجر عليها.. ويجعلها تاجاً فوق رأسه إنْ تعامل معها كمنبر حُرّ ومتنوع، فإذا كانت الصحافة تاجاً باهى بها بين الأمم.. أما إذا كانت حذاءً فهي محل احتقار الجميع».
السؤال الموجّه الآن: أيّ صحافة نريد؟ هل نريد صحافة منفتحة وشجاعة ومستقلة ومؤثرة كما صرّح الملك عبد الله في أكثر من مناسبة، أم نريد العودة إلى صحافة وزير الإعلام الأسبق علي الشاعر، الذي عسكر الإعلام وانحصرت هموم صحافته في «النظافة من الإيمان» و«التأثير السلبي للأفلام والمسلسلات» و«خطورة المخدرات»؟
كما ترتبط الصحافة ارتباطاً أصيلاً بنقل الخبر وصناعته وتحليله، فإنها ترتبط عضوياً بمفهوم النقد. أما الحديث عن «تقديم النماذج المشرقة» أو الربط بين النقد و«ثقافة الإحباط»، فإنه يجذبنا إلى فكر العلاقات العامة أكثر من أيّ شيء آخر، مع التأكيد أن الصحافة كفكرة وصناعة لا تعادي «ثقافة الأمل» أو النصف الممتلئ من الكأس... ولكن الأصل والمنهج هو النقد أولاً ودائماً، وحين نتحدث عن النقد فإننا نتحدث عن الحوار.
لقد أحدثت «الوطن» منذ انطلاقتها قبل قرابة العشر سنوات نقلة حقيقية في الصحافة السعودية عزّزت مفاهيم «النقد» و«الحوار»، ودعمت المشروع الإصلاحي للملك، وأسهمت عبر كتّابها وفريقها التحريري ـــــ ومنهم خاشقجي ـــــ في دور توعوي وتنويري لا ينكره إلّا جاحد أو ضيّق الأفق. وأتساءل اليوم في ظل مؤشرات متعددة هل ستتحول «الوطن» إلى اتجاه مغاير خوفاً على مصيرها؟
أقف متأملاً أمام قصة معروفة للصحافي المصري مرسي الشافعي، الذي كلّفه الرئيس الراحل أنور السادات برئاسة تحرير مجلة «روز اليوسف» لتنظيفها من اليساريين والمنتقدين ـــــ على حد وصف السادات ـــــ وحين عاد الشافعي إلى الرئيس بعد ستة أشهر من «التنظيف» وسأله عن رأيه في المجلة، أجاب الرئيس: «آسف يا مرسي... ما بقتش أقراها»!
* صحافي سعودي