وائل عبد الفتاح

نظام مبارك بلا أعداء في الخارج تقريباً. هذا ما تقوله خطابات صادرة عن أعلى مؤسسة (الرئاسة) إلى المؤسسات المعنية (الجيش والخارجية وغيرهما). العدو داخلي، كما نفهم من تبرير طلب مدّ قانون الطوارئ للعام الثلاثين على التوالي. الإرهاب والمخدرات. القانون موجه إلى حماية «الدولة» من خطر قد يكون عادياً لدول أخرى، لكنه يحتاج إلى أحكام عرفية طويلة المدى بالنسبة إلى مصر وشقيقاتها من دول الاستقلال العربي، التي تحذو حذو الشقيقة الكبرى رغم المشاكسات الصغيرة.
هذه الدول تستدعي قانون الطوارئ أداةً أساسية في صنع الاستقرار. تجسدها في الشوارع حواجز أمنية مزروعة على الطرقات بكامل «هيبتها» لتذكّر من ينسى أن الدولة موجودة.
القانون غالباً ذريعة لوجود «هيبة» الدولة في الشوارع، لأن قانون الطوارئ بنسخته الأميركية أو الأوروبية لا يعني الوجود المكثف للشرطة في الشوارع. إنه تطبيق لقانون، وليس إلغاءً لفكرة القانون.
الطوارئ هي قدر دول لم تستطع أن تقدم بعد سنوات الاستقلال إلا الفساد والإرهاب. انسحبت من جبهاتها في الخارج ووظفت كل إمكاناتها لترويض الشعوب والمجتمعات في «ثكنات» لها طابع عسكري مع اختلاف هيئته من الاشتراكية إلى الرأسمالية. الحكام هم أنفسهم. تتغير ملابسهم من أبطال التحرير من العدو الخارجي إلى أبطال السلام الداخلي. من الحرب على الاستعمار والاحتلال ثم جماعات الإرهاب المسلح. دولة ممتدة. حكامها خالدون. يلعبون بالمصائر والأرواح. يديرون كل يوم لعبة لكي لا يرى أحد ماذا فعلوا؟ أو لماذا هم مستمرون؟
الشعوب قد تغني «يا ليت الاستعمار يرجع لأحكي له ما فعل بي الاستقلال». مقولات يغنيها من تحمسوا لثورات التحرر ولدول مستقلة، لكنهم رأوا بأعينهم كيف أصبحت الدول أضعف والاستعمار موجوداً بقوة أكبر والعنف الداخلي مخيفاً ولا يرحم والكل يتطلع إلى «جنة» ما بعد الموت.
العسكر الذين حرروا البلاد استعمروها، كأن الاستعمار القديم لم يخرج، فقط ترك لهم توكيلاً لإدارتها، أميركا في مصر أقوى ممّا كانت عليه بريطانيا، وفرنسا في مستعمراتها القديمة من الجزائر إلى المغرب، مروراً بتونس، أقوى وأكثر حضوراً، بينما يد إيطاليا أقوى في زمن العقيد.
الاستعمار تحوّل إلى أب روحي لأنظمة ما بعد الاستقلال، والدول «المتحررة» تحصد ما زرعته أنظمة لم تهتم إلا بتجييش شعوبها وضبطهم على وضع «الاستعداد» وتهيئتهم للحياة الخالدة في ظل الطوارئ.
الحكومة المصرية قالت إن قانون الطوارئ لم يعطّل الحياة السياسية، وإنه لم يستخدم إلا ضد جماعات الإرهاب أو تجار المخدرات. وهي حقيقة، لكنها ليست كاملة. فالقانون لم يعطّل الحياة السياسية، لكنه جعلها معلقة في يد أجهزة الشرطة، كذلك سمح القانون للنظام بفرض «مناخ» ضد السياسة.
«الطوارئ» جعل الأمن سيد الدولة. يقودها ويتحكم في مزاجها العام. الأمن عندما يتحول إلى سلطة بهذا المعنى، سيخلق سياسة اليد الطولى، المعروفة طبعاً بعدم التوازن بين المجتمع والدولة، والأهم أنها دولة أشخاص لا مؤسسات، دولة يستعرض فيها الحاكم بطولاته (مرة من أجل الاستقلال ومرة من أجل دحر الإرهاب ومرات من أجل السلام).
الحاكم هنا استثنائي، ويحتاج إلى قانون استثنائي لاستمرار حكمه، وسيظل «الطوارئ» هو قانون الحكم، وليس مجرد قانون يحمي البلاد من أعداء متخيلين أو حقيقيين.
الطوارئ في بلاد مرت بالديموقراطية، قانون شعبي يرفع الدرجة الأمنية، لا يضمن استمرار النظام، ورحيل بوش لم يؤجله «قانون باتريوت»، لكن الطوارئ في مصر لم تمنع الإرهاب ولا المخدرات، وفي بلاد أخرى مثل الجزائر لا يزال الإرهاب مخيماً. إرهاب من النوع القديم أو الجديد الذي يعيش المجتمع مرعوباً من انتظاره.
أجهزة الحكم في مصر لا تتعامل مع الطوارئ على أنه قانون عادي، لكنه سر الوجود، وقبل موعد التمديد دشنت خطة للحديث عن حملة أمنية على الحشيش في مصر، وعلت نغمة الإرهاب المختفي تحت أجنحة المقاومة وحزب الله. كأنها حملة منظمة للترويج لأهمية قانون الطوارئ، أو نسخته الأكثر رعباً (قانون الإرهاب).
الحملة هذه هي آخر ما لدى نظام مبارك الشغوف باستمراره رغم الزمن. إنها ألعاب أكبر من خيال المجتمع المنتظر لحظة التغيير، بينما يخطط النظام لمزيد من تكبيل الحركة وحصارها في نطاق صغير، يبدو فيه النظام ديموقراطياً، ويستمتع فيه المجتمع بخبطات المحبوس على جدران الزنزانة.
سيمر قانون الطوارئ ويمتد زمن سيادة الأمن، ما دامت الأنظمة ترى في المجتمع «عدوها» الأول وربما الأخير.