معتصم حمادة

فقضية اللاجئين لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تخص كذلك الدول العربية المضيفة، أي لبنان، والأردن، وسوريا، والعراق، ومصر، ودول الخليج، كما تخص دولاً أوروبية بعدما حمل آلاف اللاجئين جنسياتها، وما زالوا يعتبرون أنفسهم لاجئين فلسطينيين. وبالتالي، عندما سيُفتح صندوق اللاجئين، وتطرح قضيتهم إلى طاولة المفاوضات، سوف تختلط الأوراق.

الدول العربية المضيفة

الأردن، على سبيل المثال، يعتبر نفسه الدولة العربية المضيفة الأولى، نظراً لكون كتلة اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على أرضه، هي الكتلة الأكبر (ما يزيد على مليوني لاجئ) وتتميز قضية اللاجئين في الأردن، عن سواها، في الدول العربية الأخرى، أن اللاجئين يحملون الجنسية الأردنية، ويعتبرون، رغم التمييز الذي يتعرضون له، مواطنين أردنيين. لذلك يعتبر الأردن نفسه شريكاً في التفاوض على قضية اللاجئين، من موقعه، كما يقول كبار المسؤولين فيه، ممثلاً لمواطنيه «اللاجئين» ومسؤولاً عن الدفاع عن مصالحهم. أي إن الأردن. لا يعتبر م. ت. ف. الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين، فتمثيلها لهم لا يشمل من هم في الأردن، داخل المخيمات أو خارجها.
والأردن، كما هو معروف، مرتبط بإسرائيل، بمعاهدة سلام، هي معاهدة وادي عربة، نصت في فقرتها الثانية على حل قضية اللاجئين المقيمين على أرضه بالتوطين. لذلك اتخذت الحكومة الأردنية قراراً نص، على أنه، بعد الوصول، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلى اتفاق على قضايا الحل الدائم، على اللاجئ الفلسطيني، بل على كل فلسطيني يحمل الجنسية الأردنية أن يحسم أمره، وأن يختار إحدى الجنسيتين، (الأردنية أو الفلسطينية) حيث سيضع الأردن حداً للازدواجية القائمة حالياً لدى صف واسع من الفلسطينيين حملة الجنسية الأردنية، إن في انتمائهم إلى الاتحادات والنقابات، أو في الصيغة السياسية التي يقدمون فيها أنفسهم.
مقابل هذا الحل، القائم على التوطين، يطالب الأردن بتعويضات مالية ضخمة، بعدما استضاف اللاجئين خلال السنوات الماضية، منذ النكبة وحتى ساعة الحل، وبعدما أسهم كما تقول الدوائر الأردنية الرسمية، في إغاثتهم، وتشغيلهم، وتوفير فرص التعليم وأمامهم.
أما لبنان، وكما هو معروف، وتحت ذرائع عدة من بينها التوازن الديموغرافي بين الطوائف (وهو توازن مفقود أصلاً) يمارس سياسة التضييق على اللاجئين الفلسطينيين، في مجالات العمل والسكن والتعليم والصحة، وغيرها. والإجراءات الانفراجية (نسبياً) التي اتخذها مجلس النواب اللبناني، بعدما فتحت كتلة النائب وليد جنبلاط هذا الملف في البرلمان، اعتبرها اللاجئون الفلسطينيون غير كافية ودعوا إلى استكمالها بخطوات إضافية تتيح للاجئ استملاك شقة للسكن، والعمل في مجالات معينة كالطب والمحاماة والهندسة وغيرها من المهن. ولبنان، كما هو معروف، يرفض توطين اللاجئين على أراضيه، ويدعو إلى حل يضمن له ترحيلهم خارجه؛ حتى ولو أدى ذلك إلى تهجيرهم إلى بلد آخر. وهو ما كان قد اقترحه وزير الخارجية الأسبق إيلي سالم، على ضوء المفاوضات المتعددة التي دارت تحت سقف مؤتمر مدريد. وآخر «الضمانات» التي تلقاها لبنان في هذا المجال، هي تأكيدات المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل إلى الرئيس ميشال سليمان، بأن حل قضية اللاجئين لن يكون على حساب لبنان.
أما سوريا، وإن كان المسؤولون فيها لا يتحدثون كثيراً عن موقفهم من قضية اللاجئين، فإنّ وسائل الإعلام الرسمي، وكذلك خطب بعض كبار المسؤولين في مناسبات معينة، تؤكد أن سوريا تؤيد حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ عام 1948، وتعتبرهم، رغم ما يتمتعون به من حقوق إنسانية واجتماعية، على أرضها، ضيوفاً، مقيمين مؤقتاً، إلى أن تحل حل قضيتهم بالعودة.

الولايات المتحدة الأميركيّة

تدرك الإدارة الأميركية مدى تعقيدات قضية اللاجئين، وقد اختبرت ذلك في أكثر من محطة، كان أهمها جولة المفاوضات المتعددة الأطراف في أنطاليا، بعد افتتاح مؤتمر مدريد، والتوقيع على اتفاق أوسلو، ومفاوضات كامب ديفيد. ورغم تعدد السيناريوهات الأميركية لحل قضية اللاجئين، فإن أهمها، وأكثرها وضوحاً، كان سيناريو كلينتون الذي يقوم على الاتجاهات الآتية:

رغم أنّ المبادرة العربية نصّت على رفض التوطين في لبنان، فقد أسقطت من نصوصها أي ذكر للعودة
ــــ التعامل مع اللاجئين ككتل سكانية، وليس كشعب له حقوقه المعترف بها دولياً. وبالتالي التعامل مع هذه الكتل من زاوية علاقتها بالطرف المضيف. فمن هم في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، مقيمون على أرضهم، ومواطنون في دولة فلسطينية ستقوم آجلاً أم عاجلاً، وهكذا تكون قضيتهم قد حلت. الأمر نفسه على من هم في الأردن، ويحملون الجنسية الأردنية مع مراعاة موقف الأردن من «الازدواجية» في الهوية وفي الدور السياسي (أردني أو فلسطيني). كما ترى الولايات المتحدة أن سوريا تستطيع أن تمنح اللاجئين على أرضها جنسيتها، وخاصة بعدما أثبتت التجربة اندماجهم في المجتمع السوري (حق العمل والسكن، والوظيفية وغيرها ما عدا الحقوق السياسية)، كما أثبتت أن توطينهم في سوريا لن يلحق أذى بالمجتمع السوري الذي استطاع أن يهضم الوجود الفلسطيني فيه (التجانس في الدين واللغة والقيم والتاريخ..).
تبقى قضية اللاجئين في لبنان، وهي التي تحتاج إلى حل، يقوم على نقلهم إلى دول أخرى، ومنحهم جنسيتها. ولا تمانع الولايات المتحدة «رجوع» بضعة آلاف من الفلسطينيين (ما بين خمسة وعشرة آلاف) إلى إسرائيل شرط أن تتوافر فيهم شروط معينة كأن يكونوا قد ولدوا ما قبل النكبة وأن يكون لهم أقرباء رحم، وأن يعودوا بدون ذريتهم...
بالتوازي مع هذا، يُنشأ صندوق دولي تساهم فيه الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وغيرها، وكذلك إسرائيل، دون أن تعتبر مساهمتها اعترافاً بمسؤوليتها القانونية والأخلاقية عن ولادة قضية اللاجئين. ويغطي هذا الصندوق مصاريف نقل اللاجئين من لبنان، و«رجوع» من تنطبق عليهم شروط «الرجوع» إلى إسرائيل وتوفير شروط إقامتهم في أماكنهم الجديدة، ومنح الدول المضيفة (الأردن، والسلطة الفلسطينية ولبنان) مساعدات سخية تعويضاً لهم عن استضافة اللاجئين خلال السنوات الماضية. وتنتهي قضية اللاجئين مع حلّ وكالة الغوث، ويصدر الجانب الفلسطيني بياناً يعلن فيه أن هذه القضية قد حلت بناء للقرار 194، وأن الجانب الفلسطيني لا يملك، في هذه القضايا، أية مطالب إضافية.

إسرائيل

من المعروف أن الجانب الإسرائيلي لا يعترف بحق اللاجئين في العودة، كما يرفض أن يتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية والسياسية عن تشريدهم. وتدعو إسرائيل، إلى توطين اللاجئين في أماكن أقامتهم، في الدول العربية، كما تبدي رفضها لـ«رجوع» هؤلاء اللاجئين إلى الضفة الفلسطينية أو قطاع غزة، حتى لا يصبح التكدس السكاني الفلسطيني عبئاً على السلطة الفلسطينية وحتى لا يتحول هذا التكدس إلى جو خصب لولادة الأفكار الإرهابية، كما تقول إسرائيل. وتوافق إسرائيل، من حيث المبدأ على السيناريو الأميركي كما قدمه الرئيس كلينتون، مع تحفظ على البند الخاص بالسماح بنقل بضعة آلاف إلى إسرائيل وفق الشروط المذكورة آنفاً.
ولعل إسرائيل تكون قد خطت خطوة إضافية في موقفها من قضية اللاجئين، حين دعت إلى الاعتراف بها «دولة يهودية» بما يعنيه هذا، كما قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني، ووزير الخارجية الحالي أفيغدور ليبرمان، من ترحيل وتهجير للفلسطينيين داخل مناطق 48 إلى مناطق السلطة في الضفة الفلسطينية. أي بدلاً من حل قضية اللاجئين، خلق قضية إضافية، تطال ما لا يقل 1.3 مليون فلسطيني تضاف أسماؤهم إلى لوائح اللاجئين المشردين منذ عام 1948.

الجانب الفلسطيني المفاوض

لم يعد الجانب الفلسطيني المفاوض يخفي موقفه من حل قضية اللاجئين، وهو يقوم على الآتي:
ــــ منح اللاجئين في الضفة والقطاع صفة المواطن، كامل الحقوق، وإلغاء الصفة القانونية للمخيمات، وضمها إلى البلديات المجاورة، أو استحداث بلديات خاصة بها، لتكون جزءاً لا يتجزأ من بنية السلطة، (أو الدولة المرتقب قيامها) وإسقاط صفة «الدولة المضيفة» عن الدولة الفلسطينية.
ــــ العودة تكون إلى مناطق السلطة (أو الدولة) وليس إلى مناطق 48، وبالتالي فتح الباب لرجوع من يرغب من اللاجئين إلى أراضي السلطة (أو الدولة لاحقاً) مع إعطاء الأفضلية لمن هم في لبنان، نظراًُ لخصوصية وضعهم وعند رجوعهم، يمنحون الجنسية الفلسطينية، وتسقط عنهم صفتهم كلاجئين.
ــــ البحث مع الدول العربية لمنح جنسيتها للاجئين المقيمين على أرضها (وخاصة سوريا ودول الخليج). على غرار ما فعلت الحكومة الأردنية.
ــــ التمسك بالقرار 194 باعتباره «يكفل حق التعويض» (إسقاط حق العودة) وتكون السلطة الفلسطينية هي المعنية بالتفاوض على هذا الحق، ممثلة للاجئين وحقوقهم.
ــــ حل وكالة الغوث، بعد أن تكون قد أنهت وظيفتها، وتنقل مهماتها إلى الدول المضيفة (التي كانت قد قبضت مقابل ذلك تعويضات من الصندوق المقترح تأسيسه دولياً).
ــــ «إعادة» بضعة آلاف إلى مناطق 48، وفقاً للشروط الإسرائيلية، واعتبار هذه العودة «تطبيقاً للقرار 194».
بعد ذلك يعلن الجانب الفلسطيني أن قضية اللاجئين قد وجدت طريقها إلى الحل، وأن ملفها قد أغلق نهائياً، وأنه ليست لدى الجانب الفلسطيني، في هذا الجانب أية مطالب أخرى.

المبادرة العربية

مع أن المبادرة العربية (بيروت، آذار 2002) نصت على رفض التوطين في لبنان، ورفض الأردن استقبال لاجئين جدد، إلا أنها في الوقت نفسه أسقطت من نصوصها أي ذكر للعودة، ودعت إلى ما أسمته «حلاً متفقاً عليه». وعودة إلى كتاب «نهج الاعتدال العربي» لنائب رئيس وزراء الأردن الأسبق مروان المعشر، تبين أن المبادرة، نصت ضمناً، على إسقاط حق العودة، لإغراء إسرائيل بالقبول بحل للصراع حدوده «الأرض مقابل السلام» أي الاعتراف بها وتطبيع العلاقات معها مقابل الانسحاب من الأرض العربية المحتلة، ودون أي التزام نحو قضية اللاجئين. وبالتالي مثّلت المبادرة العربية غطاءً سياسياً لموقف المفاوض الفلسطيني الذي اشتق هو الآخر من نصوص المبادرة العربية النص القائل بـ«الحل العادل المتفق عليه»... وواضح أنه سيكون حلاً متفقاً عليه مع الجانب الإسرائيلي أولاً وقبل كل شيء.

اللاجئون أصحاب القضية

العنصر الغائب في هذا العرض هو اللاجئون أنفسهم، الذين تجري المشاورات بشأنهم، وتصاغ السيناريوهات، وتقترح مشاريع الحلول دون أخذ رأيهم بعين الاعتبار. ونظرة سريعة على مواقف اللاجئين، في مناطق انتشارهم كافة، تؤكد تمسكهم بحقهم في العودة إلى ديارهم وإلى ممتلكاتهم ورفضهم الحلول البديلة.
فإذا كانت معضلة المفاوضات في الوقت الراهن تدور حول جدول الأعمال، ومحصورة ما بين عباس ونتنياهو، فإن طرح قضية اللاجئين، لاحقاً، سيدخل على العملية، عنصراً رئيسياً هو اللاجئون، عندما ستختلط الأوراق، وتختلط التحالفات، وتتجاوز المواقف حدود الانتماءات التنظيمية، بحيث يصبح اللاجئون على اختلاف انتماءاتهم الحزبية واللا حزبية، عامل تفجير لقضية، أثبتت التجارب، منذ عام 1948 وحتى الآن، أنها القضية الأكثر تعقيداً في ملف الصراع العربي والفلسطيني الإسرائيلي.
* كاتب فلسطيني