انهيار منظومة العلاقات الاستراتيجية بين تركيا وإسرائيل، وأسئلة ما بعد تحوّل أنقرة من ذخر إلى تهديد، يشغلان مراكز البحث في الدولة العبرية على اختلافها. في ما يلي دراسة صادرة عن مركز دراسات الأمن القومي ـ جامعة تل أبيب، للباحث في الشؤون الاستراتيجية، عوديد عيران، يتوقّع فيها مزيداً من التدهور في العلاقات، باتجاه تحول تركي شبه كامل نحو دمشق وطهران


عوديد عيران*
وصلت علاقات إسرائيل بتركيا في منتصف عام 2010، حضيضاً لم يسبق له مثيل. حادثة 31 أيار الماضي، عندما أخضع الجيش الإسرائيلي مقاومين أتراك على متن سفينة تركية أرادت خرق الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، ليست إلّا طرف الجبل الجليدي. مع ذلك، يجب عدم حصر دراسة واقع تردي العلاقات بين الدولتين، إسرائيل وتركيا، في السياق البيني فقط، إذ إنّ التدهور السريع في العلاقات يشير الى تغير أعمق في التصور العام لتركيا. فالجذور العقائدية لحزب العدالة والتنمية، وخيبة الأمل المتراكمة من عدم إحراز تقدم في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بشأن انضمام تركيا إلى الاتحاد، دفعتا بها إلى إحداث تغيير في سياستها الخارجية، باتجاه تعزيز علاقاتها بالدول المجاورة لها.
التأصيل النظري لواقع التغيير في سياسة تركيا، جرى إيراده في كتاب صدر أخيراً لوزير خارجية تركيا، أحمد داوود أوغلو، تحت عنوان «العمق الاستراتيجي»، وأيضاً في مقالته الأخيرة «صفر مشكلات في سياسة تركيا الخارجية»، المنشورة في نشرة «السياسة الخارجية» (20 أيار 2010)، إذ يتحلّل أوغلو ومتحدثون أتراك آخرون من حزب العدالة والتنمية، من العامل العثماني كأساس للتوجه الجديد، رغم أنّ الماضي العثماني، الى جانب اللغة والدين، هي عوامل مشتركة مع جهات واسعة حول تركيا، وتؤثّر الى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي، في الأسس الدافعة إلى السير في هذا التوجه.

سوريا وإيران

يمثَّل التغيير البارز بأفضل صوره، في تحسن العلاقات التركية مع جارتَيها، إيران وسوريا. إذ جرى دفع نزاع الماضي على لواء الاسكندرون، وعلى الحقوق في المياه، وعلى تأييد سوريا لحزب العمال الكردستاني، الى زاوية هامشية بين الطرفين. عززت الدولتان علاقاتهما التجارية، ونفذتا تدريبات عسكرية مشتركة (في نيسان 2009). ومن أجل تعزيز إضافي للعلاقات البينية، قام رئيسا الدولتين بزيارات رسمية متبادلة.
مثل تغيير تركيا لسياساتها الخارجية، فرصة وتهديداً في آن واحد، من ناحية إسرائيل. فبعد انتهاء حرب لبنان الثانية، وافق إيهود أولمرت، رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، على تجديد المفاوضات مع سوريا، التي توقفت منذ إخفاق المفاوضات بوساطة من واشنطن عامي 1999 ـــــ 2000، وبالتالي أصبحت تركيا وسيطاً طبيعياً.


انتصار « العدالة والتنمية» في انتخابات 2011، قد يُحدث تغييراً مهماً في التوازن الاستراتيجي في المنطقة
كانت سوريا في نظر الولايات المتحدة، في عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، جزءاً من محور الشر، ولم تكن واشنطن لتستطيع، بل ولم تشأ، أن تجدد دور الوسيط بين الطرفين. دخلت تركيا الى الصورة، وأثمرت جهودها خمس جولات من المفاوضات غير المباشرة في الأراضي التركية، وتوصلت بالفعل الى تقدم حقيقي بشأن القضية الرئيسية للنزاع بين سوريا واسرائيل. كان شغل تركيا دوراً مركزياً في المفاوضات، سبباً للرد التركي الضعيف على مهاجمة المفاعل النووي السوري في السادس من أيلول 2007، التي قيل إن اسرائيل مسؤولة عنها.
توقفت المفاوضات توقّفاً مفاجئاً، عندما قرر الرئيس السوري بشار الأسد إلغاءها في أعقاب عملية «الرصاص المصهور» في قطاع غزة. أما الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة الليكود، فقررت أيضاً عدم استمرار المفاوضات. وقرار إسرائيل كان شرعياً، لكن لم يجرِ توضيحه للحكومة التركية كما ينبغي.
قلبت الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس باراك أوباما، سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا رأساً على عقب، إذ جرى تطبيق سياسة الاتصالات على نحو بارز مع دمشق، بعد خمس سنوات من القطيعة. ضمن هذا الإطار، سيعيَّن سفير جديد للولايات المتحدة في سوريا، كما زار دمشق كل من الموفد الأميركي الخاص للشرق الأوسط، جورج ميتشل، ورئيس لجنة الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، جون كيري، إضافةً الى مسؤولين أميركيين آخرين.
قد تفضّل إسرائيل أن تؤدّي واشنطن دوراً وسيطاً في المفاوضات مع سوريا. أما سوريا، مع أخذنا في الحسبان علاقاتها المتحسنة بتركيا، فقد تختار القناة التركية. ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تتجاهل تفضيل سوريا للأتراك.
يمكن التقدير أنه إذا قررت سوريا وإسرائيل تجديد المفاوضات، فستكون الوساطة مشتركة ما بين تركيا والولايات المتحدة، لكن من وراء ستار، وهذه هي الصيغة التي تستطيع كل من سوريا واسرائيل قبولها. في مقالة «صفر مشكلات في سياسة تركيا الخارجية»، يذكر وزير الخارجية التركي داوود أوغلو، وساطة تركيا بين سوريا وإسرائيل، على أنها شهادة على نجاح السياسة التي خطط لها.
يتصل تطور العلاقات بين تركيا وإيران، اتصالاً مباشراً، بالصراع السوري الإسرائيلي. ويعدّ الحوار بين طهران وأنقرة مصدر قلق عبر الأطلسي ولدى إسرائيل. تتعامى تركيا منذ سنوات، حتى قبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، عن شحنات الأسلحة من إيران الى حزب الله، من خلال استخدام المجال الجوي لكل من تركيا وسوريا. ومن جهة إسرائيل، طالما أن العلاقات العسكرية بينها وبين تركيا على أفضل حال، فقد اختارت عدم مراكمة الصعاب وتجاهلت الدور التركي في تزويد حزب الله بالسلاح. وهذا الوضع يجب أن يتغير، لأن اسرائيل ستطلب من سوريا، في سياق المفاوضات بشأن تسوية الصراع بينهما، وقف العلاقات العسكرية بإيران، والكف عن كونها قناة تزود حزب الله بالسلاح. وهذا الطلب سيوجه بطريقة مماثلة الى تركيا أيضاً.
كان برنامج إيران النووي العسكري، سبباً آخر للتوتر بين إسرائيل وتركيا. دافع رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، عن إيران، في التاسع والعشرين من آذار الماضي، في سياق إطلالة إعلامية. وعندما سُئل عن موقفه، بشأن فرض عقوبات على إيران، أجاب: «لقد فرضت عقوبات على إيران عدة مرات، لكن ما هي النتيجة؟ المطلوب هو الدبلوماسية والدبلوماسية والدبلوماسية، (وما يحصل) لن يساعد في شيء، سوى تهديد السلام العالمي. وقال أردوغان «ألا يملك أصحاب الضغوط قنابل نووية خاصة بهم؟ ليس لدى تركيا قوة نووية، بل هناك دولة واحدة في المنطقة، تملك سلاحاً نووياً»، كل ذلك من دون أن يُجيب مباشرةً، إن كان يقصد في كلامه إسرائيل.
كان دور تركيا مع البرازيل، في التوصل الى «إعلان مشترك» مع إيران في 17 أيار 2010، أهمّ من كل ذلك. إذ إن الفقرة العملية المركزية في هذا الإعلان، هي استعداد إيران لنقل 1200 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة منخفضة، الى تركيا. والإعلان لا يتناغم مع مطالب الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، الذين واصلوا جهودهم لإصدار عقوبات أشد على إيران. ومع قليل من الاستثناءات، فإن تدخل تركيا يناقض بطريقة شبه كاملة «الشراكة المثالية» التي مجّدها الرئيس أوباما في زيارته الأخيرة الى أنقرة.
مثّل ذلك امتحاناً مركزياً للعلاقات الإسرائيلية التركية، وخاصةً أن تركيا هي عضو في مجلس الأمن في عام 2010، وقد صوتت بصفتها هذه، في التاسع من حزيران 2010، ضد القرار 1929 الذي يدعو الى زيادة العقوبات على ايران، وهو ما يعدّ تطوراً خطراً في إسرائيل. وإذا واصلت تركيا عملية انضمامها الى إيران وسوريا، فلا يمكن القيادة الإسرائيلية أن تسمح بعد الآن، بأن تؤدّي دور الوسيط في المفاوضات مع سوريا.

الزاوية الإسرائيلية

رئيس الحكومة التركية أردوغان، هو السياسي التركي الأكثر انتقاداً لإسرائيل، لكنه ليس الوحيد. لا يمر أسبوع، في الفترة الأخيرة، من دون تصريح انتقادي منه، يندد بعمليات إسرائيل كما يراها. جذور أردوغان العقائدية مغروسة عميقاً في الإسلام، وفي مطلع حياته السياسية كان عضواً في حزب الرفاه الإسلامي، الذي تولى زعيمه نجم الدين أربكان، رئاسة الحكومة التركية لمدة قصيرة، بين عامي 1996 و1997.
كتفسير للسمّ الصادر عن أردوغان باتجاه إسرائيل، وظهوره تحديداً بعد عملية الرصاص المصهور في قطاع غزة أواخر عام 2008 وبداية عام 2009، عدة أسباب، ومن بينها سبب شخصي، يرتبط بزيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود اولمرت لأردوغان قبل 72 ساعة من بدء العملية في غزة. ولم يكن من المعقول في حينه أن يكشف أولمرت لمضيفه عن العملية القريبة، لكن أردوغان أقلقه إمكان أن ينشأ انطباع بأنه عرف عنها مسبّقاً.
كانت تركيا أول من فتح أبوابه أمام قادة «حماس» الجدد في قطاع غزة، بعد إعلان فوزهم في انتخابات كانون الثاني عام 2006 في السلطة الفلسطينية؛ وفي 16 شباط من العام نفسه، التقى أردوغان زعيم حركة حماس خالد مشعل. إلا أن الرد الإسرائيلي جاء ضعيفاً في مواجهة اللقاء، تماماً كما كان ردّها ضعيفاً على الدور التركي في نقل السلاح الى حزب الله، إذ كانت الرغبة الإسرائيلية مركّزة على عدم التسبب بأضرار للعلاقات العسكرية مع الأتراك. أيضاً مشاركة أردوغان الشخصية في منظمة IHH (بالتركية: «صندوق إغاثة إنسانية»)، وهي المنظمة التي كانت مسؤولة عن القافلة البحرية الى قطاع غزة، باتت أساساً إضافيّاً للخلاف بين الدولتين.
مع ذلك، لا ينبغي أن نفسر رد أردوغان على العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، فقط من منطلق الغضب الذي ألمّ به جراء معاناة الإخوة المسلمين في القطاع. يجب فهم ذلك على أنه مزج بين جذور أردوغان العقائدية والدور الجديد الذي أرادته تركيا لنفسها في الشرق الأوسط. وضمن هذا التفسير، لا يبقى أمام إسرائيل حيّز مناورة كبير لإجراء مصالحة مع الرئيس الحالي للحكومة التركية.
قد يتبيّن أن حرص إسرائيل على استمرار التعاون العسكري مع تركيا، لا صلة له بالواقع، إذا استمر ضعف وتردي مكانة الجيش التركي بالشكل المنهجي القائم حالياً. في شباط الماضي، اعتقل أكثر من ستين ضابطاً رفيعي المستوى في تركيا، منهم من كان في الخدمة الفعلية، ومنهم من كان في الاحتياط، وجرى اتهامهم بالتخطيط للقيام بانقلاب عسكري. من بين من جرى اعتقالهم، قائدا الأسطول (البحري) وسلاح الجو، وهما الذراعان العسكريتان اللتان تجري معهما إسرائيل تدريبات ومناورات عسكرية. وبعيداً عن الاتهامات، ينبغي فهم كل ذلك كجزء من الحملة المتواصلة التي تعمل عليها حكومة أنقرة الحالية، لوضع حد للدور الذي يؤدّيه الجيش التركي، باعتباره حامي تراث مصطفى كمال (أتاتورك) في السياسة التركية.
عدد من المراقبين يرون أن ضغوط أردوغان باتجاه الاتحاد الأوروبي لبدء محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد، هي أسلوب لتجنيد تأييد الاتحاد لإلغاء الدور المركزي التقليدي الذي كان محفوظاً للجيش في السياسة التركية، وأيضاً إخضاعه بشكل كامل لسيطرة المؤسسة السياسية المدنية. وقد ورد في سياسة «صفر مشكلات» لتركيا، الصادرة عن داوود اوغلو، تشديد على تقليص أهمية الجيش، إذ من شأن ذلك أن يعمل على تحسين علاقات تركيا بالدول المجاورة، بعدما تركزت هذه العلاقات في الماضي على المشاكل والخلافات، مثل أرمينيا وسوريا وإيران، بل أيضاً مع الأكراد.
أدّت المؤسسة العسكرية التركية دوراً مركزياً في تشجيع التعاون بين إسرائيل وتركيا، ويُتوقع، في الجو السياسي الحالي في أنقرة، أن يتضاءل التعاون العسكري مع اسرائيل، بل لا يُتوقع أن يجتهد الجيش التركي كي يبقي على هذه العلاقات، التي هي بلا شك قضية غير ذات أهمية بين الجيش والحكومة. عندما سئل أردوغان عمّا يتعلق بالاتفاقات بين اسرائيل وتركيا، في مجال الأمن كما يبدو، أجاب بأنها اتفاقات جرى توقيعها في الماضي ولا تزال سارية المفعول، وقال «لا ينبغي بطبيعة الحال أن تؤثّر المشاعر في الخطوات التي نخطوها، لكن الأحداث التي قد تقع، قد تجعلنا نتبنى مواقف أخرى».
رغم أن وزير الدفاع إيهود باراك استُقبل استقبالاً جيداً خلال زيارته الأخيرة لأنقرة، في كانون الثاني 2010، فإنه من غير المتوقع أن يستمر التعاون العسكري والمشاريع المشتركة في المجال الأمني مع تركيا، كما كان عليه الوضع قبل عام 2008. جواب أردوغان على السؤال في هذا المجال، قد يشير الى وجود سياسة قد تُمكّن فقط من استمرار الاتفاقات الحالية، في مسارها الراهن. وسلاح الجو الإسرائيلي أسرع بالفعل الى استخلاص الاستنتاجات من تدهور العلاقات مع تركيا، وانتقل الى اليونان، باعتبارها بديلاً في المجال الجوي، لإجراء التدريبات.
يمكن في هذا السياق توقع محاولة تركية، بصفتها عضواً في حلف شمال الأطلسي، للعمل على تقليص تعاون الحلف مع إسرائيل. إذ إن إسرائيل تعاونت في الأعوام الأخيرة مع الأطلسي وعملت على تعزيز العلاقات بينهما ضمن خطة «التعاون التفصيلي»، التي جرى التوصّل إليها بين الجانبين بصفتها جزءاً من «حوار البحر المتوسط». وتولّي حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا، لم يؤدِّ الى إعلان معارضة تركيا لهذه العلاقات، لكن هذا المسار قد يتغير بالفعل، طالما أنّ قرارات الحلف تُتخذ بالإجماع، وقد تفرض تركيا حق النقض الذي تملكه على أي مشاركة إسرائيلية في النشاطات التي يجريها الحلف.
ستتأثر علاقات إسرائيل بتركيا، بطبيعة الحال، بعلاقات تركيا بالولايات المتحدة وبالاتحاد الأوروبي. وإخفاق الاتحاد الأوروبي في التوصّل الى تقدم ذي شأن حيال انضمام تركيا إلى الاتحاد، سيؤدي الى إسراع ميل تركيا نحو الدول المجاورة لها، رغم أنّ هذا التفسير تبسيطي جداً.
ترى تركيا أن عضوية الاتحاد الأوروبي تعني أيضاً، اتخاذ قرارات صعبة في قضايا داخلية، وطالما أنها ليست عضواً في الاتحاد، فيمكنها الامتناع عن اتخاذ مثل هذه القرارات. في مقابل ذلك، يمكن أن نعرّف إخفاق الاتحاد الأوروبي في وضع تركيا في مواجهة هذه القرارات، من خلال حث المفاوضات معها بشأن عملية الانضمام، أو من خلال اقتراح تقريب تركيا من الاتحاد، كما تسميه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بـ «الشراكة النبيلة»، على أنه خطأ استراتيجي كبير.

تتعامى تركيا منذ سنوات، عن إرسال إيران السلاح الى حزب الله عبر مجالها الجوي
من ناحية ثانية، حصول تركيا على العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، في ظل الظروف السياسية الحالية في كل من تركيا وأوروبا، يعني انضمام صوت انتقادي جديد ضد إسرائيل الى أوروبا، الى جانب دول أخرى في الاتحاد الأوروبي، ذات آراء مشابهة. علماً أن سيناريو كهذا هو أقل ضرراً من وجهة نظر إسرائيل، من السيناريو الآخر بأن تكون تركيا منجرّة نحو تحالف مع سوريا وايران ومنظمات غير دول، مثل «حماس» وحزب الله.
إخفاق الحكومة المركزية في العراق، بعد خروج القوات الأميركية، قد يجذب إلى العراق كل الشركاء في الحلف غير الرسمي القائم، الأمر الذي يزيد من عدم الاستقرار في المنطقة. ومع تحول إيران الى قوة نووية، قد يستقر الرأي التركي على عدم اكتساب قدرات مشابهة، لكن الحلف مع الإيرانيين قد يؤدي الى الإخلال بالتوازن العسكري في المنطقة، وسيثير أسئلة ومخاوف شديدة، لا في اسرائيل وحسب، بل في مصر والخليج، وأيضاً في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، في آسيا الوسطى.
إقامة الدولة الفلسطينية، سواء كان بالتفاوض من خلال عملية تسوية أو من خلال إعلان فلسطيني أُحادي الجانب للاستقلال، قد تسبب احتكاكاً آخر بين اسرائيل وتركيا. ورغم الموقف التركي من «حماس»، يُتوقع أن تكون تركيا إحدى أولى الدول التي تعترف بالدولة الفلسطينية، وستعمل على تأييدها السياسي في كل حالة اختلاف بينها وبين واسرائيل.

الخلاصة

توجد اليوم أدلة كافية على التوصل الى استنتاج، بأن إسرائيل خسرت تركيا، بقيادة حزب «العدالة والتنمية»، بصفتها شريكة استراتيجية لإسرائيل. تغيير سياسة تركيا الخارجية وسياستها الإقليمية، يزيد من التوتر بين الدولتين. ومن غير المتوقع أن تهدي إسرائيل تركيا فرصة تأديتها دور الوسيط (بينها وبين سوريا). ومن المناسب أن تصبح التأثيرات في مجال التوازن الاستراتيجي في المنطقة، عنصراً ثابتاً في الحوار الاستراتيجي الذي تجريه إسرائيل مع «الأطلسي»، لأن مصالح الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة معاً، قد تناقض مطامح تركيا في المنطقة.
يُنكر رئيس حكومة تركيا وساسة أتراك رفيعو المستوى، كل تغيير في سياسة تركيا الخارجية. مع ذلك، فإن مبادرة تركيا والبرازيل، وتصويتهما ضد القرار 1929 الصادر عن مجلس الأمن ضد ايران، يُنظر إليهما في واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية وعواصم في الشرق الأوسط، نظرة خوف.
لا ينبغي لإسرائيل أن تنجرّ الى الرد على تصريحات وأفعال تركيا، أو أن ترفض آلياً أي مبادرة تقدم عليها حكومة تركية. لكن إذا حصل ذلك، فيجب أن يُنقل الرفض ضمن القنوات الدبلوماسية الملائمة، دون ضجة كبيرة: فرئيس الحكومة التركية الحالي يريد أن يستغل كل عمل تقدم عليه إسرائيل لمصلحة سياسته الغوغائية، ولا يوجد سبب لمنحه فرصة القيام بذلك. مع هذا، فقد لا تُحدث التغييرات العامة المخطط لإجرائها في سنة 2010 تغييراً في السياسة التركية وسيطرة حزب العدالة والتنمية، علماً أن كل خطوة أو رد من جانب إسرائيل، قد لا يؤثران إلا تأثيراً هامشياً في النتائج.
مع أخذنا في الحسبان الامتحانين الانتخابيين المتوقعين لحكومة حزب العدالة والتنمية في الأشهر القريبة الـ 18، قد تستمر تركيا في تنفيذ سياسة التوتير مع حلفائها التقليديين. انتصار الحزب الحاكم، وخاصةً في الانتخابات العامة المقبلة، قد يُحدث تغييراً مهماً في التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط. الأمر الذي يتطلّب إيجاد ردود استراتيجية، من جانب نظام «جنوبي» من الدول، حيال نشوء محور متطرف «شمالي» يشمل إيران وتركيا وسوريا.

* مدير مركز دراسات الأمن القومي ـــــ جامعة تل أبيب (إعداد يحيى دبوق)