يشيع استخدام مصطلح «العروبة» هذه الأيام لدلالات متعددة. وهذا الشيوع يستدعي التأمل النقدي. فالافتراض هنا هو عدم التطابق بين «عروبة» و«قومية عربية». بل إن التمييز بينهما هو المقصود، على حساب أن هذه الاخيرة عقيدة تتبناها حركات سياسية واجتماعية وقامت عليها انظمة حكم وأدّت الى ممارسات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية. في المقابل، يجري تقديم «العروبة» بما هي هوية وانتماء أو «ثقافة» مشتركة لسكان المنطقة، بغضّ النظر عن الولاءات العقائدية والايديولوجية والسياسية وما تثيره من انقسامات


فوّاز طرابلسي *
لم يكن شيوع مصطلح «العروبة» بمعزل عن تبرئة العروبة، بما هي انتماء وثقافة، من القومية العربية، بما هذه الاخيرة كناية عن ممارسات تشوبها سلبيات وعسف وظلم وإخفاقات. بإيجاز، صارت العروبة هي المطهر من كل الذنوب القومية. فأمكن القول إن الأخطاء والانحرافات وأشكال التخلي المختلفة تقع على العرب لا على العروبة. وفي النطاق الأضيق، صار بالإمكان أن تنصبّ الملامة على العروبيين، وقد خانوا العروبة، أو تخلوا عنها أو لم يجيدوا فهمها او تمثيلها او تحقيق أهدافها. وهذه الدرْجة الشائعة عميقة الجذور في الفكر الديني حيث تنزيه النص المقدس والتعاليم عن اخطاء البشر وتبرئة الايمان من فساد التعبير الانساني عنه في الحياة العملية، بل تلويث طهارته تلويثاً.
أحسب أننا سوف نستمع الى عدد من منوعات هذا التمييز بين نص وممارسة وإيمان وسلوك تطلباً للتطهر والتطهير. من جهتي، سوف أكتفي بفرضية أن العروبة هي الرابطة القومية الموضوعية التي تجمع سكان العالم العربي على ارض ولغة وثقافة واحدة وتاريخ مشترك. وأسجّل عدداً من الملاحظات النقدية حول الايديولوجيا القومية، في المعيش والمتداول الحالي بما هي ايديولوجيا الأمر الواقع العربي وتبيّنُ آثارها على الرابطة القومية.

تغييب الحاضر

للأيديولوجبا القومية، ومستتبعاتها العملية، مشكلة عضال مع الزمن. تتواتر على الدوام، وعلى غير ما استقرار، بين ماض ومستقبل.
إن كل تأكيد لهوية، وهو عادة مألوفة من عادات الايديولوجيا القومية، رياضة ماضوية، تقوم على العودة الى جذور ما، ونَسَب ما وعصر ذهبي مقيم في التاريخ او المخيلة، والتذكير بها لإثبات الانتماء الواحد والوعد بالخلاص. حتى أن بعض المفكرين القوميين العرب عرّف القومية بما هي فعل تذكر: ثمة أمّة كانت موحّدة ومزدهرة وبانية حضارة متفوقة هي الآن في حالة من الفقر والجهل والمرض، حسب ثلاثية الاستاذ ميشال عفلق لتعريف حال الفساد والتقهقر. من هنا الحاجة الى الانقلاب على الذات، للتطهر من فساد المجتمع من أجل استحقاق الخلاص الآتي. بهذا المعنى لا تكاد الايديولوجيا القومية تختلف كثيراً عن الفكر الديني التكفيري: الواقع فاسد/ تجب استعادة الماضي بواسطة العودة الى الدين الاصلي أو الهوية الصافية. هذا هو الخلاص.
ولا يضارع التذرع بالماضي إلا الهروب إلى مستقبل موعود هو مجال التمني. هذا هو الوجه الآخر للأيديولوجيا القومية، وجهها الإرادوي.
وليس أدلّ على هذه المراوحة بين ماض ومستقبل غير الثنائية الدارجة وخصوصاً بعد هزيمة ١٩٦٧ بين الوصف العدمي الساحق لما آلت اليه أحوال الأمة وبين التمني التفاؤلي المطلق. من جهة، يجري تلخيص أحوال ٣٠٠ مليون عربي وأوضاعهم وتاريخهم الحديث بحكم وصفي مبرم تلخصه معادلة المسار الانحداري إلى قعر لا قرار له. ومن جهة ثانية، تلقى الدعوة الدائمة الى الوعي، او الى الاستنهاض. وسيان أتمّ الاستنهاض بالنخوة العشائرية أو بتزويق أكمل المشاريع النهضوية وأجملها لبناء المدن الفاضلة، فإنّ حالتي الوعي والنهوض لا تتقدّمان الينا مصحوبتين بأي شرط من شروط تحقق اي منهما. وبغضّ النظر عما اذا كانت المشاريع منسوخة عن نموذج غربي أو داعية العودة إلى الأصالة، لن تلقى فيها ذرة إدراك لأولوية من حيث الأهداف ولا لتعيين طبيعة العوامل التي كانت تكبح الارتقاء من ذلك الانحدار السحيق الذي لا قرار له الى القمم النهضوية الشاهقة – وهي الآن تسمح به – فضلاً عن افتقاد تلك المشاريع أي حسبان للوسائل الواجب اعتمادها وللمهل والمراحل الزمنية والمسارات – غير الانحدارية – لتحقيق ذلك الارتقاء.
وقد يكون من نافل القول أن بين مقولة الانحدار ومُنية النهضة يقع كل الموضوع. يقع الحاضر. وحصيلة المراوحة بين الاثنين لا تغيّب الحاضر وتحجبه وحسب، بل تحول أيضاً وخصوصاً دون استكشاف ما يملكه الحاضر من إمكانات وطاقات وتناقضات وقوى وعقبات، وأيضاً من قوى ومسارات فعلية للتغيير، أي للتقدم نحو تحقيق إنجازات في المستقبل.

الماضي عبء أم حافز؟

هذا سؤال مركزي في الفكر القومي وهو يمثّل صلة الوصل بينه وبين الفكر النهضوي، المتضمّن في السؤال الشهير « لماذا تقدّم الغرب وتخلّف العرب والمسلمون»؟
لست متأكداً من وجود حالات تاريخية متحققة كان فيها الماضي حافزاً على التقدم الى الحد المتصوّر في التخييل النهضوي العربي. مهما يكن، يبدو أن الماضي المجيد في حالتنا بات عبئاً أكثر منه حافزاً من الحوافز. وهذا بيِّّنٌ في كل الأحوال في أيديولوجيا الأمر الواقع القومية وإشكالية القياس على الماضي وعلى الغرب.
يفترض الشطر الثاني من المعادلة – تأخر العرب والمسلمين – قياس التأخر الراهن على التقدم السابق. أي قياسه على العصر الذهبي للحضارة العربية. فتجري المقارنة المطلقة وغير المتكافئة بين زمن عمومي يختصر بأمجاد وحضارة وإنجازات، تفقد تدريجياً صلتها بالتاريخ وتدخل عالم الأسطورة، وبين أوضاع معاصرة هي في صلب الحاضر وابنة للتاريخ. وحصيلة مثل هذا القياس غالباً ما تكون الاستكانة العاجزة أمام هول الفوارق وضخامة المهمات – وهي عادة ما تورث الاستسلام للأمر الواقع – أو تنشر نزعة احتقار للذات العربية الراهنة لعجزها عن أن تحاكي الذات العربية الماضية.
أما في الحالة الثانية من المعادلة حيث المفارقة جغرافية – تأخر العرب وتقدم الغرب – فيولد ما يشبه النقيض للحالة الأولى من دون أن يكون تصحيحاً لها. ذلك أن التفارق بين واقع التأخر ونموذج التقدم يغذّي في معظم الأحوال شهوة للتمثل بالنموذج المتقدم واستيعابه من خلال استهلاك أشياواته. يمكن تسمية هذه النزعة نزعة الحسد الاستهلاكي. العربي يتماهى مع الآخر بل يريد أن يكون مثل الآخر. ولما كان لا يستطيع أن ينتج في بلده المعارف والعوامل والمؤسسات والإنجازات التي قام ويقوم عليها، تقدم ذلك الآخر، ولما كانت تحول بينه وبين إنتاجه تلك المعارف والعوامل والمؤسسات والإنجازات، مصالح سلطوية ومالية مسيطرة، تجده يختصر الطرق باستهلاك ما ينتجه ذلك الآخر.

تُبنى عروبة كل قطر عن طريق الاعتراف بالتعدد ومأسسته بصفته مصدر غنىً وقوة
إلى هذا أورثتنا معادلة تأخّر العرب والمسلمين/ تقدم الغرب إشكالية حضارية، تستفحل الآن مظاهرها مع سيادة الرأسمالية الثقافوية التي تسوّقها العولمة. يسود الآن تعريف لعلاقة التقدّم/ التأخر في وجهها الحضاري من خلال مقولات جديدة معظمها مستعاد من مقولات استشراقية بهتت لبعض الوقت. هي علاقة الغرب/ شرق يجري تعريفها بأنها محكومة بمنوعات من الغياب والفجوات والعجز، والنقصان إلخ. فالقسم الأكبر من الفكر السائد مهجوس بتفسير لماذا ليس عندنا ما هو موجود عند غيرنا. أي عند الغرب.
غياب الديموقراطية مثال ساطع على هذه الإشكالية. كم من ورشة وندوة ومحاضرة ومشغل ومؤتمر انعقد، خلال ربع القرن الأخير، لتفسير هذا الغياب واستنباط الوسائل لاستحضار ما هو غائب. وحقيقة الأمر أنه عندما يطغى تفسير الغياب، يتراجع حضور التفكير. يكفي برهاناً على ذلك أن نقارن بين مقادير الوقت والجهد والتمويل الموظفة في تفسير غياب الديموقراطية وبين ما هو موظف منها في تفسير وتحليل الانظمة العربية الاستبدادية وقواعدها الاجتماعية، وأشكال شرعنتها – بما فيها الشرعنة الخارجية – وآليات سيطرتها – ضمن ثنائية الطواعية والقمع – وعوامل استمرارها وما شاكل ذلك.
لكن لنعد إلى الإشكالية النهضوية الأصلية. يقال لنا إن الغرب قد انتقل الآن من المجتمع المادي الإنتاجي الى بناء مجتمع المعرفة. ومعه يجب إعادة صياغة السؤال النهضوي العربي على نحو جديد هو: كيف الوصول الى مجتمع المعرفة؟ هذا ما تدعونا إليه تقارير التنمية البشرية العربية القائمة على فرضية أن التنمية المادية – اقتصادية وبنيوية – فاشلة أو هي لم تعد كافية. ينبغي توجيه استثمارات التنمية وجهودها وخططها نحو تنمية العنصر البشري. وهو طبعاً أمر محمود ومطلوب بذاته، علماً أننا لسنا نلقى نقداً وافياً لتجارب التنمية المادية السابقة، ولسنا نفهم تماماً السبب الذي يحول دون العمل على استكمالها بعد تصحيح مساراتها، اللهم إلا إذا أريد إقناعنا بأن مشاريع التنمية العربية السابقة، في العصر القومي، قد أنجزت مهماتها والأهداف بما فيه الكفاية، ما يسمح بالانتقال الى… التنمية البشرية!
في كل الأحوال، انتقل السؤال النهضوي الآن الى الثقافة وبناء مجتمع المعرفة الموعود والخلط بينهما. وهو الحل الذي ابتكره مثقفون طليعيون نهضويون عرب ويروّج له ويعمل على تمويله أهل النفط ممن يريد بالثقافة التعويض عما لم يتمتعوا به في الولادة والنشأة أو يتوسل تمويل الثقافة – الأرخص كلفة – بديلاً عن أدوار توظيف النفط والثروة والأرصدة النفطية لتكون روافع نهضة تنموية اقتصادية واجتماعية وسياسية شاملة، تبني المجتمعات الانتاجية – التي لا معنى لمجتمع المعرفة من دونها. تلك نهضة يناط بها توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الضرورية للجميع من ماء وسكن وعلم وعمل وصحة ودواء وبيئة نظيفة، وتحقيق المساواة السياسية والقانونية وتكافؤ الفرص أقله بين المواطنين، وتقليص حدود الفقر والفوارق الطبقية بتحقيق مقادير من العدالة الاجتماعية، فضلاً عن توظيف النفط لاستملاك عناصر القوة في المعارك الوطنية والقومية.

الوحدويّة والوحدويّات الانفصاليّة

لا حاجة للبرهان على أن فكرة الوحدة، وتحقيق وحدة الأقطار العربية، هي محور الفكر القومي. تحكمه ثنائية: وحدة/ تجزئة. وفرضيته الأساسية أنّ الأمّة معطى طبيعي عضوي واحد موحّد. ما يولد التطابق مع ثنائيات أخرى أبرزها طبيعة/ اصطناع وأصالة/ شواذ. الوحدة هي الطبيعي والشواذ هو التفكك. ما أكثر الأبحاث عن مخططات تفكيك الأمّة العربية والمؤامرات! إذا كان لا جدال في أن القوى الغربية قد عودتنا استخدام الفروقات والنزاعات الإثنية والدينية والمذهبية خدمة لمصالحها وأغراضها في السيطرة والاستغلال، فلا جدال أيضاً في أن التفتيت لا يختصر الاستراتيجيات الغربية إذا افترضنا الاتفاق أن ما نحن بصدده هو منوعات من الاستعمار. فضلاً عن أن كشف المخبأ من مخططات أو مؤامرات التجزئة والتفكيك لا يؤدي بالضرورة الى تقديم الجواب الناجع عليها ومقاومتها والانتصار عليها.
ولا بد هنا من ملاحظات استهلالية:
أولاً، ليست القوى الغربية نزّاعة دائماً الى التفتيت، فقد تكون ميالة أحياناً إلى التجميع. في تجزئة سايكس بيكو، جمعت بريطانيا ثلاث ولايات عثمانية لإنشاء العراق الحديث. وإذا كانت بريطانيا وأميركا قد عارضتا الوحدة السورية – المصرية عام ١٩٥٨، وعملتا على فصلها حتى قبل أن تنجز بواسطة محاولات الاغتيالات والتدخل العسكري، فإن الدولتين الاستعماريتين شجعتا ودعمتا الوحدة الهاشمية بين الأردن والعراق. وفي اليمن عام ١٩٩٠ أعطت إدارة الرئيس جورج بوش الأب الضوء الأخضر للرئيس علي عبد الله صالح لتحقيق الوحدة بين شطري البلاد. على أنها أسلم وسيلة لتصفية النظام العربي الوحيد وثيق الارتباط بالاتحاد السوفياتي. هذا في وقت كانت فيه العربية السعودية، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في المنطقة، تعارض الوحدة اليمنية. وقد تكررت القصة ثانية عام ١٩٩٤ إبّان الحرب بين شطري اليمن عندما دعمت الإدارة الاميركية استمرار الوحدة فيما دعمت العربية السعودية الانفصال الجنوبي. والمعيار في كل هذه الحالات من الوحدة والتفكيك هو المصالح الاستعمارية.
ثانياً، لقد آن الأوان لوضع نظرية فرّق تسد على محك التدقيق والتجربة. في الأصل، تعيّن هذه المعادلة الاستعمارية هدفاً هو السيادة (السيطرة) ووسائل هي التفريق (التجزئة). الغريب أنه في ايديولوجيا الأمر الواقع القومية عندنا، تتجه المعادلة الى التحول الى نقيضها حيث يصير الهدف هو التفرقة وتصير السيطرة هي الوسيلة. مثال: احتلت الولايات المتحدة الاميركية العراق لتجزئته الى كيانات عنصرية طائفية مذهبية، يقول الخطاب القومي والاسلامي السائد. مثال آخر: اختزال ما يسمّى المشروع الاميركي الصهيوني بمهمة تكاد أن تكون وحيدة هي تفتيت المنطقة الى كيانات عنصرية طائفية مذهبية مصطنعة لا غرض لها إلا تبرير المشروع الصهيوني وكيان إسرائيل. هنا أيضاً تتحول الوسيلة الى هدف يكاد أن يختزل كل المصالح الاستعمارية في المنطقة بأسرها بغيرية اميركية لا غرض لها إلا تبرير الكيان الإسرائيلي.
ثالثاً، التجزئة والمصالح. عندما يقال إن هدف الاحتلال الاميركي في العراق هو تجزئة البلد يجري التغافل عن السؤال الساذج: لماذا الاضطرار الى التجزئة إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع السيطرة على البلد موحداً؟ كذلك يجري إغفال عنصر المصلحة في التخطيط الاستعماري، اللهم إلا إذا صار الاحتلال والاستعمار مثل الفن للفن، كناية عن سيادة وسيطرة لذاتهما، بغضّ النظر عن المصلحة الستراتيجية والاستغلال للشعب والبلد والثروات الطبيعية. وسؤال المصلحة هنا هو: ما الأضمن للسيطرة على الموارد النفطية والغازية في العراق، بقاء الكيان العراقي موحّداً، ولو في ظل فيدرالية، أم تجزئته الى ثلاثة كيانات؟
رابعاً، إن أحادية التركيز على ثنائية وحدة/ تجزئة لا تبرئ القوى المحلية من المسؤولية عن المساهمة في تجزئة شعوبها وليس مجرد الفشل في تحقيق أي تقدم في الوحدة القطرية أو القومية.
والسؤال المسكوت عنه هنا هو: هل يمكن أن تستوعب هذه الأمة العربية هويات مختلفة في ظل سيادة خطاب الأمر الواقع القومي (والإسلامي)؟ على هذا يتوقف ما إذا كان ثمة فارق فعلي بين عروبة وقومية عربية.
عرفت التجربة التاريخية أشكالاً ومنوعات من مناهج التوحيد. هناك منهج القطر القائد، الذي مارسته مصر خلال فترة وخصوصاً في عهد عبد الناصر. وثمة منهج القطرين القائدين الذي لا يجوز الاستخفاف به، وقد توحدت أوروبا من خلال تفاهم ألمانيا وفرنسا اللتن تعاونتا على توحيد 27 بلداً. وعرفت التجربة التاريخية التوحيد القسري من خلال احتلال قطر لقطر آخر باسم الوحدة، كما في التجربة الفاجعة للاحتلال العراقي للكويت او في المآل العملي للعلاقة بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي في ظل الوحدة. وهناك صيغة شعب واحد في دولتين: وهي المعادلة الرسمية التي حكمت العلاقة بين سوريا ولبنان خلال اكثر من ربع قرن. وهي تستدعي أن نتفحص في الأخطاء والسياسات القسرية التي ارتكبتها الدولتان على وحدة الشعبين. يجب التذكير بتلك العادة البشعة للطوائف السياسية اللبنانية في الاستنجاد دوماً بالخارج على الخصوم الداخليين من دون أن نتناسى منطق الهيمنة والتسلط الذي به مارست السلطات السورية انتدابها السياسي والأمني على لبنان، المكرّس عربياً ودولياً، وتغليبها الاستخدام الجيو استراتيجي للبنان في مشاريع إقليمية على حساب المساهمة في بناء علاقات تقوم على المساواة والندّية والتكامل الاقتصادي واحترام التباين بين النظامين السياسيين والاقتصاديين. والأدهى أن تلك التجربة المشتركة، بسلبياتها والإيجابيات، قد نُحّيت عن المساءلة والمحاسبة واستخلاص الدروس بعدما المصالحات الأخيرة بين الحكام على طريقة الصلحات العشائرية وتبويس اللحى.
غير أن الظاهرة الأبرز في الآونة الأخيرة هي ما يمكن تسميته الوحدوية التجزيئية، يتضافر فيها التمييز الجهوي والمذهبي والإثني مع المركزية والاستبداد السلطوي، ما يشجع التيارات الاستقطابية والانفصالية. لقائل يقول بأن الامبريالية لا جهد لها غير هذا. وهذا صحيح وألف صحيح. لكن هل قاومت وهل تقاوم السلطات والقوى المحلية تلك المخططات؟ وإلي أي مدى وبأي نسبة من النجاح والفشل؟ أم هل أسهمت ممارسات هؤلاء في تسهيل المخططات والجهود الاستعمارية بواسطة الإهمال والتعنت والفشل في المعالجة؟
في عام ١٩٩١ أعادت الإدارة الاميركية تعريف هوية العراق من خلال تعيينها «المنطقتين الآمنتين» في شمال البلاد وجنوبه، فقسّمت العراق وشعبه الى ثلاث مناطق على أساس إثني – مذهبي: منطقة شمالية كردية ومنطقة وسطى سنية ومنطقة جنوبية شيعية. يجمع بين هذه الهويات نفي هوية العراق العربية. عند الإعداد لاحتلال العراق، قالها بصراحة كنعان مكية، أحد منظّري الاحتلال الاميركي لبلاده: غرض الاحتلال الأميركي للعراق خلق عراق «لا عربي ».
لكن، ألم تفد هذه المشاريع الخارجية لفرض هويات وتغيير هويات من سوابق وممارسات لنظام صدام حسين الذي أعاد تطييف العراقيين وأعاد الاعتبار للمذهب والعشيرة والقبيلة بما هي وحدات سياسية ووسائط بين الدولة والأهالي (ولا أقول الافراد، لأن هذه الجماعات تلغي الفرد والمواطن)؟ وألم تبلغ تلك الممارسات الذروة في آذار 1991 عندما أغرق الجيش العراقي – المهزوم أمام الغزو الأميركي – بالدم وبعشرات الآلاف من الضحايا انتفاضة شعبية في جنوب البلاد وشماله قامت ضد نظام صدام حسين الدكتاتوري؟ وهل تأزيم القضية الكردية في العراق، ودفع اوساط كردية الى الميل نحو الانفصال، لا علاقة لهما بحملة الأنفال التي دمرت مئات القرى وأجلت عشرات الألوف من الأكراد عن مناطقهم وأسكنتهم قسراً في منطقة الناصرية الجنوبية وأحلّت الألوف المؤلفة من العرب الشيعة محلهم؟ وبدون مواربة، هل تأزم المسألة الكردية الآن في سوريا معزول عن الآثار السلبية لسياسات الحزام العربي التي مورست في الستينات والسبعينات؟
لكن لنعد الى العراق. عندما حوّل الاحتلال الأميركي صيغة 1991 إلى تعريف للعراق وهويته، لماذا سارعت معظم القوى السياسية العراقية، على تعدد مذاهبها والإثنيات، إلى تبنّي هذا التعريف للعراق بصفته إثنية ومذهبين إسلاميين؟ أليست هذه مسؤولة بالقدر ذاته عن المخططات الاميركية التفكيكية؟ أو فلنقل إنها كرستها تكريساً في نظام السياسي من دون أن ننسى مترتبات ذلك على الانقسامات الاهلية والنزاعات الدموية.
وتتجلى الوحدوية التجزيئية الآن في أبشع مظاهرها وأخطرها في نقض حقوق الأمازيغ الثقافية في الجزائر، باسم العروبة، حيث تتصاعد دعوات انفصالية طارئة. وكذلك الأمر في المساهمة في دفع الجنوب السوداني الى الانفصال بعد محاولات فرض الشريعة على اهله غير المسلمين أصلاً، وفي فشل التجربة الوحدوية اليمنية وقد تحولت عملية توحيد اليمن عام ١٩٩٠ الى احتلال عسكري عام ١٩٩٤، واستباحة اقتصادية وتمييز في المواطنة بين شمال وجنوب منذ ذلك الحين.
تغييب الاقتصاد عن المشروع الوحدوي عامل إضافي لإضعاف العالم العربي
يجدر التفكير ملياً في هذه الوحدوية التجزيئية القائمة على فرضيتي الوحدانية العروبية والمركزية السلطوية. ولعل ابرز دروسها أن ترسيخ عوامل الانتماء القومي والمسار الوحدوي يبدآن في داخل كل قطر، قبل أن يتمّا بين الدول العربية. قد نسمي ذلك عروبة الداخل، وهي غير قابلة للاستيراد ولا للتصدير، ولا للانتقال بالعدوى. والكلمة المفتاح الناقصة في ثنائية الوحدة/ التجزئة، حيث الوحدة، تختزل بالمركزية القسرية النابذة، وحيث الاستسلام لمؤامرات التفكيك يعفي العرب من أي مسؤولية وأي فعل ما دام التفكيك من صنع الخارج والأجنبي، هذه الكلمة المفتاح هي التعدد. تبنى عروبة كل قطر، أو يعاد ترميمها، عن طريق الاعتراف بالتعدد ومأسسته بصفته مصدر غنىً وقوة وليس بما هو مصدر ضعف وتبديد للهوية. وهذا يعني ترسيخ المساواة القانونية والسياسية بين المواطنين وتصحيح الاختلالات التاريخية المتراكمة بين الاكثرية والأقليات بالاعتراف بحقوق الاقليات اللغوية والثقافية وبحق الأقليات في الحكم الذاتي وصولاً الى الحق في تقرير المصير طريقاً لإعادة استيعاب الاقلية في العيش المشترك مع الاكثرية لا العكس. وفي الحالات القصوى، قد تكون الفيدرالية هي إحدى الوسائل الاستثنائية لإعادة بناء وحدة بلد على اسس جديدة بعد عملية تدمير لعناصر التوحيد فيه، والدولة منها خصوصاً، أو لتصحيح الشطط المتمادي الذي ارتكبته سلطاته المركزية في الاستئثار والتمييز.
وهنا لا بد من التذكير بوافد جديد من عوامل التفكيك هو الأسلمة. فمن مفارقات مفاوضات الفيدرالية العراقية استبعاد فكرة الفيدرالية العربية – الكردية، ما يعني اقليماً كردياً يضم ثلاث محافظات كردية وإقليماً عربياً يضم سائر المحافظات البالغ عددها ١٥ محافظة. وقد رفضت الاحزاب العربية ذلك، مقترحة حق كل محافظة في أن تكوّن لنفسها إقليماً فيدرالياً قائماً بذاته. وذلك في فترة كان فيها الحزبان الشيعيان الرئيسيان يعيشان في ظل غواية بناء إقليم جنوبي يضم المحافظات ذات الأكثريات الشيعية.
تكررت محاولات الأسلمة في موضوع تصميم العلم العراقي الجديد. رُفضت اقتراحات بالعودة الى العلم الجمهوري لثورة ١٤ تموز، الذي يجمع الألوان العربية مع الرموز الكردية والعراقية القديمة والجمهورية، فأصرّت الأحزاب العربية على التغيير الكامل لشكل العلم في تصميم جديد. ولما خرج التصميم الجديد، طغى عليه اللون الازرق (ما ذكر الناس بالعلم الاسرائيلي) وأبرز رموز الهوية الاسلامية (الهلال) وبلاد الرافدين (عارضتان زرقاوان) على حساب أي اشارة الى ما يرمز الى الهويتين العربية والكردية والى الجمهورية. فلم يكن غريباً أن تقوم تظاهرات عنيفة ضد العلم الجديد منعت اعتماده.
ألا يدلّ كل ما ورد أعلاه على أن الوحدة ليست معطى طبيعياً لا يتطلب إلا تنقية الشواذات فيه أو استئصالها؟ إن التجزئة القطرية والقومية هي الحال الطبيعي. والوحدة هي المصطنع. وإن الانطلاق من هذه الفرضية ليس غرضه طبعاً إنكار اهمية الوحدة، او إسقاطها من الحساب، ولا تأجيلها، ولا الاستسلام لعوامل التجزئة المكرسة والمتفاقمة، بل هي اختيار لأسلم الطرق لبناء الوحدة، لصناعة الوحدة.

الحامل الاقتصادي

اللافت أيضاً في عهد هذه العروبة المدجنة الثقافوية المنفّطة، هو الغياب المتزايد للمكوّن الاقتصادي. خليق بالهمّ الوحدوي الآن أن يثير سؤالاً يجري التلميح له تلميحاً، أعني به وحدة المصالح المشتركة. إن تغييب منطق المصلحة إضافة إلى تغييب الاقتصاد عن المشروع الوحدوي عامل إضافي من عوامل تكريس التجزئة وإضعاف العالم العربي عموماً وعجز القوى القومية والإسلامية، وملحقاتها اليسارية، عن الإنجاز.
من حيث التاريخ، نتحدث عن التجزئة الكيانية السياسية في تطبيق اتفاقية سايكس بيكو ونتناسى مفاعيل سايكس بيكو الاقتصادية. لم تكن التجزئة الاستعمارية مجرد وسيلة للسيطرة المباشرة او الجيوستراتيجية فقط، بل كانت أيضاً وسيلة لربط كل قطر عربي على حدة بروابط استتباع اقتصادي بهذا القطب الغربي او ذاك. بهذا المعنى، لم يكن للتجزئة في اتفاقية سايكس بيكو وجه اقتصادي كبير وحسب، بل كان ذلك الوجه تأسيساً لمكوّن من مكونات السيطرة الاستعمارية، سوف يتفاقم بعد ذلك، وهو تفكيك المصالح الاقتصادية المشتركة بين العرب وربطهم مجزئين بالحواضر الغربية.
الأمثلة الناجحة في التجارب الوحدوية هي التجارب التي قامت على المصالح المشتركة بين عناصر مجتمع معين. أو قارة معينة. هنا يحضر طبعاً المثال الاوروبي الذي بدأ بالاقتصاد ليصل تدريجياً الى السياسة. أما في تجربتنا العربية، فقد لا يكون مبالغاً القول إن اتحاد الإمارات العربية، التجربة الوحيدة الباقية من التجارب الوحدوية، مستمرة لأن التكامل الاقتصادي والمصالح الاقتصادية المشتركة مكوّن أساسي من مكونات وحدتها. ويمكن أن يضاف اليه وجود قطب توحيدي هو إمارة ابو ظبي.
في وجه النزعة السياسوية السائدة، يمكن القول بلا تردد إن الطريق الاقتصادي الى الوحدة العربية، أي الوحدة السياسية، هو الطريق السليم والمضمون.
لكن ماذا عن مسؤوليات القوميين والعرب عموماً في التجزئة الاقتصادية؟ من المسؤول مثلاً، في كل بلد عربي، عن بؤس التبادل الاقتصادي والتجاري بين الدول العربية الذي هو بحجم الكارثة، لا يتعدى 7 إلى 10%. النسبة بين سوريا ولبنان لا تتعدى النسبة الـ4 – 5%. لهذه الأسباب والعديد غيرها، يجب إعادة الاعتبار للحامل الاقتصادي للعروبة. وخصوصاً في زمن يراد فيه تلخيص العروبة الى مجرد رابطة ثقافية. ولنقل سريعاً إن عنصرين يلزمان لأي تصور جاد لبناء مكونات القوة والوحدة العربيتين.
العنصر الأول هو سيطرة المنطقة على مواردها وثرواتها الطبيعية من النفط والغاز والمعادن والمياه.
والثاني هو قيمة العمل. وليس من قبيل الصدفة أن عروبة زمن النفط والاستهلاك نادراً ما تلقى فيها أثراً للنفط ولا لكلمة عمل. ومن جهة أخرى، ما أكثر المثقفين والمفكرين العرب الإصلاحيين الذين يطبّلون ويزمرون لقيام ما يسمّونه ثورة بروتستانتية في الاسلام، داعين الى العودة الى النص الأصلي، والى العلاقة المباشرة بين المؤمن والألوهة، وتطبيق مبدأ أعط لقيصر ما لقيصر وما لله لله. لكنهم يتناسون أن الدعوة البروتستانتية تقوم أيضاً وخصوصاً على تقديس قيمة العمل. مهما يكن، بثورة بروتستانتية او بدونها، لا معنى لعروبة الحاضر، إذا أردناها مشرعة على المستقبل، بل إذا أردنا لها مستقبلاً، إذا هي لم تعد الاعتبار لقيمة العمل والشغل والكدح في مقابل التنبلة الريعية والفحش الاستهلاكي.
* كاتب وأستاذ جامعي
(النص نسخة مكتوبة لمداخلة شفوية ألقيت في ندوة العروبة والمستقبل، دمشق، آذار ٢٠١٠)