بعد عشرين عاماً على صدور الطبعة الأولى من كتاب «مثقفون وأمير..» للكاتب السعودي محمد سعيد طيب، كتب مواطنه، الباحث عبد العزيز الخضر مقدمة تنشرها «الأخبار»، للطبعة الثانية التي صدرت أخيراً. يناقش الكتاب قضايا تؤرق المجتمع السعودي. قضايا كانت ذات أهمية منذ عقدين، ولا تزال كذلك حتى اليوم: عمل المرأة وقيادتها السيارة وحصولها على بطاقة هوية، فساد الموظفين، المشايخ والمتدينين، وغيرها من الموضوعات الشائكة


عبدالعزيز الخضر*
هناك منعطفات تاريخية يبدأ معها الرأي العام بالتحوّل والشعور بأنّ ما قبل يختلف عما بعد. كثير من السعوديين نقلتهم أحداث عام 1990 وتطورات حرب الخليج من وعي إلى آخر، وتأثر بذلك الزلزال جميع التيارات والأطياف الفكرية، وتغيّر وعي الشارع ونظرته إلى العالم من حوله. ولا تزال آثاره حاضرة في المشهد السعودي بأسئلة سياسية واجتماعية ودينية لم تحسم بعد. ومع أنّ تطورات تقنية الاتصالات أخذت مساراً ثورياً منذ ذلك الوقت في التواصل الكوني، ومثّلت انقلاباً هائلاً في بعض المفاهيم وزحزحت حالات من الجمود في الوضع الثقافي والاجتماعي والحريات والرقابة، حيث تعثرت بعض قدرات الرقيب الرسمي في مواجهة متغيرات التقنية، لا تزال هناك حالات تأخر في الحراك المحلي. فالصحافة لا تزال معطلة عن أداء دورها المفترض في أي مجتمع معاصر. ولا تزال الذهنية الدينية والاجتماعية تقاوم كثيراً من مسائل تلك المرحلة من أجل تجميد الزمن، ونجحت في تأجيل الكثير منها. ولم يحقق المثقف السعودي ما هو مأمول منه، وتتزايد مشكلات التنمية بالرغم من محاولات الدولة المستمرة في الإصلاح والتطوير.
بعد مرور أكثر من عقدين على حرب الخليج، وأحداث الغزو العراقي للكويت، لا يزال هناك الكثير مما يجب أن يقال من رصد وتحليل وتأمّل لم يدوّن بكل تفاصيله عن تلك المرحلة. مرحلة تلتها تحوّلات إقليمية وعالمية، وتغيّر موازين القوى في المنطقة، التي تزامنت مع نهاية الحرب الباردة. هذه التطورات كلّها أثّرت على السعودية، دولة ومجتمعاً.
في الماضي، كانت تبدو أهم مشكلات المثقف والإصلاحي السعودي عدم تدوينه أفكار كّل محطة تاريخية ومتطلباتها ومشاعرها. كتابات ستقرأها أجيال أخرى، فيطلعون على سياق كل أزمة مرت في المجتمع والدولة. هكذا يدرك الجيل التالي مدى التقدم والتغيير الذي يحدث، وهل لا يزال المجتمع عند متطلبات قيلت منذ عقود؟ كلّ هذا، في بيئة ظلّت الصحافة فيها مغيّبة عن مناقشة الأفكار والقضايا الإصلاحية على مستوى الرؤية السياسية والاجتماعية مقابل الإغراق في التفاصيل الإدارية التنفيذية اليومية.


وجّه النقد إلى فئة المشايخ والاهتمامات السائدة في الخطاب الديني، وكيف شُغلوا بأسئلة هامشية

عندما يدوّن المثقف في أيّ مجال أفكاره وآراءه الإصلاحية بأي طريقة عبر مقالة أو رواية أو كتاب أو مذكرات، فيرصد هموم اللحظات الحرجة التي واجهها المجتمع، فإنّه بذلك يقدم خدمة كبيرة للوطن في خلق وعي متراكم لتطوير خبرات الفرد والمسؤول في المجتمع. هذا يحدث عندما تكون هذه الكتابات بلغة عقلانية ورؤية مسؤولة بعيدة عن الصراخ السلبي والشتائم.
تبدو أهمية كتاب «مثقفون وأمير..» للناشط الإصلاحي المستشار محمد سعيد طيب، في أنّه عيّنة تاريخية نادرة من الحالة السعودية لتكوين رؤية حول أهمية تدوين الأفكار ونشرها في حينها بأيّ طريقة عن مسائل وقضايا لا تتحمل الصحافة المحلية عرضها في أجواء تلك المرحلة. وعندما تعيد قراءة هذا الكتاب بعد عقدين من صدوره ستفاجأ بمضمون الأفكار والقضايا المطروحة. فلا يزال كثير من هموم وسجالات تلك المرحلة الاجتماعية والدينية والسياسية هي هموم اللحظة التي نعيشها، وانتقل بعضها إلى خطاب الصحافة والإنترنت والفضائيات.
وهذا دليل إما على رؤية مستقبلية متقدمة عند الكاتب المشغول بقضايا الإصلاح منذ مراحل مبكرة من حياته، أو دليل على حراكنا البطيء جداً في مواجهة تحديات كلّ مرحلة. من المهم أن يستحضر القارئ اللحظة والتاريخ اللذين كتبت فيهما هذه الأفكار، وأن يقارن ذلك بأفكار اليوم وهمومه.
لقد نجح المؤلف في تكثيف هموم تلك اللحظة التاريخية والتعبير عن الرؤية الإصلاحية والنقدية التي يحملها ولم يتعرف إليها المجتمع بما يكفي في تلك المرحلة. لا يعرض الإعلام مثل هذه الرؤى ولا تنشر مثل هذه السطور في الصحافة إلا بلغة رمزية غامضة. أعدت بعض مضامين هذا الكتاب للنشر فيما يبدو في الصحافة المحلية، وهو ما لم يحدث لحسن الحظ، لأنّه لن يتاح ذلك إلا بتشويه مضمونها لتناسب مستوى الرقابة في ذلك الوقت، وستفقد بذلك قيمتها الحقيقية في تدوين انطباعات تلك المرحلة. وتتجاوز أهمية هذا الكتاب مجرد إطلاع القارئ على أسئلة تلك المرحلة، إلى كشف طريقة تفكير جيل من المشتغلين بالإصلاح والشأن العام، وتفاصيل رؤيتهم للإصلاح ومدى اعتدالها أو ثوريتها.
ظهر الكتاب من بدايته إلى نهايته بلغة صحافية جذابة وحوارات سهلة بعيدة عن التكلّف، تقربك من أجواء تلك الجلسة التي يختلط فيها خيال الكاتب بالواقع. لقد قدّر للإصلاحي الأستاذ محمد سعيد طيب أن يشهد تحولات ويعايش متغيرات عالمية كبرى أثرت على طبيعة الصراعات في المنطقة. كما عاصر مرحلة بدأنا نودع معها عالماً قديماً بتوازناته الدولية ومدارسه الفكرية إلى مرحلة جديدة أصبحت فيها كلّ دولة أمام تحديات وأزمات خاصة.
لقد أشارت سطور مقدمة المؤلف إلى هذه المشاعر العميقة بتغير العالم من حوله: «تغيّر العالم ـــــ مرّات ومرّات ـــــ منذ فجر البشرية، وفي القرن الأخير كان حجم التغيرات أكبر مما شهدته البشرية آلاف السنين، وقبل أن يطوي القرن الجاري ملفاته ويحمل أوراقه حدث ما يشبه الزلزال، وبدأ ينطوي العالم القديم مفسحاً الطريق إلى عالم جديد ونظام دولي جديد مختلف...».
إنّ عنوان «مثقفون وأمير..» لافت، وقد صيغ بلغة صحافية ماهرة تذكرك بعناوين كتب كبار الصحافيين. وهو عنوان لا يخلو من حساسية في ذلك الوقت، لأنّه قد يوحي بمضمون جريء في مواجهة السياسي. لم يتعوّد القارئ المحلي وجود مفردة «أمير» في الثقافة والفكر، إلا في سياقات وأنماط محددة وتقاليد يدركها المتابع للخطاب الثقافي والإعلامي السعودي.
جاءت مفردة «أمير» في العنوان الرئيسي للكتاب وكأنّها تمثل الجانب السياسي. لكنّ المؤلف اختار أن يكون السياسي محايداً بين الأطراف المتحاورة، وهو الدور المتوقع لأيّ سياسي عقلاني. وقد ظهر دوره الأهم في رعاية مثل هذا الحوار وتشجيعه وتقبله بصدر رحب. قد يفهم من هذا التحييد أنّه محاولة لتخفيف الإشكال السياسي. والواقع أنّه خيار يعبّر عن صورة قريبة من الحقيقة في مثل هذه الملتقيات الفكرية، حيث لا يشارك المسؤول الرسمي في تقديم رأيه مباشرة. لكن هذا لم يمنع من مشاركته أحياناً في سجال الكتاب عبر إجابات موجزة تصوّر طبيعة الإدارة السياسية لمثل هذه القضايا التي تناولتها الجلسة المتخيلة.
في أحد حوارات المؤلف قبل سنوات حول الكتاب، أشار إلى أنّه «كانت لديّ مجموعة من الطروحات التي أحببت مناقشتها وطرحها مع القارئ، لكنّها كانت تحتاج إلى ما يناهز الثلاثين مقالاً، فآثرت أن أنحو بها منحىً آخر. أتخيّل عدداً من المثقفين في مجلس أحد الأمراء، وهو أمير متفتح الذهن وواسع الصدر، فيعطيهم حرية الكلام، ويبدأ المثقفون في مناقشة بعضهم بعضاً في حضور هذا الأمير، وبمشاركته، إذا لزم الأمر. ومن خلال هذا الحوار الذي يستمر كما تخيلته من أول الليل إلى أذان الصبح، يناقش الكثير من قضايا الوطن والمجتمع. بمعنى آخر، أردت أعرض وجهات نظر مختلفة، لشرائح مختلفة تمثل أكثر من تيار واحد!».
قد يبدو خيار تحييد السياسي تجاوزاً لحساسية متوقعة في تلك المرحلة، لكنّه أيضاً يعبّر عن ذكاء الكاتب هنا؛ فرؤية السياسي للأمور وتوقيتها ستختلف دائماً عن رؤية الناشطين في بعض المجالات، وفقاً لظروف كل مرحلة، مقابل توسّع المؤلف في عرض آراء مختلف التوجهات في المجتمع والتي عبّر عنها كل فرد من الحضور بنحو مباشر أو غير مباشر.
خلال الحوار، كانت شخصية «أبو أحمد» الأكثر حيوية وصراحة في التعبير عن آرائها والنقد للأوضاع المصحوب بسخرية لاذعة في كثير من الأحيان، وعرض تشبيهات كاريكاتورية مشبعة بالنقد للواقع. وقد كانت النخب المثقفة أولى الفئات التي طاولها النقد الشديد والساخر، وأشار إلى مبدأ «الدهان» والتلميع للواقع الذي تبنته فئة منتفعة من الأوضاع.
مَثل شخصية الرجل المتديّن والفئة المحافظة «الشيخ خلف». ومما يسجل للمؤلف هنا أنّه لم يبالغ في تشويه وجهات النظر الأخرى المختلفة مع شخصية «أبو أحمد» الساخرة. فقد حاول تمثيل آرائها بقدر من الموضوعية لكنّها لم تصل لحُجة آراء «أبو أحمد» ومنطقه لأنّ ذلك سيؤثر على الرسالة التي يريد إيصالها من هذا الحوار الساخن. كان الحوار في الجلسة الطويلة التي امتدت إلى الفجر عفوياً، ومن دون ترتيب جامد للقضايا؛ فالمحاور والموضوعات تأتي بسهولة وانسيابية من دون تكلف، ما أعطى الحوار حيويّة تجعل القارئ لا يتركه حتى النهاية. وجدت بعض الجوانب الإخراجية الشكلية في الطبعة الأولى كان على الناشر تلافيها ليبدو مضمون الحوار أفضل.
هناك سؤال متوقع قد يطرحه البعض: هل كان الحوار بالفعل متخيّلاً أم حقيقياً، بموضوعاته والقضايا المطروحة؟ أم هو جزء من الواقع والخيال؟ وبغض النظر عن إجابة المؤلف التي أشرت إليها، فمن يرصد مثل هذا الحوارات يجد أنّها فعلاً تعبّر عن هموم مرحلة ما بعد أزمة الخليج.
في التعبير عن تلك اللحظة التاريخية كان العنوان في الداخل «أحاديث ما بعد العاصفة.. حول الشورى والباب المفتوح والمستقبل..». وانطلق الحوار حول حرب الخليج والقصف الجوي والحصار البحري وصواريخ «سكود» و«باتريوت» والعمليات البريّة ومسرح العمليات. وفي تهيئة موضوعية للحوار، بدأ بنقد المثقفين الذين «يقولون ما لا يفعلون» والتساؤل لماذا يداهن المثقف ويلمّع الواقع وهو ليس تحت ضغوطات؟
بعدها تحوّل النقد إلى فئة المشايخ والاهتمامات السائدة في الخطاب الديني، وكيف شغلوا بأسئلة هامشية، مقارنة بحركات أصولية في دول العالم العربي التي تهتم بقضايا أكبر. يقود هذا النقد الجلسة للحوار حول قضية قيادة المرأة للسيارة. ومع تأييد شخصية «أبو أحمد» لمطلبهن، يطرح رأيه بحماسة وثقة حول المستقبل: «ما أكون أبو أحمد.. إذا ما ساقوا... عفواً... إذا ما سُقْنَ خلال خمس سنوات...».
هكذا ينطلق السجال الساخن بانسيابية من موضوع إلى آخر. يناقش قضية عمل المرأة، وأخطاء المتدينين والمثقفين، ومشكلات الفساد والرشوة عند بعض الموظفين، وأحقية المرأة ببطاقة شخصية. كما ينتقد بطريقة ساخرة التعليم العالي النظري، وسوء إدارة العمل الخيري المحصور بأفق ضيق. ثم ينتقل الحوار إلى نقد القطاع الخاص وسلبيته في دعم التنمية ومواجهة البطالة وقضية السَعْوَدَة. ثم يتطرق إلى رؤية مستنيرة حول أخطاء علاقتنا بالأجانب التي بدأت تظهر بصفتها ممارسات اجتماعية.
وفي سياق الحوار، تأتي الإشارة إلى قصة المعركة بين غازي القصيبي ومشايخ الصحوة في ذلك الوقت. ولا تخفي شخصية «أبو أحمد» تعاطفها مع القصيبي بالرغم من عدم انتقادها لسلمان العودة: «الشيخ العودة مثلاً... والدكتور القصيبي كلاهما على مستوى... وكلاهما عنده ما يقول...». ولهذا يقترح «أبو ناصر» مناظرة تلفزيونية يتابعها الملايين. وهكذا يستمر السجال إلى قضايا أخرى منها حرية الصحافة، ومسألة الرقابة، وانتقاد الخصوصية، ومشكلات القضاء، ومجلس الشورى وغيرها.
لم تخلُ لغة الحوار من الإشارات واللمحات الذكية التي تفهم في سياق كل جملة، والتوقف عند أساليب المقاومة والمبررات التي تقف في وجه الإصلاحات التي ينشدها ومنها مسألة التوقيت. ويطالب «أبو أحمد» بسخرية بحلّ شركة «ما هو وقته» وأنّها يجب أن تصفى: «كلّ ما قلنا شيئاً قالوا: ما هو وقته..»، وشركة أخرى باسم «من أنت.. وإيش تكون».
كانت بعض القضايا التي طرحت ذات حساسية رقابية شديدة في حينها. نعايش اليوم الكثير من المتغيرات في مجتمعنا، فبدأت الصحافة ومنتديات الإنترنت والبرامج الفضائية تستهلك الكثير من هذه الأفكار والملفات، خصوصاً في العقد الأخير، حتى تحوّل بعضها إلى مظلة الحوار الوطني. لقد زالت حساسية المضمون رقابياً إلى درجة يمكن نشر محتويات هذا السجال في أيّ جريدة محلية. لا يعود ذلك إلى تطوّر الصحافة أو الإجابة عن الأسئلة المطروحة، بل لأنّ حجم التحديات والأسئلة تضخمت في تطورنا الحضاري ومتغيرات العالم من حولنا، فأصبحت بعض هذه القضايا أقل حساسية، وتعايش الجمهور مع مثل هذه الإشكاليات بالرفض أو القبول.
كان ينقص كتاب «مثقفون وأمير..» في الماضي أن يعلن المؤلف عن اسمه صراحة في الغلاف. فحتى لو عرف القارئ من مصادر أخرى من هو صاحب هذا الكتاب، تظل سلبية غياب هوية المؤلف مؤثرة على جمهور عريض، لأنّ الأفكار والرؤى لا قيمة لها من دون هوية كاتبها وتحمّله مسؤليتها في الحاضر والمستقبل.
برر المؤلف إخفاء اسمه على ظهر غلاف الطبعة الأولى بقوله: «إنّ المبرر الوحيد لتغيير الاسم هو الرغبة الصادقة في تلافي أي تصور واهم بأنّ الهدف من الكتاب كان الرغبة في الظهور أو عرض العضلات أمام المجتمع أو أمام أي جهة أخرى.. لا سمح الله». تبرير يمكن فهمه على أنه تواضع محترم من الكاتب، لكن أهمية إخفاء الاسم تبدو أحياناً في جوانب أخرى أبرزها الإشكال السياسي. وإذا كان هناك إيجابية تغري للكتابة باسم مستعار فإنّها تحييد الموقف المسبق من الشخصية، فتجري قراءة الأفكار المطروحة من دون شخصنة، لأنّ البعض يهتم بالقائل أكثر من المضمون.
وحول هذا الموضوع، كتب الكاتب الصحافي الكبير محمود السعدني مقالاً شهيراً عن الكتاب، وأشاد بقيمته في أوائل التسعينيات الماضية. فقال «مثقفون وأمير كتاب مفيد بالفعل، لكن الذي أحاول فهمه الآن هو السبب الذي جعل مثل هذا الكتاب بلا صاحب، لأنّ عبد الله فوجئ على ظهر الغلاف بأنّ اسم المؤلف مستعار وأنّ المؤلف آثر الاختفاء. لماذا آثر الاختفاء مع أنّه لم يطلق النار على أحد ولم يسبب أذى لأي إنسان؟ بل حاول أن يشعل شمعة وسط الظلام» (صوت الكويت، 16/ 6/1992). مع هذه الطبعة سينتهي هذا السؤال عن لماذا آثر المؤلف الاختفاء.
لقد أصبحت شخصية الأستاذ محمد سعيد طيب مألوفة في حضورها الإعلامي منذ بدايات ما سمي ربيع الإصلاح في السعودية ومن رموزها بصفته داعية إصلاح مدني، وعرف على أنه أحد الصالونات الشهيرة في جدّة، عروس البحر الأحمر. وتبدو تجربته في شركة «تهامة» علامة فارقة عبر نحو ربع قرن في المشهد الثقافي المحلي، وخدمة الفكر عبر نشر الكتاب السعودي في مشروع طموح. مشروع أسهم في تواصل أجيال من المثقفين مع الرواد من مختلف مناطق المملكة. وقد نشر في مرحلة كانت الدولة خلالها في ورشة عمل لتأسيس بنية تحتية لمساحة كبيرة من المدن والقرى في مختلف المناطق، فتعرّف القارئ إلى نتاج أعداد كبيرة من النخب الوطنية منذ بدايات التأسيس

لقد زالت حساسية المضمون رقابياً إلى درجة يمكن نشر محتويات هذا السجال في أيّ جريدة محلية
ورؤيتهم الثقافية والاجتماعية. ونشر أغلب النتاج الأدبي الرائد في الحجاز لحمزة شحاتة، ومحمد علي مغربي، وطاهر زمخشري، وأحمد السباعي، ومحمد حسن عواد، وأمين مدني، وأحمد قنديل، ومحمد عمر توفيق، وعزيز ضياء، وأحمد محمد جمال، وغازي القصيبي وأبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري وغيرهم. وقد نُشر ما يقرب من خمسمائة عنوان توزعت بين كتب للأطفال وللناشئين ولكبار الأدباء والكتاب، وأسهمت أيضاً في نشر الكتاب الجامعي.
وإذا تجاوزنا تجربة المؤلف في مرحلة الستينيات وظروفها السياسية وثقافة شباب ذلك العصر التي لا تخلو من بعد ثوري عند أبناء ذلك الجيل، هو الذي أشار إلى ذلك في عدد من حواراته ولقاءاته، فالواقع أنّنا أصبحنا أمام تجربة مدنية داخلية وخطاب إصلاحي تكوّن مع مرور الوقت فأصبح أكثر عقلانية في رؤيته للأمور. وللبعض أن يختلف مع هذه الدعوات في رؤيتها النقدية وتوقيتها وكثير من تفاصيل خطابها، لكن من المهم أن يوجد وعي عام بأهمية النقد الداخلي عندما يأتي بروح إصلاحية معتدلة.
في العقد الأول، ومنذ بداية هذه الألفية الجديدة وتطورات ما بعد 11 ايلول / سبتمبر، أصبح متاحاً للمواطن والقارئ العادي الاطلاع على الكثير من رؤى وأطروحات المشتغلين في الإصلاح المدني من المثقفين والدعاة من مختلف الاتجاهات عبر الفضائيات والمنتديات والصالونات والإنترنت. وأصبح الكثير من هؤلاء نجوماً ووجوهاً مألوفة لدى المشاهد العادي لكثرة ظهورهم. وأصبحت القضايا المطروحة جزءاً من أحاديث الشارع. في مراحل سابقة كانت مثل هذه القضايا مجرد هموم نخبوية يتهامسون فيها خلال التواصل الشخصي.
كنت آمل أن تطول سطور هذه المقدمة التي شرّفني بها أستاذ جيل ورمز إصلاح وطني لمناقشة محتويات هذا الكتاب الجدير بالاطلاع لولا الخشية من أن تفسد هذه السطور على القارئ متعة قرءاته. لقد تناول الحوار الكثير من القضايا الوطنية التي تستحق الجدل والاختلاف. وليس المهم أن يوافق البعض على ما جاء فيها أو على طريقة تناول المؤلف لهذه الموضوعات الساخنة في المشهد الفكري السعودي، بل الإيمان بأهمية تعبير النخب المثقفة والمشتغلين بالإصلاح والكتاب عن رأيها وتدوينه بأي طريقة. فلا يزال مجتمعنا بحاجة إلى كلّ صفحة أو مقالة أو رواية تحكى، لرصد تطوّرات المجتمع السعودي في كلّ مجال بقدر من الشفافية والمصارحة والتقدير للآخر كما جسّده هنا قلم الأستاذ محمد سعيد طيب في هذا الحوار والجدل المحترم في جلسة «مثقفون وأمير..».
* باحث سعودي، صاحب كتاب «السعودية.. سيرة دولة ومجتمع»