سعد الله مزرعاني*

في خضم الصراعات القائمة وما تنذر به من تصعيد سياسي وأمني خطير، لا يفعل البعض سوى تكرار رؤيته وموقفه الفئويين. ينطبق ذلك، بالدرجة الأولى على «الفريق المسيحي» في تحالف 14 آذار. هذا الفريق الذي اجتمع في مقرّ البطريركية المارونية في بكركي وبرعاية وحضور البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير (في الخامس من الشهر الجاري)، «أطلق نداءً من أجل لبنان»، مكرّراً مطلبه المركزي «وضع حدّ لازدواجية السلاح». المقصود بذلك سلاح المقاومة، أي سلاح «حزب الله».
هكذا، بكلّ بساطة، يجري النظر إلى هذا السلاح بوصفه سلاحاً خاصّاً، وبوصفه أداة في الصراع الداخلي، ما يهدّد «جوهر الخيارات الوطنية التي قام عليها لبنان».
لا يعبأ المشاركون في اللقاء بالتعقيدات التي تكتنف موضوع السلاح ووظيفته ودوره في النظامين اللبناني والإقليمي. لا يعبأون أيضاً بذلك الخلل في مطلبهم، لجهة أنّ المقاومة وسلاحها (في شكلها الوطني والإسلامي) قد أدّيا دوراً حاسماً في تحرير معظم الأراضي التي كان يحتلّها العدوّ الإسرائيلي. هم يقفزون فوق إنجازها، وخصوصاً في عام 2000، ولا يستذكرون من ذلك التاريخ إلا بداية «معركة الاستقلال» التي أطلقها نداء المطارنة الموارنة في خريف ذلك العام بالذات!
يتجاهل المشاركون في اجتماع بكركي المذكور، أنّ موضوع السلاح هو موضوع سجالي وخلافي ينقسم بشأنه اللبنانيون انقساماً حادّاً. مع ذلك فهم لا يترددون في تكرار شعارات قديمة أو مستحدثة بشأن الحرص على «التنوّع وعدم الاستتباع والحرص على الصيغة الفريدة ومشاريع الدويلات»، إلى آخر مثل هذا الكلام الفاقد كلّ معنى بالنسبة إليهم وإلى سواهم على حدّ سواء.
ينكر إذاً «النداء من أجل لبنان» جوهر المشكلة وسبب الانقسام. وهو بذلك لا يقدّم أيّ مساهمة في السعي من أجل الخروج من الأزمة التي يغرق فيها لبنان والتي يمكن أن تتطوّر نحو الأسوأ. ليس ذلك فقط، بل إنّ هذا النداء يعلن، مرّة جديدة، بعد «وثيقة البيال» قبل حوالى ثلاث سنوات، ارتباطه بمحور «الاعتدال العربي» وبالقوى التي تمارس دوراً حاسماً في تحديد سياسة هذا المحور، أي خصوصاً الولايات المتحدة الأميركية.
يصبح من المشروع تماماً القول، رغم ما ورد في النداء من الكلام المنمّق والغيور على «عروبة لبنان»، إنّه في مطلبه الداخلي وفي ما يعلنه من انتماء خارجي يؤكد تخندقه في موقعي الصراع، وبالتالي فهو لا يفعل شيئاً سوى تعميق الأزمة.
ينطلق هذا الاستنتاج من أنّ لبنان يحتاج إلى تسوية. أما النداء، فيكتفي بتكرار مطلب فئوي هو أيضاً، وليس بالصدفة للأسف، مطلب أميركي وغربي وإسرائيلي، كما هو مطلب حلفاء هؤلاء من عرب «الاعتدال» ولو على شيء من التباين في الحدّة أو الدرجة أو اللهجة.
يصحّ إذاً، ودون أدنى تحامل، أن نعبّر عن خيبة بسبب ما ورد في نداء اجتماع بكركي، وخصوصاً أنّ غبطة البطريرك صفير كان قد ذهب أبعد في الدعوة إلى صدور القرار الظني الموجّه لاتهام حزب الله «مهما تكن التداعيات».
لم ينتبه كاتبو النداء إلى أنّ موقف غبطته يمكن أن يُصنَّف ضمن ما وصفه (ورفضه) البيان «بالتضحية بالسلم الأهلي من أجل العدالة». ربما حصل ذلك لداعي السجع واكتمال المعادلات اللفظية والشعاراتية، والنداء حافل بهما. وربما أيضاً، بسبب ما ينمو الآن من أوهام حول «عودة واشنطن» وحول تبدّل موازين القوى الإقليمية بتأثير تغيّرات إقليمية سياسية وأمنية. أو ربما ألقي كلّ ذلك على عاتق رئيس الجمهورية الذي دعاه النداء إلى «وضع الجميع (أي الآخرين) أمام مسؤولياتهم والعمل على وضع حدّ لازدواجية السلاح».
ماذا كان ردّ الرئيس ميشال سليمان؟ جاء الردّ سريعاً، في الكلمة التي وجّهها بمناسبة عيد الاستقلال. لقد قدّم رئيس الجمهورية «التوافقي» درساً جيداً وجديداً في علم التوفيقية التي تقول كلّ ما يرغب الأطراف في سماعه دون أن «يموت الذيب أو يفنى الغنم».
ليس البحث عن تسوية خطأ، بل قد يكون عدم الوصول إلى هذه التسوية خطيئة في مرحلة من المراحل. لكنّ هذا الأمر يختلف عن ترداد كلام لا يسمن ولا يغني، عن دفع فتنة أو حلّ أزمة متفاقمة. ويزداد هذا الأمر حين نلاحظ أنّ الرئيس يتراجع عن خطوات سبق له أن أكّد أولويتها وحيويتها بالنسبة إلى لبنان وإلى اللبنانيين في الطور الراهن من محنتهم المزمنة. فهو كان قد دعا سابقاً إلى إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، كما شدّد على ضرورة إقرار قانون نسبي للانتخابات النيابية.
يجب الاتفاق رغم ذلك مع استنتاج الرئيس بأنّ «المسؤولية الأولى والأهم تبقى على عاتقنا نحن كلبنانيين، لاجتراح الحلول المناسبة والثبات عليها». لكنّ شرط ذلك، ومن موقع الرئاسة الأولى، السعي والمبادرة وتحديد الأولويات ومعها المسؤوليات.
يكاد الرئيس أن يصبح عاجزاً عن القيام بأيّ دور: فمجلس الوزراء منقسم ومعطّل، ومؤتمر الحوار الوطني مطعون في قدرته على مجرّد الاجتماع، فكيف على الإنجاز وشق طريق الحلول والمصالحات. ونستطيع القول إنّه بات على الرئيس الانتقال من التوفيقية إلى الوفاقية. والمقصود بذلك أن يطرح هو، وانطلاقاً من المسؤولية الوطنية، ما يجب اعتماده من برامج وسياسات ومن خطوات مؤدّية إلى تحقيقها.
والبرامج والسياسات المطلوبة هي تلك التي تستدعيها المصلحة الوطنية قبل سواها. وبديهي أنّه لم يعد ينفع في تحديد تلك السياسات والبرامج والأساليب الكلام العام من مثل «تغليب الثوابت... والالتزام بخط التوافق والحوار والتسامح...» كما جاء في خاتمة رسالة الاستقلال.


يواصل فريق الثامن من آذار «هوايته» في العجز عن تقديم صياغة متكاملة لحاجات الوطن والمواطن

بكلام آخر، إنّ المطلوب، وانسجاماً مع «كون المسؤولية الأولى تبقى على عاتقنا» كما أكد الرئيس، السعي إلى نقل ثقل مركز معالجة الأزمة من الخارج إلى الداخل. هذا مطلب كبير ولا شك، لكنّ رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة. وفي هذا السياق قد تكون الخطوة الأولى هي السعي الحثيث إلى منع تعطيل المؤسسات، كما يحصل الآن وكما كان يحصل في السابق. لكن كيف؟ هنا يأتي دور الأولويات التي ينبغي أن تتكامل في مشروع ـــــ تصوّر متكامل، يبدأ بمواجهة العدو عبر تكريس معادلة الشعب والجيش والمقاومة، وصولاً إلى اتخاذ خطوات حقيقية على طريق بناء الدولة. دولة المؤسسات والمساواة لا دولة الطوائف والمذاهب والامتيازات والفساد والنهب والمحسوبية، أي الدولة المزرعة التي يتقاسمها المحاصصون الكبار والمرتزقة الصغار.
لا معنى للمحافظة على موقع الرئيس إذا انهار البلد، ولا مبرّر للخوف عندما تقتضي المصلحة الوطنية شيئاً من الإقدام والشجاعة. ولقد سبق للرئيس أن قام بعض الخطوات، ووعد بسواها، ثم تردّد حيث لا ينبغي التردّد ولا تسمن الشكوى.
بالتأكيد يمكن تفصيل هذه العناوين أو تعديلها، لكنّ الرئيس سيجد نفسه وحيداً. ففي مقابل فئوية طرف، يواصل طرف آخر «هوايته» في العجز عن تقديم صياغة وطنية متكاملة لحاجات الوطن والمواطن. والمقصود هنا إمعان فريق الثامن من آذار في الاستنكاف عن تقديم مشروع وطني شامل تقع فيه المقاومة في موقعها الصحيح في عملية الحفاظ على أرض وسيادة ووحدة البلاد، وعملية السعي من أجل سعادة وحرية اللبنانيين وإشاعة المساواة والعدالة في ما بينهم.
ماذا عن القوى «الوطنية والديموقراطية»؟ عليها أوّلاً أن تكون حاضرة بمشروعها وببرنامجها وبدورها وأن تكفّ عن الاستقالة والتجريبية والفئوية أيضاً.
*كاتب وسياسي لبناني