إعداد وترجمة ديما شريف

من المتوقع أن يعقد في الفترة المقبلة، اجتماع لطرفي الصراع في الملف النووي الإيراني: طهران من جهة، والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي مع ألمانيا، من جهة أخرى. يتوقع بعض المحللين الفشل المسبق لهذه المحادثات، ويطالبون بالابتعاد عن نظرية السفير الأميركي الأسبق إلى الاتحاد السوفياتي جورج كينان عن «احتواء العدو». فطهران اليوم ليست موسكو الحرب الباردة. إلا أنّ آخرين رأوا ضرورة التركيز على الحوار والدبلوماسية، الحلّ الوحيد للنزاع، ونسيان خيار الحرب والضربة العسكرية. لكن حتى أعتى المتفائلين يعترفون بوجود عقبتين أمام التوصل إلى حلّ: العناد الإيراني، وفوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية الأميركية

تريتا بارشي ورضا مرعشي *


في الأسابيع القليلة المقبلة، إذا اتفقت الأطراف كلّها على مكان وتاريخ مناسبين للجميع، ستجتمع إيران وأعضاء مجلس الأمن الدائمون مع ألمانيا، أي دول«5+1"، لأول مرة منذ تشرين الأوّل/ أكتوبر 2009. الهدف هو إحياء الدبلوماسية في ما يتعلّق ببرنامج إيران النووي. هذه أخبار جيدة للرئيس الأميركي باراك اوباما الذي تعلّم بنحو قاسٍ، بعد سنتين على بدء رئاسته، أنّ الدبلوماسية مع إيران ليست سريعة ولا سهلة.
الاصطفافات بدأت أصلاً. ولإيجاد مجال مناورة أكبر داخل بلدانهم، أبلغ المفاوضون الإعلام أنّهم سيقدمون إلى الإيرانيين اقتراحاً جديداً قاسياً. ستفاوض الولايات المتحدة من مركز قوة، يقول البيت الأبيض، وذلك انطلاقاً من العقوبات القاسية المفاجئة التي فُرضت على إيران من مجلس الأمن في الأمم المتحدة على نحو جماعي، وأحادي من الدول.
يحاول الإيرانيون أن يبدوا واثقين من أنفسهم بنحو مماثل. يقولون إنّ العقوبات، رغم أنّها مزعجة، لم تؤثّر على البرنامج النووي. في الحقيقة، تتصرّف طهران كأنّها في مركز أقوى اليوم بسبب مخزونها من اليورانيوم القليل التخصيب، وتقدُّمها في ما يتعلّق باليورانيوم المخصّب بنسبة 20 في المئة. وتضيف أنّ تشغيل مفاعل بوشهر قريب جداً، وسيصبح مرتبطاً إلكترونياً مع مراكز أخرى في غضون أسابيع.
الواقع أنّه لم يكن أي من الأطراف متقدماً على الآخر منذ 13 شهراً، موعد بدء آخر جولة من المفاوضات. ربما كان الضغط الدولي المتزايد قد جعل خيارات إيران أكثر حدة، لكن لا أوهام لدى إدارة أوباما بأنّ العقوبات وحدها ستجعل الجمهورية الإسلامية تخفف من طموحاتها النووية. لا تملك أيّ من واشنطن أو طهران الوقت إلى جانبها.
فبعدما استعادت الحكومة الإيرانية زمام الأمور بعد القمع العنيف للتظاهرات المطالبة بالديموقراطية، تواجه عزلة متزايدة وحقائق اقتصادية قاسية. وفي الوقت الذي أدّى فشل محادثات تشرين الأوّل/ أكتوبر 2009 إلى جعل البيت الأبيض أكثر قدرةً على فرض عقوبات قاسية على إيران، لم يعد الوضع مماثلاً اليوم. باتت قيمة الوحدة الدولية بشأن العقوبات هامشية مقارنة بقيمة السير بالخطوة الأولى نحو حل دبلوماسي للقضايا القديمة التي تسبب العداء الأميركي ـــــ الإيراني. اليوم، يجب على الدبلوماسية أن تنجح لحلّ الخلاف، لا لإيجاد زخم لعقوبات أخرى. إذاً، ماذا يمكن فعله بطريقة مختلفة هذه المرة؟ يجب على إدارة أوباما أن تدرس بحذر المفاوضات الفاشلة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2009، وتحسّن مقاربتها كي تأخذ في الاعتبار الدروس التي تعلمتها من هذه الجولة من المحادثات. رغم أنّ من الواضح أنّ إيران تتحمل جزءاً كبيراً من ركود الشهور الـ13 الأخيرة، هناك مجال لتحسن في المقاربة الأميركية. هذه لائحة بخمسة دروس يجب أن يبقيها المفاوضون نصب أعينهم قبل دخول الغرفة مع المفاوضين الإيرانيين.

أولاً: لا تسمحوا لعملية مقايضة الوقود أن تبقي مسيرة المفاوضات رهينة

الضغط على النظام السياسي الإيراني المأزوم كي يقدّم إجابة «نعم» سريعة، يؤدّي عادة إلى «لا»
 في تشرين الأول/ أكتوبر 2009، عبّرت الولايات المتحدة عن استعدادها لمناقشة قضايا عدّة مع ايران. لكن كان هناك شرط مسبق هو موافقة الجمهورية الإسلامية على شحن 1200 كيلوغرام من اليورانيوم القليل التخصيب إلى الخارج مقابل حصولها على قضبان وقود لمفاعل طهران البحثي. اعتقدت إدارة أوباما أنّ هذه الصفقة ستمثّل خطوة على طريق بناء الثقة وضرورة لإسكات أصوات الانتقادات المحلية للدبلوماسية، وخفض قدرات إيران النووية، وخلق وقت أكبر للحوار.
تعثرت الخطة حين لم يوافق الإيرانيون (لم يستطيعوا الموافقة). لكن الحقيقة أنّ الدبلوماسية الشاملة والشروط المسبقة في ما يتعلق بتبادل الوقود تعني مزيداً من المماطلة في المحادثات بشأن قضايا هامة كالعراق، أفغانستان وحقوق الإنسان، ما يجعل كلّ الأطراف في موقف أسوأ.
في المستقبل، يجب معاملة أي تكرار لصفقة المفاعل كإجراء لبناء الثقة، لا كشرط استراتيجي لا غنى عنه. الفشل في التوصل إلى صفقة في هذا الموضوع يجب ألا يعني توقف كل أجندة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ثانياً: قبول مساعدة الأصدقاء

تسير علاقة إيران مع كلّ من دول«5+1»من سيئ إلى أسوأ. ومن الصعب كسر العادات التي تطوّرت خلال ثلاثين عاماً من العداء بين الولايات المتحدة وإيران تحديداً. هناك خزان كبير من عدم الثقة، الشك، والعداء. حلّ الخلاف النووي عبر آلية خالية تماماً من الثقة، هو مهمة كبرى. لكن، رغم أنّه لا يمكن تخطي عمليات مجلس الأمن، يمكن إكمالها عبر الاعتماد على دول تستطيع ضخ بعض الثقة في المسار الدبلوماسي. دول تتمتع بعلاقات جيدة مع إيران والدول الدائمة العضوية.
صرف الدبلوماسيون البرازيليون والأتراك في الفترة الاخيرة وقتاً في محاورة إيران أطول مما خصصته كلّ دول«5+1»مجتمعة. وعمل هؤلاء عملاً كثيفاً من تشرين الثاني 2009 حتى أيار 2010 لإعادة الحياة إلى صفقة تبادل الوقود. عمّقت هذه الخبرات علاقاتهم مع كلّ الأطراف الإيرانية المعنية، وأعطتهم رؤية قيّمة للمقاربة الإيرانية. إذا نجحت المفاوضات، فستكون الثقة التي بنتها تركيا وإيران لا غنى عنها.

ثالثاً: تحدّثوا إلى الجميع في إيران... مباشرة

بما أنّها الدولة الوحيدة في مجلس الأمن التي لا تتمتع بقناة تواصل مباشر مع إيران، فإنّ الولايات المتحدة تواجه عائقاً هاماً. يعترف مسؤولو إدارة أوباما ببروز عدد من الفرص في الخريف الماضي في مناسبات عدّة لحل قضية تبادل الوقود. لكن هذه الفرص لم تتحقق لأنّ الولايات المتحدة وإيران لا يتحدّث أحدهما مع الآخر مباشرة. مع إحراز أي نوع من التقدم، يجب القيام ببعض الجهد لفتح قناة تواصل بينهما، بسرعة. ويجب التخلي عن الاعتقاد بأنّ الحوار ممكن فقط في حال وجود قناة واحدة حقيقية. لا وجود للقناة هذه.
على العكس، يجب على واشنطن أن تعترف بأنّ هناك عدداً من مراكز القوى في إيران، يجب إدخالها كلها في مسار المحادثات. لا تتوقع أيّ دولة توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة من دون التطرق إلى مخاوف البيت الأبيض، وزارة الخارجية، البنتاغون والكونغرس. لذلك، يجب عدم اتخاذ أي قرار مهم في إيران إذا لم يشارك فيه كلّ الفاعلين الأساسيين. هذا يفسر، جزئياً، نجاح تركيا والبرازيل في جعل إيران توافق على الطريقة الأميركية لتبادل الوقود. لم تركز دبلوماسيتهم مع إيران على فاعل واحد في طهران. بل بنت هاتان الدولتان ثقة مع كلّ مراكز القوى الهامة في إيران وحازت مساندتها كي تصبح وسيطاً في المفاوضات.
إذا لم تنجح العلاقات المباشرة مع «المجلس»، مكتب القائد الأعلى، وغيره من المراكز والفصائل السياسية، يجب على المفاوضين أن يكونوا مستعدين لإعطائهم مزيداً من الوقت. السبب في ذلك هو تحييد أي رغبة لدى مراكز القوى هذه في تعطيل أي صفقة لم يكونوا جزءاً منها. الضغط على النظام السياسي الإيراني المأزوم كي يعطي إجابة «نعم» سريعة، يؤدي عادةً إلى «لا». الخطوة الأولى لتقوية الجهود الدبلوماسية هي إعادة النظر بسياسة «لا احتكاك» التي تمنع الدبلوماسيين الأميركيين من التعاطي مع نظرائهم الإيرانيين.

رابعاً: لا تنسوا حقوق الإنسان

يعتقد فاعلون في الثورة الخضراء أنّ واشنطن مستعدة للتضحية بحقوق الإنسان من أجل صفقة نووية
لا يمكن اختزال ثلاثين عاماً من التوتر المتنوع بين الولايات المتحدة وإيران إلى مفاوضات، وتوقُّع أن يكون لدينا وصفة للنجاح. في الوقت الذي تتوسع فيه الأجندة وتستمر المحادثات، على الولايات المتحدة أن تناقش انتهاكات حقوق الإنسان في الجمهورية الإسلامية. الخروق التي ارتكبتها الحكومة الإيرانية في الفترة التي تلت الانتخابات الرئاسية في حزيران/ يونيو 2009 مثّلت انتهاكاً واضحاً لالتزامات إيران الدولية، بغضّ النظر عن حصول الانتخابات عموماً، وعمّن ربح هذه الانتخابات، وما إذا كانت قد شهدت تزويراً. وبالفعل، لم تضغط إدارة أوباما في هذا الموضوع لحماية الناشطين المنادين بالديموقراطية في البلاد، وتجنبت ما يمكن عدّه تدخلاً، وهو أمر لا يتحمس له قادة الثورة الخضراء أو الحكومة.
لكن غياب ردّ مناسب أدى إلى أذية أكثر من حصول منفعة. يعتقد بعض الفاعلين في الثورة الإيرانية الخضراء أنّ واشنطن بدت متحمسة جداً للتوصل إلى صفقة نووية، فكانت مستعدة للتضحية بحقوق الإنسان الخاصة بالشعب الإيراني من أجل ذلك. يبدو الوضع مشابهاً لعهد الشاه حين كانت العلاقات ترتكز على الأمن على حساب الحريات الأساسية، وهو خطأ كبير لا يزال يسمم العلاقات بين البلدين حتى يومنا هذا.
لا يمكن بناء علاقة صحية طويلة الأجل مع إيران إذا بُدِّد الخزان الأميركي الحالي من القوة الناعمة بين الشعب الإيراني، من أجل صفقة نووية. سيكون احترام الإيرانيين وإعجابهم بإنجازات أميركا وقيمها وثقافتها معرضاً للخطر إن وقع هجوم عسكري على إيران. وكذلك، فإنّ صمت واشنطن عن حقوق الإنسان سيؤدي إلى استنفاد هذه الأصول الاستراتيجية الثمينة.
لذلك أهمية خاصة؛ لأنّ الانفتاح الإيراني على الولايات المتحدة سيترافق على الأرجح مع تضييق على القيود المحلية؛ لأنّ الحكومة لا تريد أن تفهم سياستها هذه بأنّها علامة على ضعفها.

خامساً: سياسة النفَس الطويل

على أوباما ألا يخدع نفسه وألا يخدع الجمهوري الأميركي، لأنّ الدبلوماسية مع إيران صعبة، وسيكون الوضع أصعب مستقبلاً. منذ تسلّم أوباما منصبه، تضاءل المجال السياسي في واشنطن الذي يسمح بمتابعة مسار الدبلوماسية مع إيران. لقد وصلنا إلى هذه المرحلة بسبب تصرفات الحكومة الإيرانية، ومن ضمنها التزوير في الانتخابات والانتهاكات التي تلت الانتخابات، والتي قامت بها طهران. وبعد الفوز الجمهوري في الانتخابات النصفية الأميركية، سيتضاءل هذا المجال أكثر.
على إدارة أوباما أن تتوجه إلى المحادثات، وهي تركز على فوائد جذب إيران على المدى الطويل. عليها أن تكون مستعدة للقيام بالاستثمار السياسي اللازم لإعطاء المسار فرصة للنجاح. إذا كانت الإدارة ستتراجع عند أول إشارة عناد إيراني، أو معارضة من الكونغرس، فإنّ من الأفضل عدم البدء بجولة جديدة من الدبلوماسية. فالعناد الإيراني ومعارضة الكونغرس آتيان لا محالة.
لا يمكن تفكيك عداوة ممأسسة تطلّب بناؤها ثلاثين عاماً عبر اجتماعات عدّة خلال أسابيع قليلة. يجب ألا يتوقع أيّ من الطرفين أن يُقبَل أول عرض يقدمه أحدهما للآخر. لقد صنع جيل من المسؤولين في الولايات المتحدة وإيران شهرتهم عبر إظهار أقصى مقدار من اللؤم تجاه الطرف الآخر. من السهل العودة إلى التصرفات القديمة، وخصوصاً إن لم تؤدّ أي محاولة إلى كسر الجمود عن نتائج فورية.
سيكون هناك نجاح فقط إذا كان الدبلوماسيون مستعدين للعبة النفس الطويل. هذا يعني أنّه يجب عليهم أن يعدّوا الصبر والتقدم على المدى الطويل أولوية، لا إصلاحات سريعة تهدف إلى طمأنة الناخبين المحليين المتشككين وغير الصبورين، في طهران أو واشنطن.

* بارشي هو رئيس«المجلس الوطني الإيراني الأميركي»، ومرعشي هو مدير الأبحاث في المجلس ومسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية عن الملف الإيراني (عن مجلّة «فورن بوليسي»)