حسان الزين

بعد موجة الدعاية للعمليّات التجميليّة التي غيّرت أشكال لبنانيّين كثيرين ممّن يظهرون على الشاشة، أو يعيشون تحت وطأة الصورة، تتكثّف هذه الأيّام الدعاية للمقوّيات الجنسيّة.
بمعزل عمّا إذا كان مواطنو أرض شلش الزلّوع، المنافس الطبيعي للفياغرا وأخواتها، يستعملون هذه المقوّيات أم لا، فإنَّ الأرض خصبة لها. ثمّة حاجة إليها. فاللبنانيّون، في ما يبدو، يعيشون أزمة جنسيّة تتبدّى في السلوك العام والخاص: في التوتّر، في العنف، في الحدّة والمشاكل المفتعلة التي تحرق الوقت وتدمّر لغة التواصل والشفافيّة، وتُخفي الشعور بالضعف وتوهم بالسلطة أو التعالي، في الشعور العميق باللااستقرار واللاسيطرة على الحياة والعيش... إلخ.
واستمرار الولادات التي تتغيّر مؤشّراتها في البيئات اللبنانيّة المتنوّعة، ليس دليلاً على صحّة جنسيّة. الولادات، إلى كونها نتيجة لا سبباً، هي في لبنان أمر تلقائي بديهي وأحياناً غير واعٍ، حصل إبّان العيش في الملاجئ ولم يتأثّر بالحرب وويلاتها والأهوال التي يتعرّض لها الإنسان. وهي ليست دائماً من حب الحياة. قد تكون من عاديّاتها أو أخطائها أو الرهان على تحسّنها، بغضّ النظر عن الظروف.
لا أحسب أنّ اللبنانيّين في أفضل أحوالهم الجنسيّة، وإلّا لكانوا بلا إحساس. الحياة الجنسيّة للبنانيّين متأثّرة بالأوضاع السياسيّة والأمنيّة والاجتماعيّة والاقتصادية العامّة وبالبنية التحتيّة. قديماً، قبل الكهرباء والتلفزيون ووصولهما إلى كامل الأراضي اللبنانيّة، كان يُقال، ولو على سبيل المزاح، إن العتمة سبب في ارتفاع نسبة الولادات. والمقصود هو أن الحياة الجنسيّة كانت نشيطة ومنتِجة. أما اليوم، فإنّ الكهرباء والتلفزيون عكّرا ذلك وأثّرا سلباً. فالتيّار الكهربائي متأرجح ويصعب الجزم بمواعيد غيابه أو حضوره، وإذا ما جرت الاستعانة باشتراك في مولّد فإن الفاتورة تتسبب، بالنسبة إلى كثيرين، بخمول وقرف من الدنيا عموماً. ليأتي التلفزيون، ويتسبّب لكثيرين، من المتزوّجين وغيرهم، بإحباط جنسي، سواء أشاهدوا نشرات الأخبار أم الكليبّات والمسلسلات والبرامج «المثيرة».
عديدة هي «الدلائل» على ذلك، إحداها برنامج «لول» الفكاهي، الذي لقي انتشاراً واسعاً وانقسم اللبنانيّون حوله بين مؤيّد ومعارض. فكثرة الكلام في الجنس، كما يُقال، تعني أن الفعل في أدنى مستوياته. ففي الثقافة والوعي اللبنانيّين، كثرة الكلام دليل على قلّة الفعل، وهي توحي بطريقة اللبناني في الهروب من واقعه وإخفائه مأساته أو الشعور بالعجز أو الملل أو الإحباط من تواضع قدراته وتراجع حماسته.
لا يمكن توقّع أن تكون الحياة الجنسيّة أفضل من الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة. غير ذلك كذب أو مداراة للموضوع، إما خجلاً وإمّا تحريماً. ورفض الإقرار بهذا، أو المصارحة به، لا يعدم الأسباب أو يزيلها. كأنه، أي الرفض، من الدفاعات الذكوريّة والسلطويّة التي تحكم الثقافة الاجتماعية اللبنانيّة، وتجعل نسبة لا بأس بها من الذكور يلجأون الى تلك المقوّيات، على أنواعها، سرّاً حتى عن الشريك... أو يغرقون في أزمات ومشاكل آثارها باتت واضحة في الشخصيّة اللبنانيّة الآخذة بالتعقيد المرضي.
مجدّداً، وبمعزل عن نسبة استعمال اللبنانيّين تلك المقوّيات، كأنها تناسب ثقافة اللبنانيّين، فهي ليست ذكورية تخفي العجز أو التواضع وحسب، وإنما الإفادة منها تجري في الخفاء، أو يمكن الرهان عليها لتوفير توازن للبناني في الغابة التي يعيش فيها. ومن فوائد هذه المقوّيات أيضاً، أنها تمنح مستعملها شعوراً بالواسطة. هذه الواسطة التي لا يمكن أن يعيش اللبناني أو يرتاح من دونها. فمن دون الواسطة، أي المقوّي، لا يشعر اللبناني بالأمان. ومن خلال الواسطة يؤمّن اللبناني وظيفته، أو منافعه، أو حتى انتماءه إلى «الدولة» والطائفة والزعيم. وهذه المقوّيات الجنسيّة تشبه الواسطة، أو ربما الواسطة تشبهها.