ياسين تملالي*

من السابق لأوانه الجزمُ بأنّ ليبيا في طور التراجع عن سياسة الانفتاح على الرأسمال الأجنبي التي شرعت في تطبيقها في منتصف العقد الحالي، بعد رفع العقوبات الدولية عنها. لكن بعض المؤشرات تدلّ على سعيها إلى فرض رقابة أكثر صرامة على الاستثمارات الخارجية فيها (خارج قطاع المحروقات بطبيعة الحال). أحدث هذه المؤشرات اثنان.
المؤشر الأول، هو تصريح لرئيس الحكومة (أمين اللجنة الشعبية العامة) في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري. قال البغدادي المحمودي، في اجتماع مع مسؤولي غرف التجارة والصناعة والزراعة الليبية، إنّ «لكلّ الليبيين الأولوية المطلقة في ممارسة كل أنواع الأعمال والأنشطة دون أن تنافسهم الشركاتُ الأجنبية، التي ستعمل معهم ومن خلالهم». وأضاف إنّ «الشركات الليبية سيجري إشهارُها وإعطاؤها الإذن بالعمل بإجراءات مبسطة، لا تزيد عن الحصول على الرقم الضريبي والسجلّ التجاري». ما دافع هذا التضييق على المتعاملين الأجانب مقابل تشجيع نظرائهم المحليين؟ ليبيا، على رأي البغدادي المحمودي، «ليست بحاجة إلى استثمارات نقدية واردة من الخارج، بل إلى الخبرة والمساندة الفنية لا غير».
المؤشر الثاني على سعي السلطات الليبية إلى الحدّ من الاستثمارات الأجنبية خارج المحروقات، هو ردّ فعلها على فضيحة «مصرف الصحاري» الذي اكتُشف قيامه بتجاوزات تتعلق بمنح تسهيلات لبعض الزبائن، مقابل ضمانات غير كافية. ويبدو أنّ النائب العام بصدد التحقيق فيها. فور اندلاع هذه الفضيحة، أعلنت اللجنة الشعبية العامة عزمَها على «إلغاء الشراكة الأجنبية في المصارف الليبية» (19 بالمئة من رأسمال مصرف الصحاري ملك للمجموعة الفرنسية بي آن بي باريبا).
يُذكر أنّ إحدى العواقب المباشرة لتطبيق هذا التوجه ستكون وقفَ مسار شراء «بي آن بي باريبا» أغلبية أسهم المصرف، ما تتيحه له «اتفاقية الشراكة الاستراتيجية» الموقعة معه في 2007. أما إذا طبق بصورة راديكالية وشاملة، فسيتمخض عن شراء متعاملين ليبيين كلّ المساهمات الخارجية في رساميل ستة مصارف. بهذه الصورة، سيعود القطاع المصرفي الليبي كما كان، قومياً محضاً، وستتحول غبطةُ صندوق النقد الدولي بتقدم مسار «إصلاحه» إلى أسف (التقرير المنشور في تشرين الأول (أكتوبر) 2010).
وسبقت «قضية مصرف الصحاري» تصريحات عنيفة حمّلت مشغليه الفرنسيين مسؤولية تراجع صافي أرباحه في سنة 2009 بما يقرب النصف. وقد وجه هذه الاتهامات إليهم في منتصف تشرين الأول (أكتوبر) الماضي رئيس جمعية المصرف العامة، حامد الحضيري، مؤكداً أنّهم كإدارة تنفيذية «لم يلتزموا بلوائح البنك المركزي
وتنظيماته».
وبدت تصريحات محافظ المصرف المركزي، فرحات بن قدارة، بشأن هذه الفضيحة انعكاساً لموقفه الحرج. فهو عالق بين مطرقة «تشجيع الاستثمار الأجنبي»، التي يشهرها في وجهه صندوق النقد الدولي، وسندان مخاوف المتعاملين الليبيين من ازدياد سطوة الرأسمال الأجنبي في قطاع مصرفي، الربحُ فيه مضمون بالنظر إلى ارتفاع موارد البلاد المالية. وحمّل بن قدارة المجموعة الفرنسية عبء التجاوزات المكتشفة في عمل «مصرف الصحاري»، لكنّه استدرك مشيراً إلى أنّ «المسؤولية تطال أيضاً الشقّ الليبي من الإدارة الذي يشغل مناصب ذات علاقة مباشرة بالإقراض». ولم ينس التذكير بأنّ «هذا الشريك الأجنبي (...) قطع خطوات هامّة في مجال تطوير إدارة المؤسسة».
يدلّ هذان المؤشران على أنّ تحسن موارد ليبيا الخارجية في السنوات الأخيرة (ستبلغ احتياطاتها الرسمية من العملات الصعبة في آخر 2010، حسب صندوق النقد الدولي، أكثر من 105 مليارات دولار) أثار لدى حكومتها الرغبة في محاكاة السياسة الحمائية التي تنتهجها السلطات الجزائرية منذ صيف 2008. ومن المحتمل أنّ


سيعود القطاع المصرفي الليبي كما كان، قوميّاً محضاً، وستتحول غبطةُ صندوق النقد الدولي بتقدم مسار «إصلاحه» إلى أسف

هذه الرغبة ازدادت إلحاحاً بعد توقّع الهيئات المالية العالمية استمرار نموّ الاقتصاد الليبي على المدى القصير (أكثر من 10 بالمئة في آخر السنة الجارية وأكثر من 6 بالمئة في آخر 2011).
ويُذكّرنا قول البغدادي المحمودي إنّ بلاده ليست في حاجة إلى الرأسمال الأجنبي بتصريحات مماثلة للمسؤولين الجزائريين في السنتين الأخيرتين. كالجزائر إذاً، اكتشفت ليبيا أنّ اندماجها المحدود في النظام المالي الدولي حماها من آخر نوبات جنونه. وكالجزائر تعمل ليبيا اليوم على تقوية مواقع الرأسمال الخاص (تحت شعار شعبوي هو «التنازل عن الملكية العمومية للأهالي»).
ولا تمنع أوجه التشابه هذه وجود اختلافين أساسيين بين المنحى الاقتصادي «الوطني الحمائي» في ليبيا وذات المنحى في الجزائر. الاختلافُ الأول هو أنّ الحكومة الجزائرية تراجعت عن خصخصة القطاع المصرفي العمومي إثر تواتر فضائح المصارف الخاصة، فيما لم تتراجع الحكومة الليبية عن خصخصته التي استفاد منها الليبيون والأجانب على حد سواء.
الاختلاف الثاني هو أنّ الحكومة الجزائرية تدعم الشركات الحكومية، بل هي لا تتردد في توسيع قاعدة الملكية العمومية بتأميم مصالح أجنبية كـ«أوراسكوم تيليكوم ألجيريا». ليس الأمر مماثلاً في ليبيا حيث يُقدَّم «انسحاب الدولة من الاقتصاد» (باستثناء المحروقات طبعاً) على أنّه إحدى ضرورات تفكيك منظومة اقتصادية أكثر مركزية من نظيرتها الجزائرية قبل بدء «تحريرها» في أواخر الثمانينيات. ربما لهذا السبب، لم ينس البغدادي المحمودي في معرض دفاعه عن الاستغناء عن الرأسمال الأجنبي التذكير بأنّ «الدولة لن تكون مالكاً لأيّ نشاط أو استثمار في أي مجال»، و«أنّ كلّ المؤسسات الاقتصادية ستملّك
لليبيين».
* صحافي جزائري