وائل عبد الفتاح

البقاء للأقوى. هذا هو شعار الحزب الوطني الحاكم في انتخابات تدار تقريباً بمنطق «الحزب الواحد». المعارك ليست بين الحزب الحاكم منذ ٣١ سنة والمعارضة، لكن بين أجنحة الحزب نفسه. حزب لا يمكن معرفة من يقوده: الحرس القديم أم الجديد؟ أين ذهبت قوة رجال مبارك؟ تبخّرت؟ أم أنّ التوازن الذي انتهى بإبعاد جمال مبارك أعاد الديناصورات إلى لياقة غائبة؟ لأول مرة، ينظّم المستبعدون من ترشيحات «الحزب» وقفات احتجاجية، وتصرخ إحدى المستبعدات إنّه «حزب ملوخية». الحرب وصلت الى توزيع أسطوانات مدمجة تحتوي فضائح المرشحين المختارين.
الحرب هنا، في الحزب، في الجسم الكبير. والحرب تدار من أجل الدخول تحت رعايته، أو الحصول منه على رخصة مزاولة الوساطة بين الدولة والشعب.
يدفع في المعركة الغالي والرخيص. استثمار عائلي في بعض الأحيان. يدفع الآن للحصول على المزايا والأرباح غداً أو بعد غد. والحزب وحده يحمل مفاتيح المغارة، والأهم أنّه يملك كلّ مقومات الطريق، من اللعب بسلاح البيروقراطية الى تحريك جيوش من البلطجية تحت حماية رسمية.
البلطجيّة هم السند الحقيقي للنظام، جيشه المخلص الذي يتحرك بإشارة وينقل الصراع بين النظام ومعارضيه إلى صراع داخلي بين المجتمع. مواطنون ضد مواطنين، شعب ضد شعب، أو كما حدث في جامعة عين شمس أخيراً، أساتذة ضد طلبة.
البلطجي بأسلحته البدائية، مطواة وجنزير وسيف، هو رمز قوة النظام في حسم الصراع لمصلحة أحادية تلغي الخارج عن الصف، سواء كان عضواً في الحزب الحاكم، أو معارضة خارج الصفقات، أو كلّ جديد يرنّ رنته الأولى.
بهذا البلطجي، يحسم الصراع الانتخابي وتقوى شوكة فئة يمكن أن تخرج فجأة عن السيطرة وتدمر النظام نفسه الذي يحركها.
وهذا ما يحدث بالتدريج. فالبلطجية يتحركون لحسم الصراع على الجسم الكبير. يضربون أحياناً في حرب الحزب ضد الحزب. يخلقون قانوناً عمومياً يجعل الغوغاء المنتظرين خلف أسوار المدينة يخرجون فجأة، يقطعون الطرق، ويتحرشون، ويثيرون عواصف مؤقتة، لكنّها تتكاثر على نحو اقترب من أن يكون يومياً.
عنف اليوم يستدعي بلطجة تكاد أن تتحول الى أداة حكم. بداية من رفض الحكومة تطبيق أحكام القضاء، الى تحريكها «المسجلين خطر» و«الشبيحة» لحسم السيطرة على الشارع، بما يمثله من فضاء سياسي تحتكره الأنظمة تباعاً منذ تموز ١٩٥٢. تحاول المعارضة كسر الأسوار الحديدية، وكلما تنجح يُطلق البلطجية، ليبدو الشارع فوضوياً وبحاجة الى ضبط وربط.
بهذه الطريقة تقريباً استبعدت مجموعة جمال مبارك من مركز القرار في انتخابات البرلمان القادمة. استبعاد ليس كاملاً، لكنّه أدخل العناصر النشيطة من الحرس القديم، وتعددت الرؤوس ومراكز القوى، ليصاب الجسم الكبير للحزب بلوثات وهلوسات تمثل الآن الاستعراض المثير لانتخابات يبحث فيها النظام عن معارضة نشيطة.
تعدد الرؤوس أعطى للجسم الكبير شكلاً خرافياً وأسطورياً، يكاد يمتص المشهد السياسي الذي يبحث عن سنده الرئيسي من الخارج. من واشنطن التي يزورها مدير الاستخبارات اللواء عمر سليمان مع وزير الخارجية أحمد أبو الغيط، ليقدما حقنة مصرية منشطة للمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تدعم موقف النظام الذي جدد نفسه باستبعاد الحرس «الجديد».
القوة من واشنطن والسيطرة من القاهرة، في مشهد سياسي مضطرب لا يمكن استنتاج ما يدور تحت جلده ولا توقع ما يحدث فيه على نحو حاسم.
هناك عناصر أضافتها سنوات ربيع الديموقراطية، وهي خروج شرائح جديدة الى الشارع السياسي، فهل ستعود؟ ماذا سيكون موقفها؟ هل ستصاب بالإحباط؟ وكيف سيكون شكل الإحباط؟ أم ستساهم في صنع المفاجآت في الانتخابات؟ هذه القوى ربما تؤثر بشكل أو بآخر على الصراعات داخل الحزب الوطني الحاكم. وربما يكمن تأثيرها في أنّها سر التغيّرات في الحزب مرّة لمصلحة الجديد، والآن لمصلحة تعدد الرؤوس.
لا تزال هذه القوى تجرح كبرياء الجسم الكبير وتهزّ هيبته. لا تزال تؤثر في توازنه وتمنع عنه الحرية الكاملة للحركة. وهذا ما يؤرق النظام في مرحلة عودته (المؤقتة أو الدائمة) إلى عناصر قوته القديمة. وهذا ما سيحسم مستقبل نظام يعوّل عليه كثيراً، رغم ترهله الذي فشلت كلّ أدوات التجميل في إخفائه.