يبدو، من حالة نشاط أطراف الأزمة الليبيين مع القوى الإقليميّة (ولا سيما قطر، والجزائر أخيراً)، أن الاستقطاب التقليدي الذي ظلَّ يَحكم هذه الأزمة بين معسكرَين محدَّدَين، آخذ في التفكّك لمصلحة عمليّة إعادة تدوير للمواقف الإقليمية والدولية المتشابكة معها، وأن الأزمة تجاوزت - إلى حدٍّ ما - الخيارات الصفريّة غير الواقعية لمصلحة تسويات تتمّ على قدم وساق، ربّما دلّت على جانب منها، تصريحات وزير الخارجية المصري، سامح شكري، بعد لقائه المبعوث الأممي إلى ليبيا، عبد الله باتيلي (27 تشرين الثاني)، بشأن ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية ووضع آليات وأُطر زمنية محدَّدة، فيما أكد الثاني أهميّة تنسيقه مع القاهرة لدفع «الحل السياسي الليبي - الليبي».


اقتراب التسوية؟
على خطّ الدعوة إلى إجراء الانتخابات من منابر إقليمية عدّة - أهمّها القاهرة -، أعلن رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، عقب اجتماعه (29 تشرين الثاني) مع مدير مفوضية الانتخابات الوطنية العليا، عماد السايح، الجاهزية لعقْد الانتخابات من الناحيتَين «اللوجستية والفنية». واستدرك رئيس البرلمان، عقيلة صالح، تعليقاته الإيجابية بخصوص الانتخابات عقب اجتماعه مع الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، في القاهرة، ودعوته اللجنة المشتركة لإرسال توصياتها إلى المفوضية «التي ستكون وقتها مسؤولة عن (بدء) عملية الانتخابات»، بتأكيده انتهاء ولاية السلطة التنفيذية، ومن ثم الحاجة إلى «نقل سلمي للسلطة، وعودة إلى الإجراءات الانتخابية السابقة»، في إشارة إلى تصميم رئيس مجلس النواب وفريقه، على نقل السلطة إلى حكومة فتحي باشاغا في طبرق، على رغم تراجع هذه الفكرة في المداولات الإقليمية الراهنة.
وفي مؤشّر قوي إلى تضافر مرتقب للجهود الدولية لدفع مسار التسوية، أكد نائب رئيس الوزراء وزير خارجية إيطاليا، أنطونيو تاجاني (28 تشرين الثاني)، «حاجة المجتمع الدولي إلى العمل على تحقيق الاستقرار في ليبيا»، ووجوب «العودة إلى مقاربة (رئيس الوزراء الأسبق) سيلفيو بيرلوسكوني، لإدارة ملف الهجرة» المتطابقة - بحسب تاجاني - مع السياسة التي تبنّاها اليسار في ظلّ وزير الداخلية السابق، ماركو مينيتي، أي عبر توقيع اتفاقات مع حكومات الدول التي يغادر منها المهاجرون (إلى أوروبا)، وأهمّها ليبيا. ويُتوقّع، حال التزام إيطاليا بسياسة بيرلوسكوني، قطْع ليبيا خطوات حاسمة في مسار التسوية، مع إعادة شغْل روما موقع الشريك الأوروبي الأهمّ لهذا البلد، سياسيّاً واقتصاديّاً وأمنيّاً.

ليبيا والعودة القطرية
تظلّ قطر خياراً مثاليّاً لجهة حلحلة الأزمة الراهنة في ليبيا، بحكم صلاتها «العضوية» مع أهمّ الفاعلين الدوليين في هذا الملفّ: الولايات المتحدة وتركيا من جهة، ومساعيها لعلاقات طبيعية مع مصر، ومع بقية دول الجوار الليبي، بما فيها تشاد. وشهد العام الجاري إعادة إطلاق الدوحة مقارباتها الليبية بشكل هو الأكثر وضوحاً منذ دعمها حملة «الناتو» قبل أكثر من 10 أعوام. في المقابل، يرى أغلب الأطراف الليبيين المتنافسين في استمالة قطر، مخرجاً لائقاً للتراجع عن المواقف الصفرية التي دفع بها قادتهم قبل نحو عامين، وكادت أن تُطلِق آلة العنف الأهلي المفتوح من جديد.

يرى أغلب الأطراف الليبيين المتنافسين في استمالة قطر مخرجاً لائقاً للتراجع عن المواقف الصفرية التي دفع بها قادتهم


وكان اجتماع عقيلة صالح مع سفير قطر، خالد الدوسري، دالّاً في هذا المسار؛ إذ أكد المكتب الإعلامي للأوّل أن المناقشات شملت «سُبُل إنهاء الأزمة الليبية عبر عقد الانتخابات»، في خطوة مهمّة تعزِّز فرص «المصالحة»، ولا سيما أن صالح كرّر تصريحاته هذه - على نحو لا يمكن فصْله عن اجتماعه مع السفير القطري مضموناً وتوقيتاً - لدى زيارته القاهرة في الـ 28 من الشهر الماضي، واجتماعه إلى عدد من المسؤولين المصريّين، وإلى جامعة الدول العربية، وباتيلي نفسه. وتُمثّل عودة قطر إلى التقارب مع مكوّنات «المعسكر الشرقي» في ليبيا توجّهاً واضحاً نحو تعميق موطئ قدمها في الأخيرة، وتيسير أيّ تفاهمات تركية - مصرية في المنطقة، وتعظيم استفادتها من قدرات حليفتها أنقرة على تقديم تدفّقات استثمارية مباشرة في ليبيا، كما يتّضح من الاتفاقات التركية - الليبية، ولا سيما في قطاع الطاقة، وفي مسار ما وصفته منافذ استثمارية مهمّة، بـ«مساعي تركيا الحثيثة للعمل كصلة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والناتو، وبؤر اهتمامه ومنها ليبيا». ولا يمكن فصْل هذا المسار عن سياسات الغاز التركية والقطرية في أوروبا؛ فالأولى باتت تشترك مع روسيا في مواجهة العقوبات الاقتصادية التي جدّدها الاتحاد الأوروبي ضدّ أنقره مطلع الشهر الماضي، ورحّبت بقوّة باقتراح بوتين إقامة «منفذ» أوروبي في تركيا لفوائض الغاز الروسي الهائلة؛ بينما نجحت قطر (29 الماضي) في الاتفاق مع ألمانيا (التي كانت تحصل على نصف وارداتها من الغاز الطبيعي من روسيا قبل الأزمة الأوكرانية) على تزويدها بالغاز الطبيعي، بدءاً من عام 2026، بمعدّل مليونَي طن من الغاز الطبيعي المسال سنويّاً؛ وهو الاتفاق الأكبر من نوعه الذي توقّعه دولة عضو في الاتحاد الأوروبي منفردة منذ مطلع العام الجاري. وتقع ليبيا، صاحبة الاحتياطي المؤكد الأكبر أفريقيّاً والعاشر عالميّاً من الغاز الطبيعي والمقدَّر بـ 53 تريليون قدم مكعب، وسط هذا الحراك القطري - التركي، إمّا لتعزيز الخطط الحالية أو المستقبلية لاستغلال موارد الغاز الطبيعي الليبية الفائضة عن صادراتها الحالية.

قطر وترويض التناقضات المصرية - التركية
يتّضح من هدوء نبرة القاهرة إزاء حكومة الدبيبة، وحرْصها على «إعادة ضبط» ملف اللجنة العسكرية «5+5»، وارتباط مسار تطبيع علاقاتها مع تركيا بالملفّ الليبي عموماً، ولا سيما اتفاق الطاقة بين طرابلس وأنقرة، والحلحلة الأخيرة التي تمّت خلال اجتماع «غير متوقّع» بين الرئيس عبد الفتاح السيسي، ونظيره التركي رجب إردوغان في الدوحة (20 الفائت)، أن قطر نجحت، إلى حدّ كبير، في تحقيق عدّة أهداف لسياساتها الخارجية في ليبيا. لكن مهمّتها تظلّ، بعيداً من دبلوماسية «كأس العالم»، صعبة لجهة «ترويض» تناقضات المواقف التركية والمصرية في هذه الأزمة، في ظلّ تصميم القاهرة على رفْض أيّ وجود طويل الأمد للقوات التركية في ليبيا، وصعوبة تخلّي أنقرة عن أطماعها العسكرية والاقتصادية في هذا البلد «من دون مقابل سخي» بعد تحقيقها اختراقات لافتة في ظلّ قبول أميركي واضح.
وعلى صعيد موازٍ، فإنه مع تبنّي قطر مبدأ «لا توجد دولة واحدة تستطيع تعويض إمدادات الغاز الروسية لأوروبا»، إلّا أن ليبيا تظلّ إجابة مثالية لدعم طموح قطر في القيام بهذا الدور في شمال المتوسط، مع ملاحظة تقارير أكدت إشارة الأمير القطري، تميم، المباشرة إلى هذا «الحلّ» خلال اجتماعه بالرئيس الأميركي جو بايدن، في واشنطن، مطلع العام الجاري، وتصريحه بأن نفوذ بلاده في ليبيا لا يزال قائماً، ولا يتبقّى إلّا «الضوء الأخضر» الأميركي وضغط الإدارة على فرنسا لقبول دور أكبر للدوحة في إدارة مرافق النفط والغاز الليبية. وعلى رغم تأكيد وزير النفط والغاز الليبي، وقتها، عدم قدرة بلاده على تعويض إمدادات الغاز الروسية إلّا في غضون 5-7 أعوام مقبلة، فإن ذلك لا يتعارض (في حال صحّته) مع خطط قطر بعيدة المدى، وطبيعة تعاقدات إمدادات الطاقة التي لا تقلّ في الغالب عن 15 عاماً.
وهكذا، يمكن النظر إلى نجاح قطر الحالي والمرتقب في ترويض التناقضات التركية - المصرية في ليبيا في ملفّ الطاقة، مع ملاحظة صعوبات وتحديات أكبر في مسألة الوجود العسكري التركي، في سياق اتساق سياسة الدوحة مع المصالح الأميركية، ومساعي واشنطن إلى تعويض الفشل الفرنسي في ليبيا وفي دول الساحل الأفريقي التي تشهد تمدّداً قطرياً طبيعياً يتماشى مع مقاربتها الليبية.

فرنسا ومعضلة الساحل الأفريقي؟
على رغم توجيه الاهتمام للدور الروسي في إقليم الساحل الأفريقي كمنافس للوجود الفرنسي التقليدي هناك، باعتباره ظاهرة مهيمنة في هذه المنطقة البالغة التهميش دوليّاً، والمرتبطة بالأزمة الليبية بأشكال متعدّدة، فإن ديناميات النفوذ التركي - القطري المتصاعد فيها، تشير إلى مساعٍ براغماتية لحلّ معضلة الفشل الفرنسي بأدوات دبلوماسية واقتصادية ملائمة لأوضاعها، للحيلولة دون التحوّلات الراديكالية. ويبدو أن امتداد الفشل الفرنسي من ليبيا، لسبب رئيس أجمع عليه أغلب المراقبين الأوروبيين، وهو انتهاجها سياسة منفصلة عن إيطاليا، إلى إقليم الساحل، في ظلّ ما يشهده من سقوط عدد من رموز «التبعية لفرنسا»، وتراجع حظوظ البعض الآخر، يتيح الفرصة أمام التمدُّد القطري بتنسيق تركي باستثناء منطقة النفوذ الفرنسية الحصرية في الإقليم حاليّاً: تشاد، مع ذيوع تقارير استخبارية فرنسية عن تجدُّد الاتصالات بين الرئيس إيمانويل ماكرون، ونظيره التشادي محمد إدريس ديبي، فيما شهدت العلاقات التشادية - القطرية فتوراً على خلفية جمود الحوار السياسي التشادي في الدوحة.
لكن بشكل عام، فإن ارتباط سياسة قطر في الساحل بالأزمة الليبية، يأتي على شكل «قيمة مضافة» لدعم مقبولية الدور القطري في ليبيا من جهة رئيسة، وهي المساهمة في جهود الأمن والاستقرار في الإقليم وما يرتبط بها من منْع تدفّقات الهجرة غير الشرعية من البوابة الليبية، الأمر الذي تعدّه الدول الأوروبية، وفي مقدمتها إيطاليا، المستورد الأكبر لموارد الطاقة الليبية، أولوية رئيسة.

خلاصة
تبادر قطر بدبلوماسية فاعلة في الملفّ الليبي نجحت، حتى الآن، في تقديم بدائل لأطراف الأزمة الداخليين وشبكات دعمها الإقليمية، لكن الملاحظة الأساسية تظلّ أن كل التحرّكات الدبلوماسية النشطة على خطّ الأزمة الليبية باتت تالية، وليست موازية لتفاهمات ومحاصصات أطراف دولتية وغير دولتية (ولا سيما شركات الطاقة الكبرى) بخصوص الموارد الليبية. ويعزّز هذه الاتجاه فرص الوصول إلى تسوية مشروطة بتلبية الحدود الدنيا للأطراف المعنيين، ويؤشّر بالتالي إلى تكريس مرتقب لرهن مستقبل ليبيا بأكمله، حتى بعد «التسوية السياسية»، بمدى صمود هذه الحسابات والتفاهمات، وكذلك تأجيل حسْم بعض الملفّات، مثل الوجود العسكري التركي، لمصلحة تثبيت الوضع القائم مع تعمّق مهامّ القوات التركية داخل الأراضي الليبية، وهو سيناريو يُتوقّع أن تدفع قطر وتركيا، مصر نحو قبوله على المدى البعيد، حتى لو «أُعيدت صياغته» مستقبلاً من قِبَل الحكومة الليبية المنتخَبة.