الجزائر | منذ استقلال الجزائر عن فرنسا قبل ستّين عاماً، ظَلّ «المدّ والجزْر» السِّمة الرئيسيّة للعلاقات، التي تقافزت ما بين تصاريح متضادّة، وخطوات وقرارات متعاكسة، قبل أن تأتي في كلّ مرّة مناسبات وطنية أو مواعيد انتخابية لتُشكّل فرصة لرأْب الصدع. غير أن الزيارة التي تقود الرئيس الفرنسي إلى الجزائر اليوم، لن تكون مجرّد خطوة من بين خطوات سابقة مشابهة لتذويب الجليد الذي أحدثته آخر أزمة، كونها تأتي في سياق دولي وإقليمي استثنائي، من الوضع المتشنّج في دول الساحل وتَقلُّص النفوذ الفرنسي في المستعمرات القديمة، إلى الأزمة الروسية - الأوكرانية وما ولّدته من شرخ على مستوى العالم


يزور الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الجزائر اليوم، في أوّل زيارة له في عهد الرئيس عبد المجيد تبون، ستُشكّل مناسبة لتشريح العلاقات المتشنّجة منذ أزمة أيلول 2021. آنذاك، قرّرت فرنسا تقليص حصّة الجزائريين من تأشيرات السفر، بحجّة رفض الجزائر التعاون معها لاستعادة مهاجريها غير النظاميين. وتلى ذلك تصريح وُصف بـ«الخطير» لماكرون في تشرين الأوّل الماضي، اتّهم فيه النظام الجزائري باستغلال القضايا المتعلّقة بالذاكرة المشتركة بين البلدَين لأغراض سياسية، مُشكّكاً في وجود أمّة جزائرية قبل بداية الاستعمار الفرنسي. وعلى إثر هذا التصريح، استدعت الجزائر سفيرها في باريس، محمد عنتر داوود، للتشاور، كما أوقفت التعامل باللغة الفرنسية في الإدارات، ومنعت الطيران العسكري الفرنسي من العبور فوق الأجواء الجزائرية. واستمرّ التوتّر سائداً حتى شهر شباط الفائت، حيث دعا تبون نظيره الفرنسي إلى زيارة الجزائر، وهنّأه بعد فوزه بولاية رئاسية ثانية، قائلاً: «لِنطلقْ معاً ديناميكية تدفع إلى التقدّم في معالجة كبرى الملفّات». في المقابل، دعا ماكرون، في رسالة بمناسبة عيد استقلال الجزائر، الرئيس الجزائري، إلى العمل من أجل تعزيز العلاقات الثنائية على أساس «الثقة والاحترام المتبادل لسيادة بلدَينا».

أبعاد الخلاف
على رغم التبادل الاقتصادي المهمّ، والذي لم ينقطع بين البلدَين، إلّا أن أيّ تصريح رسمي غير ودّي كان يثير جدلاً ويتسبّب أحياناً في خلق جوّ من التوتر، فضلاً عن أن ورقة العلاقات الجزائرية - الفرنسية يستخدمها السياسيون عند اقتراب كلّ موعد انتخابي، وخصوصاً على الجانب الفرنسي، حيث تُستعدى الجزائر لاستمالة الهيئة الناخبة للتيّار اليميني، وتلك التي يشكّلها المهاجرون الجزائريون مزدوجو الجنسية، والمُقدَّر عددهم بأربعة ملايين على التراب الفرنسي. غير أن مراقبين يرون أن الخلاف أعمق من أن يكون منحصراً في تحقيق فوائد انتخابية، بالنظر إلى تشابك الملفّات بين الطرفَين، والتي لم تعرف طريقاً إلى الحل بسبب تمسّك كلّ منهما بموقفه، ناهيك عن أن الأمر يتعلّق بتاريخ مشترك وسُمعة أمّة، ولا يتوقّف عند مصالح اقتصادية متقاطعة ظرفية. ومن بين تلك الملفّات العالقة: الأرشيف المشترك، الاعتراف بالجرائم المرتكَبة خلال فترة الاستعمار، خرائط الألغام ومواقع دفن النفايات النووية، واسترجاع بقيّة جماجم قادة الثورات الشعبية (موجودة في «متحف الإنسان» في العاصمة الفرنسية باريس)، والذي كان وزير المجاهدين وذوي الحقوق، العيد ربيقة، قد كشف، قبل أيام، أن «العمل جارٍ ومتواصل» لإتمامه، بعدما تمكّنت الجزائر في كانون الثاني 2020 من استرجاع رفات 24 مقاوماً أُعيد دفنهم في مساقط رؤوسهم.

تختلف أجواء زيارة الرئيس الفرنسي الجديدة وسياقاتها عن سابقاتها


سياقات مُغايرة
تختلف أجواء زيارة الرئيس الفرنسي المنتظَرة عن سابقاتها، بفعل الوضع المستجدّ الذي فرضته الأحداث الدولية والإقليمية، فضلاً عن تخلُّص الجزائر من عدد من الشركات الاقتصادية الفرنسية التي تَحكّمت لعقود بقطاعات استراتيجية أو الحدّ من الامتيازات التي مُنحت لها وقتذاك، سواءٌ في الطاقة أو النقل أو الماء وغيرها، وهو ما كان قبل اليوم يصعّب من مهمّة قطع «الحبل السرّي» بين البلدَين. ومن بين العوامل التي تصعّب، أيضاً، من مهمّة فرنسا في الحفاظ على علاقتها الاقتصادية مع الجزائر، تَوجُّه الأخيرة نحو تعزيز تعاملاتها مع بلدان أخرى، أهمّها تركيا وإيطاليا التي تحوّلت إلى الشريك الاقتصادي الأوروبي الأوّل للبلاد، عوضاً عن فرنسا وإسبانيا. كذلك، ضاعفت الأزمة الأوكرانية التي قسمت العالم بين مؤيّد ومعارض للحرب، ولو نسبياً وظرفياً، من نقاط التباعد بين باريس والجزائر؛ في ظلّ اختيار الأخيرة عدم الانحياز إلى أيّ طرف، واتّخاذها خطوات بدت - في وجه من وجوهها - أقرب إلى روسيا، في الوقت الذي تهتمّ فيه فرنسا بإبقاء صِلاتها جيّدة مع أحد المُصدّرين المهمِّين للغاز في المنطقة، في ظلّ السعْي الأوروبي لتعويض الغاز الروسي. يُضاف إلى ما تَقدّم المخاض الذي تعيشه الجزائر للتخلُّص من التبعية الثقافية لفرنسا، حيث تَضاعَفت الأصوات المنادية بوقف التعامل باللغة الفرنسية وتعويضها باللغة الإنكليزية، وهو الإجراء الذي صار قابلاً للتجسيد، إثر قرار السلطات - كخطوة أولى - إدراج اللغة الإنكليزية في التعليم الابتدائي انطلاقاً من العام الدراسي المقبل، بعدما كانت تُدرَّس ابتداءً من المرحلة المتوسّطة.
كذلك، تأتي زيارة ماكرون للجزائر في ظرف إقليمي تحتاج فيه فرنسا، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى الحفاظ على ما تَبقّى من مصالحها في مستعمراتها القديمة، بعدما أفسد تدخُّلها المتواصل في الشؤون السياسية والأمنية علاقاتها بالدول الأفريقية، والتي تشهد موجة غضب شعبي رفضاً لتمكينها من ثروات تلك البلدان. ففي ظرف أسابيع قليلة، سُجّلت تجمّعات احتجاجية وتظاهرات امتدّت من مالي إلى النيجر وتشاد وبوركينا فاسو، تطالب بإنهاء اتفاقيات التعاون العسكرية والاقتصادية مع باريس، وخروج القوات الفرنسية من بوركينا فاسو وتشاد. يأتي هذا في وقت نجحت فيه القوات الروسية في اكتساب نفوذ في أفريقيا، وخاصة بعدما عوّضت قوات «فاغنر» الروسية، القوات الفرنسية في مالي، إثر توتّر العلاقات بين باريس وباماكو، ونجاح موسكو في توقيع اتفاقات دفاعية وأمنية مع حكومات في أفريقيا الوسطى.