يستمرّ الجدل في تونس حيال مسودة الدستور الجديد الذي أَعلن عنه الرئيس قيس سعيد، قبل أيّام، ولاقى معارضةً من طيفٍ واسع من التونسيين الذين رأوا أنه يؤسّس لديكتاتورية جديدة. وبعد ما أثير من تصريحات عن أن الدستور المعلَن ليس هو نفسه الذي سلّمته لجنة صياغة الدستور إلى الرئيس، توجّه سعيد إلى التونسيين ببلاغ حمل عنوان: «للدولة حقوق وللحقوق والحريات دستور يحميها وللشعب ثورة يدافع عنها مَن يعاديها»، يدعوهم فيه إلى التصويت بـ«نعم» على مشروع الدستور في الاستفتاء الذي سيجرى يوم الـ25 من تموز الجاري.

وعلّل سعيد طلبه بأن التصويت بـ«نعم» ضروري حتى «لا يصيب الدولة هرم، وحتى تتحقّق أهداف الثورة، فلا بؤس ولا إرهاب ولا تجويع ولا ظلم ولا ألم»، لافتاً إلى أن دستور عام 2014 وُضع «على المقاس لخدمة هذا الطرف أو ذاك... ويجد فيه كل طرف نصيباً». واتهم سعيد، مَن حكم تونس بعد انتفاضة كانون الأوّل 2010، «أفرغ خزائن الدولة وسائر المؤسسات والمنشآت العمومية، وزاد الفقراء فقراً وإملاقاً، وزاد الذين أفسدوا في كل مكان ثراءً خارج أيّ إطار شرعي ومشروع». من هنا، فإن «الواجب المقدّس والمسؤولية التاريخية» اقتضيا أن يتمّ تجميد عمل مجلس النواب قبل حلّه «لإنقاذ الشعب ومؤسسات الدولة التي كانت على وشك الانهيار»، مضيفاً أنه «كان لا بدّ من التفكير الجدي في وضع دستور جديد (...) لهذا، تم الاختبار على تنظيم استشارة وطنية، علاوة على حوار وطني قبل وضْع مشروع دستور جديد ليُعرض يوم الـ25 من تموز الحالي على صاحب السيادة، عليكم أنتم يا شعبنا العظيم». وأوضح سعيد أن الدستور الجديد لم يوضع «إلّا بناءً على ما عبّر عنه الشعب التونسي منذ اندلاع الثورة إلى غاية اتّخاذ قرار تصحيح مسارها يوم 25 جويلية 2021»، مؤكداً أن مشروعه «من روح الثورة ومن روح مسار التصحيح»، ومشدّداً على أن لا مساس فيه على الإطلاق بالحقوق والحريات. كما بيّن أن النصوص القانونية ستكون «تحت الرقابة الشعبية سواء داخل المجلس الأوّل أو الثاني، فضلاً عن رقابة دستورية القوانين من قبل محكمة دستورية تسهر على ضمان علوية الدستور، بعيداً من كل محاولات التوظيف بناءً على الولاء لهذا أو لذاك».

لم يفت سعيد التعرُّض للانتقادات التي طاولت مشروع الدستور


ولم يفت سعيد التعرُّض للانتقادات التي طاولت مشروع الدستور، إذ ردّ على «مَن دأب على الافتراء والادعاء أن مشروع الدستور يهيّئ لعودة الاستبداد»، بأنهم «لم يكلّفوا أنفسهم عناء النظر في كل بنوده وأحكامه، بل لم ينظروا لا في تركيبة المحكمة الدستورية، ولا في إمكانية سحب الوكالة، ولا في حقّ المجلس في مساءلة الحكومة، ولا في تحديد حقّ الترشُّح لرئاسة الدولة إلّا مرّة واحدة». وحول إنشاء مجلس وطني للجهات والأقاليم، لفت سعيد إلى أن الغاية منه «مشاركة الجميع في صنْع القرار».
ويأتي توقيت نشر البلاغ الرئاسي، بعد الهجوم على مسودة الدستور المنشورة، بخاصّة من جانب رئيس لجنة صياغة الدستور، الصادق بلعيد، وأعضاء آخرين في اللجنة، أعلنوا تبرؤهم من النص المقدَّم إلى الاستفتاء، في حين واصلت أحزاب تونسية الدعوة إلى مقاطعة الاستفتاء، والتصويت بـ«لا» على مشروع الدستور.