عشية تصريحات صادمة لمبعوث أممي أسبق للأمم المتحدة إلى ليبيا، تحدّث فيها عن الأدوار الدولية التي أوصلت البلاد إلى حالة التفكُّك والصدامات المسلّحة بين الشرق والغرب خلال الأعوام الثلاثة الماضية، والدور الأميركي في التدخُّل لمنْع مواجهة مصرية ــــ تركية عسكرية على الأراضي الليبية، جاءت مخرجات زيارة رئيس الوزراء الليبي، عبد الحميد الدبيبة، لتركيا لتطرح تساؤلات عن طبيعة التعاون بين البلدين، وخاصة أن الدبيبة حصل على دعم دولي وخليجي، فيما تُحاول أنقرة الحفاظ على مكاسبها في هذا الملفّ الذي تؤدّي دوراً رئيسيّاً فيه.


وقّع الدبيبة والوفد المرافق له اتّفاقات ثنائيّة مع تركيا في مجالات واسعة (أ ف ب )

العنصر الأهمّ هو تجديد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، تشديده على الالتزام باتفاقية ترسيم الحدود البحرية وجميع الاتفاقات المُوقّعة بين تركيا وليبيا، وأوّلها اتفاقية التعاوُن العسكري مع حكومة «الوفاق الوطني» السابقة، والتي أرسلت بموجبها أنقرة مستشارين عسكريين للقتال إلى جانب «الوفاق» مقابل قوات خليفة حفتر. في المقابل، أكد الدبيبة رغبة بلاده في تعزيز التعاون الاقتصادي، وهو على عكس زياراته لمصر والإمارات والكويت، وقّع، والوفد المرافق له، اتفاقات ثنائية مع أنقرة في مجالات التعليم والطاقة والإعلام واعادة الإعمار، وهي خطوة متوقّعة، ولا سيما أن لديه استثمارات مالية كبيرة في تركيا.
وبينما تبدو مسألتا ترسيم الحدود البحرية والدور التركي في إعادة الإعمار الأكثر إثارة للجدل، دعا إردوغان والدبيبة، في البيان المشترك، إلى «مؤتمر إقليمي يحفظ حقوق دول شرقي المتوسّط»، بما يعني دعم تركيا في توجُّهها نحو الانخراط مع باقي دول شرقي المتوسّط التي أسّست منتدى للغاز ولم تُدعَ إليه أنقرة. مع ذلك، يثير الموقف الليبي من الانخراط في مؤتمر بمشاركة إسرائيلية حالة من الجدل الداخلي، الذي لا يرغب في إثارته الدبيبة حالياً، فضلاً عن غياب أطراف أخرى مِن مِثل لبنان وسوريا. وتراهن تركيا على ليبيا بصورة رئيسيّة، من أجل الضغط على اليونان التي زار وزير خارجيتها بنغازي وطالب بإخراج المقاتلين الأجانب، إلى جانب تأكيده ضرورة استمرار التفاوض حول مسألة ترسيم الحدود البحرية، وخاصة أن أثينا تعتقد بأن الاتفاقية التي وقّعتها حكومة فائق السراج مع أنقرة تنتهك حقوقها، فيما لا يزال جزء رئيسيّ من الملفّ مُعلَّقاً في انتظار الردّ الليبي الرسمي. كذلك، أبدت اليونان اهتماماً كبيراً بالتواصُل مع القيادة الليبية، داعية رئيس «المجلس الرئاسي»، محمد المنفي، إلى زيارة أثينا، توازياً مع افتتاح قنصلية يونانية في بنغازي واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وترى اليونان أن اتفاقية ترسيم الحدود بين ليبيا وتركيا غير شرعية، ليس لانتهاكها مساحات من الحدود البحرية لتركيا فقط، وإنما أيضاً لعدم تصديق البرلمان عليها. وواضحٌ أن المنفي أو الدبيبة غير قادرين على توقيع اتفاقات جديدة، لأنه بموجب «ملتقى الحوار السياسي» الذي أوصل الحكومة إلى السلطة، سيكون إبرام الاتفاقيات من صلاحية الحكومة المقبلة التي تُنتخَب في 24 كانون الأول/ ديسمبر المقبل.
أما ملفّ إعادة الإعمار، فيشكّل أزمة للقاهرة على وجه التحديد، كونها تأمل بدور أكبر فيه، وتنتظر توقيع اتفاقات سواء خلال الزيارة المرتقبة لعبد الفتاح السيسي لليبيا، أو زيارة جديدة من الدبيبة لمصر. مع ذلك، لم تلقَ زيارة الدبيبة لتركيا أيّ رد فعل مصري على المستوى الرسمي، وسط ترقُّب لتبعاتها على أرض الواقع. وسبق أن أخبر المسؤولون الليبيون، نظراءهم المصريين والخليجيين، أن جميع الاتفاقات الموقّعة في السابق والمثيرة للجدل لن تدخل حيّز التنفيذ، لكنها لن تُلغى وستبقى معلّقة في انتظار السلطة الجديدة، مع تأكيد مراجعة البرلمان لأيّ اتفاقات، والمراقبة المالية الجيّدة لتفاصيلها.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا