مجدّداً، عاد الحديث عن الإرهاب في تونس، مع إعلان قوات الأمن، قبل أيّام، تنفيذ "عمليتَين استباقيتَين" غربيّ البلاد، أسفرتا عن مقتل 3 إرهابيين بينهم المدعو حمدي ذويب، الذي يُعدّ أحد قياديّي تنظيم "أجناد الخلافة" الموالي لتنظيم "داعش"، والذي "ثَبُت تورُّطه في العديد من العمليات الإرهابية"، بحسب بيان لوزارة الداخلية. ووفقاً لمصادر "الأخبار"، فإن إحدى العمليتَين أودت بحياة امرأة من الجنسية الفلبينية، بعدما فَجّرت نفسها بحزام ناسف كانت ترتديه، ما أدّى إلى إصابة طفلة كانت ترافقها، لا يتجاوز عمرها الثلاث سنوات. وتشير المصادر نفسها إلى أن "قوات الأمن التونسية تُجري عمليات تمشيط في جبال محافظات القصرين والكاف لتعقُّب الإرهابيين المتحصّنين فيها والخلايا النائمة، وقد نجحت في إضعاف قدرة هذه التنظيمات على شنّ هجمات إرهابية في البلاد في أوقات محدّدة، خصوصاً خلال شهر رمضان بعد القضاء على أغلب وأبرز قادتها". وتقول السلطات الأمنية التونسية إن العشرات من الإرهابيين الموالين لتنظيمات إرهابية، منها "كتيبة عقبة بن نافع" الموالية لتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، و"كتيبة أجناد الخلافة" الموالية لتنظيم "داعش"، يتحصّنون في تلك الجبال الواقعة غربي البلاد.

وفي السياق، يؤكّد الخبير في الشؤون الأمنية والجماعات المتطرّفة، باسل ترجمان، في حديث إلى "الأخبار"، أن "التحرُّكات التي قام بها الإرهابيون أخيراً كانت تحت المراقبة الدقيقة لأجهزة الأمن التونسية، وكان الغرض هو إلقاء القبض عليهم". ويضيف ترجمان أن "الإرهابي حمدي ذويب كان يعدّ لعملية إرهابية نوعية في تونس العاصمة أو في إحدى المدن الكبرى، ليلة الـ17 من شهر رمضان القادم"، في إشارة إلى أن الجماعات الإرهابية تُنفّذ هجماتها في تواريخ محدَّدة كرسائل تستعملها سواء في إطار التعبئة الإيديولوجية الداخلية، أو في إطار سياسة الرعب المنتَهجة ضدّ المواطنين والدولة. وحول السلاح الذي ضُبط مع الإرهابي، يفيد بأنه "نمسَوي الصنع، تستعمله قوات الجيش التونسي، وقد تمكّنت الجماعات الإرهابية من سرقته خلال هجمات ارتكبتها قبل سنوات ضدّ مواقع عسكرية للجيش في المناطق الحدودية مع الجزائر".

التحرُّكات التي قام بها الإرهابيون أخيراً كانت تحت المراقبة الدقيقة لأجهزة الأمن التونسية


يُذكر أنه خلال السنوات الماضية، كانت هذه الجبال مسرحاً لعمليات إرهابية دامية نَفّذتها الجماعات المسلحة ضدّ قوات الشرطة والجيش، وتُعتبر حادثة مقتل 15 جندياً وجرح 20 آخرين خلال مواجهات مع إرهابيين في جبل الشعانبي في محافظة القصرين في شهر رمضان من عام 2014، هي الحادثة الإرهابية الأسوأ في تونس، وقد جاءت بعد عام واحد فقط من مقتل 8 جنود في كمين استَهدف دورية للجيش في المكان نفسه. ويلفت ترجمان إلى أن "منطقة القصرين تُشكّل ملاذاً آمناً للخلايا المتطرّفة في تونس منذ سنوات"، مُذكّراً بـ"طبيعة المنطقة الجبلية الوعرة، وبأن فيها الكثير من الكهوف التي تتّخذها الخلايا كمواقع مهمّة لها، وكذا قلّة عدد السكان، ما يسمح للإرهابيين بسهولة التحرُّك والتنقُّل على طول المناطق الحدودية مع الجزائر"، مشدّداً على"ضرورة محاصرة الإرهابيين في هذه الأماكن والتضييق عليهم، سواءً من قِبَل أجهزة الأمن التونسي أو الأمن الجزائري". ويُبيّن ترجمان أن جماعة "جند الخلافة" "تستمدّ نوعاً من الدعم المعنوي جرّاء إعادة انتشار وتمركُز جماعات داعش في عدد من الدول الأفريقية، وبالتالي تَعتبر أن هناك معركة قادمة في جلّ المنطقة"، معتبراً أن المرحلة القادمة ستكون "دقيقة وحرجة في التعامُل مع الخطر الإرهابي".
ويَذكر أن "التهديد الإرهابي وتدفُّق الإرهابيين بعد عام 2011، كلّفا بشكل كبير موازنات دول المنطقة، التي أصبحت تدفع أموالاً طائلة من أجل حماية الأمن وصدّ الخطر، على حساب التنمية والتعليم والصحّة". ويَتوقّع "استمرار المعركة ضدّ الإرهاب في تونس من أجل تجفيف منابع الإرهاب وتفكيك الفكر المتطرّف"، داعياً إلى وضْع "استراتيجية وطنية تشارك فيها كلّ مؤسّسات الدولة ومنظّمات المجتمع المدني، إلى جانب مقاربة اجتماعية ودينية مهمّتها تجفيف منابع الفكر المتطرّف الذي يبني جزءاً من إيديولوجياته على خلفية دينية مزوّرة"، مشيراً في هذا الإطار إلى أهمية "القيام بمراجعات عميقة للنصوص الدينية بهدف تنظيفها من مغذّيات التطرُّف والإرهاب". ويرى، في ختام حديثه، أن "الوعي الشعبي التونسي لعب دوراً بارزاً في التصدّي للإرهاب"، معتبراً أن ذلك يعود إلى "تاريخ تونس الديني الذي جعل منها مدرسة إسلامية وسطية معتدلة، ساهمت في خلق وعي ديني مجتمعي".
يُشار إلى أن هذا الحادث الأمني هو الأوّل من نوعه الذي يُكشف فيه عن وجود عناصر إرهابيين من النساء في جبال غرب تونس، والأوّل أيضاً الذي يتمّ الحديث فيه عن عناصر إرهابيين من جنسيات بعيدة عن المنطقة المغاربية، بعدما سبق للسلطات التونسية أن أعلنت القضاء على عناصر إرهابيين جزائريين وآخرين ليبيين داخل التراب التونسي.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا