لا يزال الصراع بين الرئيس التونسي، قيس سعيّد، و”حركة النهضة” مستمرّاً، فيما تُعدُّ تعديلات قانون المحكمة الدستورية أحدث حلقاته. وانتهت، قبل يومين، آجال تقديم الطعون في مشروع القانون الخاص بالمحكمة، وفق ما أعلنه النائب المكلَّف بالإعلام والاتصال في مجلس النواب، ماهر مذيوب، قائلاً إن “أَجَلَ الطعن المحدَّد بسبعة أيام، من تاريخ مصادقة البرلمان يوم 25 آذار/ مارس على مشروع قانون تعديل المحكمة الدستورية، انتهى، لتتمّ إحالته على مصالح رئاسة الجمهورية للتوقيع والختم”، في مهلةٍ أقصاها أربعة أيام من تاريخ انقضاء آجال تقديم الطعون، وفق مقتضيات الفصل الـ81 من الدستور. ولرئيس الجمهورية، وفق هذا الفصل، الحقّ في ردّ المشروع إلى البرلمان مع التعليل، للتداوُل ثانيةً، على أن تكون المصادَقَة عليه بأغلبية ثلاثة أخماس المجلس (أي 131 نائباً من أصل 217 نائباً)، وليس بأغلبية الحاضرين، كما جرى في الجلسة السابقة (تمّ التصويت على التعديلات بـ111 نائباً وتحفُّظ 8)، وهو ما سيُعقِّد تعديل القانون إذا تمَّت إعادته إلى البرلمان لصعوبة الحصول على أغلبية كبيرة، نظراً إلى الخلافات العميقة بين الكُتل البرلمانية.

وتكمن أهمية المحكمة الدستورية في كون مهامها تتضمَّن المصادَقة على عزل رئيس الجمهورية باقتراح من البرلمان، ومعاينة شغور المنصب في حالة المرض أو الوفاة، والمصادَقة على نتائج الانتخابات، وفضّ الخلافات الدستورية في تنازع الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث. وينصّ القانون الأساسي للمحكمة على أن عدد أعضائها 12، أربعة يرشِّحهم مجلس النواب، وأربعة رئيس الجمهورية، وأربعة المجلس الأعلى للقضاء. لكن مجلس النواب لم يتمكَّن في دورتَيه (2014 - 2019) والدورة الحالية التي تنتهي في عام 2022، إلّا من انتخاب عضو واحد بسبب الخلافات السياسية. والجدير ذكره، هنا، أن تأسيس المحكمة الدستورية تَعطَّل منذ عام 2015، على رغم أن التحالُف الحاكم آنذاك بين “حركة النهضة” و”حزب نداء تونس” كان يمتلك أغلبيّة مريحة، تُمكِّنه من انتخاب أربعة أعضاء للمحكمة.
وفي سياق الخلافات الدستورية بين سعيّد الذي يمنحه الدستور حقّ التأويل في غياب المحكمة الدستورية، وبين “النهضة” وحليفَيها “قلب تونس” و”ائتلاف الكرامة”، يسعى هؤلاء إلى التعجيل في انتخاب بقيّة الأعضاء الثلاثة. لذلك، تمّ تخفيض عدد الأصوات المطلوبة لاختيار أعضاء المحكمة، من 145 عضواً إلى 131، وهو ما سيتيح للائتلاف البرلماني اختيار بقية الأعضاء، الأمر الذي يرى فيه بعض نوّاب المعارضة، مثل منجي الرحوي (يسار)، وعبير موسي (رئيسة “الدستوري الحرّ”)، محاولة لعزل رئيس الجمهورية، أو سحب تأويل الدستور منه وابتزازه سياسياً.

سينهي تأسيس المحكمة الدستورية الجدل الدائر والمستمرّ بين رئيسَي الجمهورية والحكومة


ويرى مراقبون أن المصلحة العليا للبلاد تقتضي إرساء المحكمة الدستورية، ذلك أن تونس اعتمدت في انتقالها الديموقراطي على المؤسّسات والقانون. وفي هذا السياق، يقول الكاتب الصحافي والباحث السياسي، منجي الخضراوي، في حديث إلى “الأخبار”، إن “الإشكال في هذا المشروع التعديلي للمحكمة الدستورية هو التأخُّر المناقض للدستور”، مشيراً إلى أنه في “غياب المحكمة، انقسم الخبراء الدستوريون بين مَن يرى أن رئيس الجمهورية يعوّض مكانة المحكمة، ومَن يرى أنه لا بدّ من تشكيل لجنة مؤقّتة تقوم بمراقبة دستورية تشريع القوانين. إرساء المحكمة الدستورية لم يَعُد رهن جهة دون أخرى، إنما الإشكال هو في تركيبتها”، وخصوصاً أن “كلّ كتلة حزبيّة تسعى إلى الدفع باسم معيّن، وهي مستعدّة لوضع المحكمة في حالة عطل، إذ ثمّة محاولات لإعطائها نفَساً حزبيّاً”. ويتساءل عن أجر القاضي الدستوري الذي لا يتجاوز ثلاثة آلاف دينار تونسي، معتبراً أن هذه “مهزلة في حقّ قاضٍ له صلاحيات كبرى كعزْل رئيس الجمهورية، وإلغاء قوانين والتدخّل في إعلان حالة السلم والحرب”، وهو “ما يفتح الباب أمام إمكانية شرائه”. ويلفت منجي إلى مسألة استفادة رئيس الجمهورية من عدم وجود محكمة دستورية، “باعتباره الضامن والمؤوِّل للدستور، وكأنه يعوّض المحكمة”، معرباً عن اعتقاده بأن “الرئيس قيس سعيّد سيختم هذا القانون، وسيتصرّف كونه رئيساً لا يمثّل شخصه، بل يمثّل مؤسسة رئاسة الجمهورية، ويعطي أولوية للمؤسسة”.
من جانبه، يرى الباحث المتخصّص في القانون الدستوري، أيمن البريكي، في حديث إلى “الأخبار”، أن “مَن يستفيد من غياب المحكمة الدستورية هم مَن يقومون بالألاعيب السياسية، والذين لهم مشاريع يمينية فاشية أو دينية”، في إشارة إلى بعض الأحزاب السياسية. ويشير إلى أنه “لم يتمّ تكريس الدستور التونسي بعد في عدّة هيئات ومؤسسات دستورية”، لأن “العقل القانوني ينخرط في ضوضاء صراعات سياسية غير مجدية ومُعطّلة”. وينتقد البريكي التنقيحات التي يَعتبر “أغلبها سياسية محضة، فيما توجد عدّة إشكاليات قانونية أكثر أهمية، وتحتاج إلى المراجعة”، متسائلاً: “هل نحن أمام محكمة دستورية، أم مجلس دستوري؟”. ويعتبر الباحث الدستوري أن “تأسيس المحكمة الدستورية سينهي قطْعاً الجدل الدائر والمستمرّ بين رئيسَي الجمهورية والحكومة”، وسيُغلق الباب أمام كلّ “المشاكل العالقة بين السلطتَين التشريعية والتنفيذية”.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا