على رغم التوقُّعات باستطالة أمد مناقشات البرلمان الليبي حول تشكيلة حكومة رئيس الوزراء المكلَّف، عبد الحميد دبيبة، إلا أنه جرى، في خلال جلسة البرلمان صباح أمس، التصويت على منح الثقة للحكومة، كنتيجة للصفقات التي عقدها دبيبة، مساء أوّل من أمس، مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، وحلفائهما، من أجل تمرير التشكيلة الحكومية للبدء بالعمل، اعتباراً من الأسبوع المقبل. وكانت مواقف دبيبة المعلَنة والمتّسقة مع الثنائي المذكور قد أسهمت في منحِه الثقة - على رغم بعض التحفُّظات -، وعلى رأس تلك المواقف عدوله عن تصريحاته السابقة في شأن الاتفاقات العسكرية الموقَّعة مع تركيا.

حسَم دبيبة شكل العلاقة مع أنقرة، مرحِّباً بالجانب الاقتصادي بشكل رئيس والعمل عليه، مع تأكيده أن الجانب العسكري أصبح يقع ضمن نطاق عمل لجنة الـ»5+5»، في ما من شأنه أن يُرضي جميع الأطراف داخلياً، إلى جانب الأمم المتحدة واليونان وفرنسا خارجياً. وأُرجئت تسمية وزير الدفاع ليحتفظ بها رئيس الحكومة لنفسه، إلى حين الرجوع إلى المجلس الرئاسي ومشاوراته في شأن الحقيبة التي مثّلت إحدى العراقيل أمام منح الثقة للحكومة، خلال الأيام الماضية. وحاول دبيبة تمرير أسماء حكومته في أسرع وقت لتجنُّب سجالات جديدة، فيما عدّل في بعض وجوهها، ولكن توزُّع عدد منهم على أماكن متعدّدة داخل ليبيا وخارجها حال دون أن تجتمع الحكومة لتؤدّي اليمين الدستورية أمس أو حتى اليوم، في ظلّ اتفاق على التئام جديد للبرلمان يوم الإثنين المقبل في بنغازي، بحضور دبيبة والنواب والوزراء الجدد، لأداء اليمين. ولم يحسم دبيبة، حتى الآن، الوجهة التي سيدير منها حكومته الجديدة، سواء من طرابلس كما كانت حكومة «الوفاق»، أم من سرت التي يفضّلها غالبية أعضاء مجلس النواب، وسيحظى فيها بدعم ليس من عقيلة صالح وخليفة حفتر فقط، ولكن أيضاً من الأمم المتحدة التي يوجد مراقبوها هناك بشكل رئيس خلال الفترة الحالية.
وحظي قرار البرلمان منح الحكومة الثقة بترحيب دولي، في حين تسود مخاوف من عدّة أمور، في مقدمِّها عدم التئام البرلمان مجدّداً في بنغازي بغالبية الأعضاء الإثنين المقبل، وهو ما سيعرقل البدء بممارسة الحكومة مهمّاتها، إلى جانب العراقيل التي بدأت تظهر في عملية التسلُّم والتسليم مع حكومة «الوفاق»، وهي عراقيل يجري العمل على حلحلتها بشكل تفصيلي، وعلى المدى المتوسّط. وعلى رغم أن ثقة البرلمان مشروطة بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها المحدَّد يوم الـ24 من كانون الأول/ ديسمبر المقبل، وهو ما تعهّد به دبيبة في كلمته أمام النواب، إلّا أن المسار الدستوري لا يزال غير واضح، وهو ما سيبدأ العمل عليه ومناقشته مع البعثة الأممية في الأيام المقبلة، إلى جانب مسألة الوضع الأمني ووضع الميليشيات وإعادة فرض الأمن.
وأبدت قوات حفتر رغبةً في التنسيق مع دبيبة خلال الفترة المقبلة، بعدما أصبح هناك توافق على إخراج المرتزقة من ليبيا بشكل كامل، وإعادة توحيد الأجهزة الأمنية. ونجح دبيبة في تحويل تشكيلته الحكومية من مرفوضة إلى مرضى عنها لدى جميع الأطراف، إذ حمل معه مجموعة من السير الذاتية للمرشّحين الجُدد لخلافة المستبعَدين، وهو ما جرى التوافق عليه بعدما استَبعد عدداً من أقارب النوّاب وبعض الشخصيات التي فُرضت عليه، ولم تكن على المستوى المطلوب مقارنة بأسماء أخرى تحقِّق التوازن الجغرافي، وتُعتبر أكثر كفاءة من غيرها. وضمّت تشكيلة الحكومة 4 وزيرات، أبرزهنّ نجلاء المنقوش، لتكون أوّل ليبية تتولّى حقيبة الخارجية، وهي محامية وحاصلة على الدكتوراه في عملية الانتقال من الحرب إلى السلم وبناء السلم، وعملت كمُمثّلة محلية لـ»معهد الولايات المتحدة للسلام في ليبيا»، إلى جانب عملها في «المجلس الانتقالي الوطني»، وجاء ترشيحها بعد استبعاد اسم لمياء بوسدرة التي وُجِّهت إليها انتقادات لغياب خبرتها الدبلوماسية والقانونية. وحصل خالد التيجاني، وكيل وزارة الداخلية الحالي والمقرّب من رئيس الوزراء في حكومة «الوفاق»، فائز السرّاج، على وزارة الداخلية التي تولّى تسيير شؤونها في خلال فترة إيقاف الوزير فتحي باشأغا بعد خلافه مع السرّاج، وينتمي التيجاني إلى قبيلة «الهوان» من منطقة الجفرة، حيث حظيَ بتوافق لتولّي الوزارة خلال المرحلة الانتقالية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا