استكمالاً لمهمّة تحسين العلاقات الفرنسية - الجزائرية، قرّر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، اليوم، تسهيل الوصول إلى محتويات الأرشيف السري، والتي يزيد عمرها على 50 عاماً، وعلى وجه الخصوص، تلك المتعلّقة بالحرب الجزائرية، عملاً بما أوصى به المؤرّخ بنيامين ستورا. وأفادت الرئاسة الفرنسية، في بيان، بأنّ الرئيس «اتّخذ قرار السماح لدوائر المحفوظات بالمضي قدُماً اعتباراً من يوم غد، الأربعاء، ورفع السرية عن وثائق مشمولة بسرية الدفاع الوطني، حتّى ملفات عام 1970 ضمناً».

وليس هذا القرار بمستغرَب، فماكرون الذي كان قد وصف، خلال حملته الانتخابية عام 2017، استعمار الجزائر بأنه «جريمة ضد الإنسانية» وعبّر عن رغبته في تحسين العلاقات الجزائرية - الفرنسية وتخطّي عداوات الماضي، قد عمد، في وقت سابق، إلى إرسال 24 جثماناً لمقاتلين جزائريين كانوا قد قُتلوا خلال سنوات الاستعمار الأولى. كما كلّف، العام الماضي، المؤرّخ، بنيامين ستورا، وهو يهودي من أصل جزائري، بمهمّة إعداد تقرير حول «ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر»، بهدف تعزيز «المصالحة بين الشعبَين الفرنسي والجزائري».

الاعتراف بتعذيب بومنجل
واستجابة لطلب الرئيس الفرنسي، قدّم ستورا، في العشرين من كانون الثاني الماضي، تقريره هذا، الذي عاد إلى الواجهة أخيراً بعد الاعتراف الفرنسي، هذا الأسبوع، بتعذيب المناضل والمحامي الجزائري، علي بومنجل، وقتله. هو اعتراف جاء متأخراً حوالى 69 عاماً، ظلّت فرنسا خلالها تزعم أنّ المناضل قضى انتحاراً.
بناءً على ما تقدّم، أقرّ ماكرون بالحقيقة، الثلاثاء الماضي أمام أربعة من أحفاد بومنجل: «بومنجل لم ينتحر، بل أوقفه الجيش الفرنسي في خضمّ معركة الجزائر، ثمّ قام بتعذيبه وقتله في 23 آذار 1957. وكان الجنرال السابق في الجيش الفرنسي الذي اشتهر بتعذيب المعتقلين خلال حرب الجزائر، بول أساريس، قد أقرّ، في وقت سابق، بأنّه أمر أحد مساعديه بقتله وإخفاء الجريمة بحجّة الانتحار». وكما كان متوقّعاً، أبدى ماكرون لزواره رغبته في تشجيع المؤرّخين على فتح جميع الأرشيفات والبحث عن الشهود بهدف منح الحقيقة لجميع أهالي الضحايا والمفقودين، لافتاً إلى أنّه سيتم التعمّق في هذا العمل، خلال الأشهر المقبلة، من أجل التوصّل إلى الشفاء والمصالحة. وأضاف في بيان، أنه «من غير الممكن التسامح مع أيّ جريمة أو فظاعة ارتكبهما أيٌّ كان خلال الحرب الجزائرية أو تغطيتهما». وكانت ابنة أخ علي بومنجل، فضيلة بومنجل شيتور، أستاذة الطب والناشطة في مجال حقوق الإنسان، قد ندّدت، الشهر الماضي، بمحاولة باريس التغطية على جريمة قتل عمّها، واصفة كذب الدولة الفرنسية بالـ«هدّام».

«المحامي والمناضل السياسي»
بومنجل الذي ولد من عائلة معروفة بثقافتها ونضالاتها السياسية، عمل صحافياً في جريدة «إيغاليتيه» (Egalité)، كما كان عضواً في حزب «الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري» الذي أسّسه، في عام 1946، أول رئيس للحكومة المؤقتة في الجزائر فرحات عباس. ومع اندلاع الثورة الجزائرية، عمل بومنجل مع المحامين في الدفاع عن مسلّحي جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وتعرّض على إثر عمله هذا للملاحقة القانونية والسجن. وبعد عام واحد، حين تمّ إطلاق سراح صديقه الناشط السياسي والقائد الثوري، عبان رمضان، انضمّ وإياه إلى جبهة التحرير الوطني، قبل أن يُعتقل أخيراً في معركة الجزائر التحريرية عام 1957.
وقد رحل الزعيم الوطني والمحامي الجزائري تاركاً خلفه زوجته، مالكة، التي فارقت الحياة، فيما ما زالت تطالب بالحقيقة بشأن وفاة زوجها، وأربعة أطفال، وإرثاً سياسياً مهمّاً تمثّل في معاركه وشجاعته التي طبعت أرواح الجزائريين.