الجزائر | بدا خطاب الرئيس عبد المجيد تبون، أمس، الأكثر أهمّية منذ وصوله إلى رئاسة البلاد، كونه يأتي عقب غياب طويل للرجل بسبب المرض، ذكّر الجزائريين بسيناريو الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. لذلك، لم يكن المنتظَر فقط مضمون الخطاب، بل الشكل الذي سيظهر عليه الرئيس أيضاً. ولإظهار تعافيه الكامل من المرض، حرص تبون على تقديم خطابه بشكل مرتجل، منتقلاً من ملفّ إلى آخر في حوالى نصف ساعة، قبل أن يُنهِيه بالكشف عن حزمة من القرارات.

وفي أبرز ما ورد في الخطاب، قرّر تبون حلّ «المجلس الشعبي الوطني» وهو الغرفة الأولى للبرلمان، والذهاب نحو انتخابات تشريعية مبكرة. وتُدخل هذه الخطوة الجزائر، من الآن، في أجواء انتخابية؛ إذ يمنح الدستور الجزائري مهلة ثلاثة أشهر فقط لتنظيم الانتخابات. ويندرج هذا الإعلان في سياق الإصلاحات التي باشرها الرئيس، والتي انتهت باعتماد دستور جديد للبلاد، ثمّ تعديل قانون الانتخابات الذي غيّر كلّياً من نمط الاقتراع، وجعَله أكثر جاذبية للترشُّح خاصة لدى فئة الشباب، مع تضمينه إجراءات تحدّ من نفوذ أصحاب المال في العملية الانتخابية.
وكان مطلب حلّ البرلمان الحالي من أهمّ ما دعا إليه الجزائريون في السنتين الأخيرتين، كونه مُشكّلاً في غالبيته من الأحزاب الموالية للرئيس السابق والتي كانت تعمل على إبقائه في الحكم مدى الحياة، خاصة «جبهة التحرير الوطني» و«التجمّع الوطني الديموقراطي». لكن تبون، بعد وصوله إلى الرئاسة، آثر الإبقاء على هذا البرلمان، لغاية الانتهاء من خطوة تعديل الدستور، مستفيداً من تَحوُّل الأغلبية البرلمانية إلى مساندته، وهو ما ظهر في عدم عرقلتها لأيٍّ من قراراته. غير أن استكمال ما تُطلِق عليه الرئاسة «المسار الإصلاحي» كان لا بدّ أن ينتهي بحلّ البرلمان.
وفي ثاني القرارات التي كانت منتظَرة في الخطاب، أعلن تبون عن تعديل حكومي يشمل الوزارات التي تَميّز أداؤها بالضعف. ويُنتظر، في غضون ساعات، أن يعلِن عن قائمة الوزراء الجديدة، وسط تضارب في الأنباء عمّا إذا كان الوزير الأول، عبد العزيز جراد، سيبقى على رأس الحكومة أم سيغادرها. في غضون ذلك، يُرجَّح أن يشمل التعديل وزارات مثل التجارة والصناعة والثقافة، التي كان وزراؤها محلّ انتقاد دائم على وسائل الإعلام، بسبب الطابع الاستعراضي لنشاطهم في مقابل مردود هزيل في الميدان. لكن تساؤلات كثيرة تدور حول هذا التعديل الحكومي، خصوصاً لناحية توقيته الذي يسبق انتخابات تشريعية، يُفترض أن تكون هي الضابط لشكل الحكومة مستقبلاً من خلال ما ستُفرزه من أغلبية جديدة.

لعلّ أهمّ ما أكسب خطاب الرئيس أهمية هو إعلانه عفواً رئاسياً عن عدد كبير من سجناء الحراك


ولعلّ أهمّ ما أكسب خطاب الرئيس أهمية، هو إعلانه عفواً رئاسياً عن عدد كبير من سجناء الحراك الشعبي، في قرار لم يكن مُتوقّعاً في ظلّ رفض الرواية الرسمية إضفاء الطابع السياسي على هؤلاء المعتقلين. وقال تبون إنه أمضى على مرسوم رئاسي يقضي بالإفراج عن 30 معتقلاً صدرت في حقهم أحكام نهائية، في حين سيجري الإفراج عن 25 آخرين مِمَّن نالوا أحكاماً ابتدائية أو مَن هم رهن الحبس المؤقّت قيد التحقيق. ويوجد في الجزائر، اليوم، بحسب تقديرات «اللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين» نحو 100 معتقل رأي، متّهمين في أغلبهم بقضايا تتعلّق بمنشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي الساعات الأولى لصباح أمس، تَجمّع عدد كبير من أنصار الصحافي خالد درارني، عند أسوار سجن القليعة غربي العاصمة الجزائرية، آملين في الإفراج عنه. وانتشرت على مواقع التواصل أخبار خروج 14 معتقلاً في الولايات الداخلية، في انتظار استكمال إجراءات الإفراج عن البقية. وانتقد كثير من النشطاء تعمُّد السلطات الغموض في مسألة المعنيّين بالإفراج، ما ولّد حالة قلق كبيرة لدى عائلاتهم، خاصة أن العديد منهم نُقلوا إلى سجون بعيدة جدّاً عن مقارّ سكناهم. ومن بين المعتقلين المرشّحين لمغادرة السجن، الضابط السابق علي غديري والناشط السياسي رشيد نكاز، اللذان قضيا لحدّ الآن أكثر من سنة رهن الحبس المؤقّت.
ومن الواضح، وفق العديد من القراءات، أن إعلان الرئيس الإفراج عن المعتقلين يأتي في سياق محاولته تهدئة الشارع، قبل أيّام من حلول الذكرى الثانية لانطلاق الحراك الشعبي في 22 شباط/ فبراير 2019. وشَكّلت مسألة معتقلي الرأي، على مدى سنتين، أبرز مطلب لنشطاء الحراك الشعبي، وكانت مصدراً دائماً للاحتقان ونزوع جزء من الطبقة السياسية إلى رفض الحوار مع السلطة. لكن هذه الخطوة تمّ استقبالها بحذر شديد من قِبَل نشطاء يخشون أن تكون فقط مجرّد مناورة من السلطة لتمرير ذكرى الحراك الشعبي، في ظلّ ارتفاع الدعوات للعودة إلى التظاهر، وإعادة إحياء الحراك في هذه المناسبة.
وسبق للرئيس تبون، قبل أن يدلي بخطابه، أن استقبل عدداً من الأحزاب السياسية، كان أبرزها «جبهة القوى الاشتراكية»، أقدم حزب معارض في الجزائر، والذي ظلّ رافضاً للتحاور مع السلطة في الفترة الأخيرة، بسبب عدم توفُّر الشروط المناسبة لذلك. ودعا هذا الحزب، الرئيس، وفق ما أعلنه في بيانه عقب اللقاء، إلى اتخاذ إجراءات تهدئة أبرزها إطلاق سراح المسجونين. وتبحث الرئاسة عن توسيع دائرة الأحزاب المنخرطة في مسارها الإصلاحي، عبر إقناعها بالمشاركة في الانتخابات، وتجنُّب خيار الشارع، لكن مهمّتها في ذلك لن تكون سهلة، بالنظر إلى وجود قطاع من الجزائريين لا يرى بديلاً من مواصلة التظاهر لتحقيق مطلب «التغيير الجذري»، وهو ما كشفت عنه مسيرة مدينة خراطة شرقي البلاد قبل 4 أيام، والتي شهدت مشاركة سياسيين يرفضون تماماً الانخراط في المسار الانتخابي الذي أطلقته السلطة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا